بجروح وندوب وصلا الى "شجرة الغرباء" بمدنين: مهاجران من غينيا يرويان مأساة مصيرهما ويؤكدان عدم اعتراف الانظمة بالقيم الانسانية

هنا تحت ظل هذه الشجرة، يستكين اخوان غينيا الجنسية للراحة والهدوء، ويمضيان نهارهما تحت شجرة ضخمة بجسد انهكته عصا القوانين الغليظة، ويقفان نهارا على قدمين تغطيهما الندوب والجروح التي أبت الا أن تزيد في آلامهما، فكل جرح له قصة وكل ندب يخفي وراءه وجع.

وصلا الى مدنين أمس الثلاثاء بعد رحلة طويلة دامت أربعة أيام من حدود الجزائر الى تونس العاصمة، كما قال أحد الشقيقين لموقع الجمهورية، خلفت لهما ارهاقا لم يبرحهما الى اليوم وزاد غياب الاكل والشرب من تعكر حالهما نفسيا وجسديا.

وأضاف محدثنا أنهما وصلا من تونس الى مدنين عبر شاحنة صغيرة وضعتهما قبالة مبيت المهاجرين غير النظاميين للنساء والمتزوجين بطريق جربة بمدنين، رحلتهما كما جاء على لسانهما كانت شاقة ومرهقة بتراكم سنوات بعد ان فقدا عائلتهما وهما في عمر الطفولة، 10 سنوات و11 سنة، وما زاد في وجعهما الفترة التي قضوها في الجزائر خلال عملهما في حضائر بناء وما تعرضا إليه من تنمر وعنصرية وعنف مادي ولفظي ما دفع بهما الى الهرب الى تونس بعد ثمانية أشهر من الاستقرار في الجزائر قادمين من دولة مالي.

كما تحدثا إلينا رغم عدم اتقانهما للغتي الفرنسية والانقليزية، فبالكاد كنا نفهم حديثهما. وبينما كنا نتحدث معهما عن ظروف وصولهما الى تونس ومنها الى مدنين، بادر أحد الشقيقين بتعرية ظهره، كان يحمل ندوبا وخدوشا من أثر الضرب بعصا (ماتراك) الامن الجزائري بالحدود وطال التعنيف كامل جسدهما النحيف ومع ذلك نجحا في اجتياز الحدود الى بلادنا التي وصلاها سيرا على الأقدام.

coup dos - بجروح وندوب وصلا الى "شجرة الغرباء" بمدنين: مهاجران من غينيا يرويان مأساة مصيرهما ويؤكدان عدم اعتراف الانظمة بالقيم الانسانية

عديد الشباب من جنسيات مختلفة كان مصيرهم الاقامة تحت هذه الشجرة التي أطلقنا عليها اسم “شجرة الغرباء” فعديدة هي القصص التي نقلناها من المكان نفسه على لسان أصحابها، فقط يكمن الاختلاف بينهم في أحداثها أما مصيرهم فواحد إما العيش والمبيت في العراء او التسلل الى ليبيا عبر الحدود بمساعدة من ” القانون التونسي”.

إقرأ أيضا

مدنين، هل ظالمة أم مظلومة؟

مدنين هذه الولاية الامنة اجتماعيا، لم يدخر اهلها جهدا في تقديم يد المساعدة لكل من طلب اللجوء إليها ، وهذا موثق منذ 2011 عندما استقبلت معتمدية بن قردان اكثر من 11 ألف شخصا فروا من الحرب في ليبيا، وهو الحدث الذي ساعد في تركيز مكاتب جهوية لمنظمات دولية للعناية بالوافدين على اختلاف جنسياتهم.

في المقابل، تجد ولاية مدنين اليوم نفسها لوحدها في مواجهة ملف المهاجرين غير النظاميين خاصة في هذه الفترة التي تعيش فيه موجة انتشار فيروس كورونا المستجد، حيث يصل في كل مرة الى مدينة مدنين أشخاص من ولايات مجاورة عبر شاحنات معدة لنقلهم بمقابل وتضعهم قبالة المبيت المذكور مباشرة وهو ما يؤكد تواطئ المسؤولين بالولايات المصدرة من حيث تسهيل عملية تحولهم إلى مدنين.

هذا التصرف خلق حيرة لدى السلط الجهوية في التعاطي مع المهاجرين غير النظاميين في ظل غياب الدور الرئيسي للمنظمة الدولية للهجرة المطالبة بأخذهم على عاتقها وتنصلها من مسؤولياتها في هذا الوضع الوبائي الذي تعيشه بلادنا مؤكدة على أن دورها يقتصر فقط على الاعاشة دون سواه، وفق تصريح لرئيس المكتب بجرجيس في حديثه مع والي الجهة.

وللتذكير، فقد دعا والي مدنين الحبيب شواط في جلسة جهوية لمجابهة فيروس كورونا المستجد السلط الأمنية والعسكرية الى عدم السماح لاي شخص من الدخول عبر الحدود البرية الصحراوية قادمين من ليببا وارجاعهم مع منع استقبال المهاجرين غير النظاميين القادمين من ولايات أخرى الا إذا ما قامت المنظمة الدولية للهجرة بكراء مبيت خاص لاخضاعهم للحجر الصحي والتأكد من عدم حملهم لفيروس كورونا المستجد، وهو ما لم تلتزم به وتسبب في بقاء الشابين في العراء وغيرهما ممن رمتهم الظروف تحت “شجرة الغرباء”.

وجدير بالذكر أننا راسلنا وزارة الخارجية لمدنا بنسخة من اتفاقية العمل التي تشرّع لتواجد المنظمة الدولية للهجرة بتونس ومجالات تدخلها في ملف الهجرة ولكنها لم تتفاعل ما سيضطرنا الى رفع الموضوع الى هيئة النفاذ الى المعلومة.

نعيمة خليصة

قد يعجبك ايضا