انتفاضة قرغيزستان: حريق جديد في حديقة الكرملين الخلفية

على نحو متسارع، تفاقمت الأوضاع في قرغيزستان خلال الساعات الـ48 الماضية عقب الاحتجاجات التي اندلعت على إثر نتائج الانتخابات البرلمانية التي فاز بها حزبان كبيران يرتبطان بالنخبة الحاكمة والرئيس سورونباي جينبيكوف، والتي تخللها اقتحام المجمع الحكومي الذي يضم كلاً من البرلمان والمكتب الرئاسي ليل الاثنين الثلاثاء، فضلاً عن تحرير الرئيس السابق ألماظ بك أتامباييف المسجون بتهم فساد. وفيما سارعت لجنة الانتخابات إلى إبطال النتائج على أمل احتواء الأزمة، تتسارع الأحداث وفق سيناريو يرجح إطاحة ثالث رئيس في البلاد نتيجة احتجاجات وثورات عارمة شهدتها في العقدين الأخيرين. وتراقب موسكو عن كثب الأحداث التي قد تنهي حكم جينبيكوف القريب منها والذي حاز على دعم الكرملين أثناء لقائه مع الرئيس فلاديمير بوتين في سوتشي في 28 سبتمبر/ أيلول الماضي، أي قبل أيام على الانتخابات البرلمانية التي فجرت الاحتجاجات الحالية. وتخشى روسيا من تلقيها ضربة جديدة تحمل معارضين لها إلى السلطة، ليضاف هذا التحول إن حدث إلى ما تشهده حديقتها الخلفية من حرائق في الآونة الأخيرة.
وقال المجلس التنسيقي للمعارضة القيرغيزية إنّ المعارضين “يدرسون خيارين لتحقيق الاستقرار في الوضعين الاجتماعي والسياسي بالبلاد؛ الأول أن يعرض المجلس التنسيقي على جينبيكوف تقديم استقالته من منصب الرئيس طوعاً، أو عزله أثناء اجتماع طارئ تمت الدعوة إليه للبرلمان القرغيزي (جوغوركو كينيش)”.

إبطال نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت الأحد الماضي

وبدا أمس الثلاثاء أنّ الدولة الواقعة في وسط آسيا قد دخلت في موجة من الاضطرابات، بعد الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد، ولا سيما العاصمة بيشكك، احتجاجاً على نتائج الانتخابات التشريعية التي نظمت الأحد الماضي، ورافقتها مزاعم بشراء الأصوات. وفيما كان جينبيكوف يؤكد أمس أنه لا يزال يسيطر على الوضع في البلاد بعدما قام متظاهرون باجتياح مقر الحكومة ومبانٍ حكومية أخرى، وأفرجوا عن منافسه السابق ألماظ بك أتامباييف الذي يقضي عقوبة سجن لـ11 عاماً بتهم فساد، كانت المعارضة تقول إنها انتزعت السلطة من الرئيس الحالي، فيما أعلنت لجنة الانتخابات المركزية إلغاء نتائج الانتخابات، في خطوة يبدو أنّها لم تحقق الهدف المرجوّ وهو السيطرة على الوضع ومنع انزلاق الأمور وتدحرجها نحو سيناريو أسوأ بالنسبة للسلطة الحاكمة، في بلد له تاريخ من الاضطرابات السياسية.
وذكرت اللجنة في بيان نشر على موقعها الإلكتروني أنّ “نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 4 أكتوبر/ تشرين الثاني 2020، أبطلت اليوم (أمس)”. وصرّحت رئيسة اللجنة نورجان شيلدابيكوفا لوكالة أنباء “إنترفاكس” بأنّ القرار اتخذ من أجل “تجنب التوتر” في البلاد.
واتهم جينبيكوف “قوى سياسية معينة” بمحاولة “الاستيلاء بشكل غير قانوني على السلطة” في البلاد، في بيان صباح أمس الثلاثاء، وحثّ المعارضة على إبعاد الناس عن الشوارع. ومعلوم أن احتجاجات حاشدة اندلعت في العاصمة بيشكك ومدن أخرى، بعد إعلان السلطات النتائج المبكرة للانتخابات البرلمانية يوم الأحد.

ثورات سابقة
وتعدّ قرغيزستان “واحة للديمقراطية”، مقارنة ببلدان محيطها في آسيا الوسطى، وتغيّر في الثلاثين سنة الأخيرة 25 رئيساً للوزراء فيها، ولكنها شهدت ثورتين في الخمسة عشر عاماً الأخيرة، وأطاحت رئيسين. كذلك اقتربت البلاد من شفير حرب أهلية نتيجة انفجار صراعات عرقية وإثنية بين مكوناتها، وكذلك بسبب الفرق الكبير بين مناطق الشمال والجنوب في الداخل.
وفي عام 2005، اندلعت “ثورة التوليب” أو السوسن، وهي واحدة من الثورات التي اصطلح على تسميتها “الثورات الملونة”. وانطلقت حركة الاحتجاجات في 25 مارس/ آذار 2005، وأدت إلى خلع الرئيس عسكر أكاييف، وتعيين كرمان بيك بكاييف قائماً بأعمال رئيس الجمهورية ورئيساً للحكومة القيرغيزية المؤقتة، ومن ثم انتخابه في يوليو/ تموز 2005 رئيساً للجمهورية.

تعدّ قرغيزستان “واحة للديمقراطية”، مقارنة ببلدان محيطها في آسيا الوسطى

وفي عام 2010، نشبت سلسلة من أعمال العصيان المدني في العديد من مدن الجمهورية بسبب الاستياء الشعبي من الرئيس كرمان بيك بكاييف، وممارساته السياسة في إطار الحد من الحريات الاقتصادية والديمقراطية. وقاد متظاهرون ثورة على الحكومة القرغيزية في مدينة تالاس يومي 6 و7 إبريل/ نيسان من ذلك العام، بعد أن كانت قد سيطرت الشرطة القرغيزية على العاصمة بيشكك، وقد تم تأكيد مقتل 74 شخصاً وإصابة 500 آخرين خلال الأحداث وقتها.
ومساء يوم 7 إبريل، فرّ بكاييف إلى مدينة أوش الجنوبية، والتي تحولت لمركز لمناهضة الحكومة، وقام زعماء المعارضة والتي عادت وسيطرت على العاصمة بيشكك، بتشكيل حكومة انتقالية برئاسة روزا أوتونبايفا، وانتهت الأحداث حينها بسجن بكاييف.

موقع استراتيجي
تتربع الجمهورية السوفيتية السابقة على سلسلة جبال في قلب آسيا الوسطى، ما جعلها محط تنافس استراتيجي بين القوى العظمى رغم مساحتها الصغيرة التي لا تتجاوز 200 ألف كيلومتر مربع. وازدادت أهمية قرغيزستان بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لوقوعها على مقربة من أفغانستان، ما دفع الولايات المتحدة إلى إنشاء قاعدة “ميناس” الجوية فيها. ويبلغ عدد سكانها قرابة 6.5 ملايين نسمة، يعمل قرابة 2 مليون في روسيا، ويرتبط البلدان باتفاقات سياسية واقتصادية وعسكرية، فضلاً عن أن قرغيزستان عضو في منظمة “معاهدة الأمن والتعاون” التي أسستها روسيا منذ قرابة عقدين.

إقرأ أيضا

مشكلات عرقية وعشائرية ومناطقية
يشكل القرغيز نحو 65 في المائة من سكان البلاد، ويتركز وجودهم في الجبال والأرياف، إضافة إلى كبريات المدن، فيما تبلغ نسبة الروس قرابة 12 في المائة من سكان البلاد ومعظمهم في بيشكك وبعض المدن الكبرى. ويمثل الأوزبيك، بدورهم، نحو 14 في المائة من عدد السكان ويتركزون في مناطق الجنوب، حيث يشكلون قرابة نصف سكان المنطقة التي تفصلها عن الشمال سلسلة تيان شان الجبلية الوعرة، التي يصل ارتفاعها إلى نحو ثلاثة آلاف متر، وهي التي تفصل العاصمة بيشكك في الشمال المتطور، عن مدينة أوش في الجنوب. ويعمل الأوزبيك في قطاع التجارة والخدمات، واشتعلت أكثر من مرة صراعات على أساس عرقي مع القرغيز الأفقر عموماً من أقرانهم الأوزبيك.
ويعاني الجنوب من ارتفاع نسبة الفقر، بسبب غياب الدولة، أو تراجع دورها لانتشار حكم المافيات والعشائر، ما أدى إلى غياب المشاريع التنموية وزيادة اختلال التوازن على صعيد التطور بين الشمال والجنوب، إضافة إلى تأثيرات الأزمة الاقتصادية في البلاد.
وتعّد قرغيزستان ممراً أساسياً لتجارة المخدرات من أفغانستان باتجاه آسيا الوسطى ومنها إلى روسيا، ما يدفع الروس للتعاون أمنياً مع سلطات هذه الدولة للتخفيف من تدفق المخدرات التي تقتل مئات آلاف الروس سنوياً، بسبب الإدمان والأمراض المرافقة له.

نجحت موسكو في العقد الأخير في إبعاد قرغيزستان عن أميركا

روسيا تزيح واشنطن
أنشأت الولايات المتحدة قاعدة “ميناس” قرب العاصمة بيشكك التي مثلت قبل إغلاقها مركز ترانزيت مهماً، تمرّ من خلاله أغلبية القوات الأطلسية إلى أفغانستان. وأسست القاعدة في عام 2001، وأغلقت رسمياً عام 2014، بعد تراجع العلاقات بين بيشكك وواشنطن، على خلفية منح الأخيرة جائزة لحقوق الإنسان لمنشق منحدر من أصل أوزبكي يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة بتهمة التحريض على الكراهية العرقية أثناء اشتباكات عرقية وقعت بين الأوزبيك والقرغيز، وأسفرت عن مقتل ما يزيد عن 400 شخص في جنوب قرغيزستان في عام 2010.
وفي المقابل، نجحت موسكو في العقد الأخير في إبعاد قرغيزستان عن فلك السياسة الأميركية. وتملك روسيا قاعدة جوية في كانط التي تبعد 20 كيلومتراً عن العاصمة، وتتمركز فيها قوات التدخل السريع لمنظمة “معاهدة الأمن والتعاون” (تضمّ كلاً من روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان وأرمينيا وقرغيزستان).
وفي فبراير/ شباط من العام الحالي، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مرسوم يتضمن المصادقة على بروتوكول وقعته روسيا وقرغيزستان في 28 مارس/ آذار 2019، يسمح بإدخال طائرات مسيرة إلى قاعدة كانط العسكرية والتي تضم قوات روسية في قرغيزستان. وهو بروتوكول ملحق باتفاقية موقعة في عام 2012، تقضي بإنشاء قاعدة عسكرية في قرغيزستان. وحينها، أوضح مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، أنّ البروتوكول يُدخل تغييرات على الاتفاقية التي أنشأت روسيا بموجبها قاعدة عسكرية في أراضي قرغيزستان. ويسمح البروتوكول الإضافي للقوات الموجودة في القاعدة باستخدام الطائرات المسيرة. وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في تصريحات خريف العام الماضي، أنّ بلاده مستعدة لفتح قاعدة عسكرية ثانية في قرغيزستان في حال تمّ التقدم بطلب لذلك، بما يحفظ الأمن والاستقرار فيها.

دعم اقتصادي روسي
وشطبت موسكو ديوناً كثيرة مستحقة على قرغيزستان في العقدين الأخيرين، وافتتحت مشروعات اقتصادية ضخمة فيها، كما يعمل نحو مليون قرغيزيستاني في روسيا. وبحسب البيانات الرسمية حول هؤلاء العمال، فقد أدخلوا قرابة 1.5 مليار دولار في 2019، أو ما يزيد عن 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد المقدر بقرابة 8 مليارات دولار. ورغم مرور نحو ثلاثة عقود على استقلال قرغيزستان بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، لا تزال اللغة الروسية منتشرة على نطاق واسع، ولا توجد أي تشريعات لتضييق استخدامها. وتتنافس موسكو اقتصادياً مع الصين الناشطة في مجال التجارة وصناعات الطاقة والتعدين، والتي بدأت أيضاً بافتتاح مدارس تعليم اللغة والثقافة الصينية في قرغيزستان، وتهتم بدعم الأخيرة نظراً لوجود نسبة وازنة من الإيغور في البلاد، الواقع جزء من أراضيها على الحدود مع إقليم شينجيانغ المضطرب ذي الغالبية المسلمة من الإيغور.

الموقف الروسي
وفي أول موقف روسي بشأن الأحداث، أعربت وزارة الخارجية الروسية، أمس الثلاثاء، عن أمل موسكو بحل الوضع في قرغيزستان بالطرق السلمية وعلى أساس قانوني، وحضّت جميع القوى السياسية على التحلي بالمسؤولية من أجل الحفاظ على أمن واستقرار البلاد. وشددت الخارجية في بيان على أنّ “روسيا مهتمة بضمان الاستقرار السياسي الداخلي لقرغيزستان – شريكتها الاستراتيجية وحليفتها – وأمن ورفاهية الجميع في هذا البلد”. وأعربت الخارجية عن أمل موسكو في “حل سريع للأزمة في إطار قانوني، من خلال المفاوضات وبدون استخدام القوة”. وقالت “ندعو جميع القوى السياسية في هذه اللحظة الحاسمة إلى التحلّي بالحكمة والمسؤولية من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن الداخليين”. وأكدت أنه “في ظل الظروف الحالية، ينبغي أن تظل الأولوية للحفاظ على الاستقرار من أجل مزيد من التطور الديمقراطي لجمهورية قرغيزستان في إطار دستورها وتشريعاتها”.

موسكو ترغب في بقاء موازين القوى الحالية لصالح النخبة الحاكمة في قرغيزستان

ومعلوم أن قرغيزستان عززت علاقتها مع روسيا في السنوات الأخيرة، وسط اعتراض من حركات المعارضة التي وجهت انتقادات لتلك العلاقات الوثيقة، معتبرةً أنها “تنتقص من استقلال قرغيزستان”. وندد الرئيس القرغيزي سورونباي جينبيكوف بمشاعر المعارضة خلال لقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي الروسية، في 28 سبتمبر الماضي قبل أيام من الانتخابات.
وقال جينبيكوف إنّ حركات المعارضة هذه “تحاول دق إسفين في علاقة الحلفاء، وفي الشراكة الاستراتيجية”، وأضاف متحدثاً لبوتين: “لن ينجحوا أبداً، لأن دعم روسيا ضروري بالنسبة لنا. أود أن أشكركم على هذه المساعدة. لطالما اعتززنا بعلاقتنا التاريخية التي صمدت أمام اختبار الزمن”. وفي المقابل، أكد بوتين أن بلاده ماضية في دعم قرغيزستان.
ومن المؤكد أنّ موسكو ترغب في بقاء موازين القوى الحالية لصالح النخبة الحاكمة في قرغيزستان التي انضمت أخيراً إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهو أحد المشروعات المحببة لبوتين لعودة روسيا إلى الساحة السوفييتية. وتراهن موسكو على أن أي قيادة مستقبلية في البلاد تملك فهماً واضحاً بأنه لن يكون من الممكن الاستغناء عن روسيا كغطاء اقتصادي وعسكري وسياسي.
وتضيف أحداث قرغيزستان ضغطاً إضافياً على الدبلوماسية الروسية التي باتت تعاني من حرائق عدة في محيطها السوفييتي السابق، بعد اندلاع الاحتجاجات في بيلاروسيا قاعدتها الأمامية في الغرب، والمعارك المتواصلة بين أرمينيا وأذربيجان ما يهدد منظومة الأمن في جنوب القوقاز، إضافة إلى المشكلات المتعلقة بالأوضاع في أوكرانيا. وبات الضغط هائلاً على روسيا المجبرة على الانخراط في هذه الأزمات، إضافة إلى دخولها بقوة على خط الأزمتين السورية والليبية والملف النووي الإيراني، مع وجود بوادر أزمة كبيرة مع الغرب على خلفية تسميم المعارض أليكسي نافالني. ومن المؤكد أنّ بوتين الذي أُطلق اسمه على قمة عالية في جبال قرغيزستان قبل سنوات تكريماً لدوره، يستشعر خطراً كبيراً من إمكانية صعود نخبة جديدة قد تنفتح أكثر على الغرب والصين، وتبتعد عن فلك الكرملين الذي عمل ما في وسعه في السنوات الأخيرة لترتيب أوضاعه في آسيا الوسطى والقوقاز، ولكن النيران باتت تهدد “حدائق الكرملين الخلفية” في بلدان تعاني من الفساد والتراجع الاقتصادي.

قد يعجبك ايضا