بعد تفاقم انتشار الوباء والتزايد الملحوظ لعدد ضحايا الكورونا: الطبيب والكاتب فهمي البلطي يكتب ما يلي

تعرض الطبيب والكاتب فهمي البلطي في تدوينة نشرها على حسابه الفايسبوكي الى الاشكاليات التي تعاني منها المنظومة الاستشفائية التونسية و الى المنعرج الصحي الخطير الذي مسّ البلاد في الأيام الأخيرة جراء انتشار فيروس كورونا داعيا النقابات والجمعيات الطبية والأطباء والممرضين المستقلين وكلّ من يهمهم الأمر تجاه الحالة المخزية التي يعيشها القطاع، الى الاجتماع ولو افتراضيّا في أقرب الآجال الممكنة من أجل إيقاف هذا الخراب.
وهذا نص منشوره كاملا:
“نحن الطبيب والكاتب فهمي البلطي،
وبعد التطورات الخطيرة التي شهدتها البلاد بخصوص تفاقم انتشار الوباء والتزايد الملحوظ لعدد الضحايا وخاصة لحالات الموت الفجئي لمصابي كورونا أيّا كانت أعمارهم، يهمّنا أن نوضّح ما يلي:
أوّلا:
أنّ هذه الحكومة تبدو وكأنّها حكومة ورقيّة، وأقلّ بكثير من أن تكون حتّى حكومة تصريف أعمال، ففي الوقت الذي تشهد فيه البلاد منعرجا صحيّا خطيرا منذ ما يقارب الأسبوعين، نجد أنّ الاهتمامات الرئيسيّة لرئيس الحكومة هي النّقاش حول زيادة أجور الولّات،
وفي الوقت الذي ينتظر فيه قطاع الصحة على وجه الخصوص بعض القرارات السياسيّة المهمّة والمصيريّة نجد أنّ هناك غيابا شبه كلّيّ لأيّ قرار كان، وأنّ نشاط الدولة في هذا الخصوص ينحصر تقريبا في بعض النّصائح الوقائيّة المتلفزة والتي على المواطن أن يقوم بها طوعيّا وليس إجباريّا، وأنّ هذه النّصائح أصبحت عقيمة تقريبا، وفي مقام الثرثرة غير المجدية وذلك لسببين على الأقلّ:
أنّ الكثير من المواطنين لا يعملون بهذه النّصائح من أصله، وأنّ البعض منها غير عملي من أساسه بسبب الزحام في وسائل النّقل العمومي والمستشفيات ومصالح البريد والبنوك والأسواق الخ..
ثانيا بسبب غياب أيّ نتيجة ملموسة لهذه النّصائح من أساسه على أرض الواقع بل إنّ العكس تماما هو الذي يحصل حيث أصبحت تونس من البلدان الأوائل في العالم من حيث سرعة انتشار الوباء وحصده للضحايا.
ثانيا:
يهمّنا أن نذكّر بالحالة الكارثية التي يعاني منها قطاع الصحة العمومية في تونس قبل وباء كورونا فما بالك إبّانه:
1- النقص الفادح وإلى حدّ هذه اللحظة في العشرات من الأدوية الرئيسيّة والأساسية والتي تهمّ الصحة بل الحياة المباشرة للمواطنين: أدوية ضغط الدم والسكري والكوليستيرول والقلب والصرع وتخثر الدم والجلطات الدماغية الخ، والذي قد تسبب في وفاة بعض هؤلاء المرضى وسوف يتسبب في نقص أمل الحياة للبعض الآخر، هذا علاوة على حلقة العقم التي أصبحت تدور فيها إطارات الصحة من أطباء وممرضين وتقنيين، إذ أنّه من العبث عينه أن يتمّ تتبّع مريض لا يحصل على الأدوية من أساسه وكلّنا نعرف المقدرة الشرائية للغالبية القصوى من المواطنين علاوة على أنّ الكثير من الأدوية غير متوفرة في الصيدليات الخاصة حتّى بالنسبة إاى المرضى ذوي القدرة الشرائية المحترمة.. نذكّر أنّ هذا النقص الفادح للأدوية يعود إلى عمليّات تهريب وإلى حالة من الفوضى العارمة التي تشهدها الصيديلة المركزية و تشهدها مخابر الأدوية دون أن نرى تحرّكا جديّا من قبل الحكومات المتعاقبة من أجل معالجة جدية لهذا الأمر.
2- حالات الازدحام المشطّ في العيادات الخارجية وأقسام الاستعجالي مع التّذكير بأنّ الغالبية القصوى هذا إن لم أقل جميع أقسام الاستعجالي دون استثناء في كامل بلاد الجمهورية لا تخضع إلى حدّ هذه اللحظة أي واحد أكتوبر من السنة العشرين في القرن الواحد والعشرين إلى عمليّة في غاية الأهمية ألا وهي فرز المرضى قبل الدخول إلى عيادة الاستعجالي وهو ما يجعل من هذه الأقسام شيئا شبيها بالسوق الأسبوعية دون أدنى مبالغة حيث تختلط الحالات الباردة بالحالات الاستعجالية وحيث يتعامل المواطن مع هذه الأقسام باعتبارها عيادات خارجية مفتوحة طول الليل والنّهار وبإمكانه أصلا أن يلتجىء إلى التعنيف المباشر إن تمّ إخباره مجرّد الإخبار بعكس ذلك.
نذكّر أيضا أنّ الحكومات المتعاقبة لم تبحث ولو مرّة واحدة في هذه المسألة الجوهرية بل وساهمت في كثير من المرّات في تدعيم حالة الفوضى هذه عن طريق مزيد إغراق الأطباء والممرضين بمن في ذلك المتربّصين في تحمّل مسؤوليّات ليست أصلا من مشمولاتهم، بل الأدهى والأمرّ من ذلك هو غياب قانون أساسي واضح سواء بالنسبة إلى الممرضين أو الأطباء ينظّم عملهم على عين المكان، ويحدّد مسؤوليتهم القانونية في ذلك الصّدد
3- غياب أبسط المعدّات الطبية في المستشفيات، وحين أقول أبسط فذلك يشمل المحرار أو لوحة خفض اللسان من أجل أدنى الفحوصات على الإطلاق ألا وهو فحص الحنجرة، هذا دون أن نتطرّق إلى كارثة كبرى تعتبر وصمة عار في جبين البلاد التونسية ألا وهي أنّ المستشفيات والمستوصفات ومراكز الرعاية الصحية عموما لا تخضع لكرّاس شروط في المعمار أو التهيئة أو التجهيز الخ وهو ما يجعل العمل في هذه المؤسسات بمثابة المغامرة الحياتية اليومية سواء بالنسبة إلى لمريض أو الإطار الصحي على حدّ سواء.
4- الأجور الزّهيدة والمخزية لساعات المناولة في أقسام الاستعجالي على وجه الخصوص، وهي الأقسام الأكثر إجهادا وتعريضا للمخاطر بجميع أنواعها، يجدر أن نذكّر في هذا الخصوص أنّ العمل الليلي عموما يتسبّب في اضطرابات في النوم وتفاقم أمراض القلب والشرايين والأمراض النفسية والعصبية وانخفاض أمل الحياة عموما فما بالك إذا كان هذا العمل داخل القطاع الصحي أي داخل المؤسسة الأكثر ضغطا بما لا يمكن وصفه بما أنّها تهتمّ بالحياة المباشرة للمواطنين، وبما أنّه أكثر قطاع مهمّش على الإطلاق وتسوده الفوضى العارمة مثلما نحن بصدد وصفه الآن.
نذكّر أنّ أجر السّاعة الواحدة داخل هذه الأقسام الجحيمية، بعد الزيادات الأخيرة منذ بضعة أشهر فقط، لا يفوق الثلاثة دنانير ونصف من المليمات التونسية سواء بالنسبة إلى الطبيب العام أو الطبيب المختصّ. بل نذكّر أيضا أنّه لا وجود لراحة تعويضيّة في صباح اليوم الموالي أي أنّ الطبيب يواصل عمله الصباحي المعتاد بعد ساعات المناولة كأنّ شيئا لم يكن وهو في قمّة إجهاده الجسدي والنّفسي.
5- عدم وجود خطّة طبيب معوّض في حالة الغيابات المطوّلة التي تفوق السنتين أو أكثر على التّوالي، بل إنّ الأطباء الموجودين على عين المكان هم من يقومون بتعويض زملائهم كامل هذه المدّة أي أنهم يشتغلون خطّة أكثر من طبيب واحد ونذكّر أنّ هذه الغيابات المطولة تفوق في أحيان كثيرة نسبة عشرين بالمائة من مجمل الأطباء وتصل في بعض الأحيان إلى نسبة خمسين في المائة في بعض الأقسام..
بإمكانكم أن تتخيّلوا النتيجة بمفردكم خاصة وأنّ المستشفيات العمومية ومثلما أشرنا سابقا لا تخضع لأيّ معيار من معايير طاقة الاستعاب أو الفرز أو تحديد عدد أقصى من المرضى الخ ، بل إنّ الغالبية القصوى من هذه المستشفيات هي فعلا عبارة عن سوق أسبوعية، مع الاعتذار عن هذا المجاز الصّادم.
6- حالة المفاضلة الغريبة في العطل السنوية للعاملين بقطاع الصحة مقارنة ببقية القطاعات، ففي الوقت الذي تشتغل فيه هذه الإطارات ستة أيام في الأسبوع الواحد -ناهيك عن ساعات المناولة أيام الآحاد والعطل والأعياد- نجدها تتمتّع بنفس مقدار العطلة السنوية مقارنة بقية القطاعات التي تشتغل خمسة أيام في الأسبوع الواحد، والحال أنّ إطارات الصحة هذه تشتغل أكثر من خمسين يوما إضافيّا في السنة الواحدة مقارنة ببقية القطاعات، هذا دون أن نذكّر بطبيعة الحال بالمنح الزهيدة جدّا سواء كانت منح إنتاج أو منح الخطر أو غيرها، والأجور المخزية بطبيعة الحال لساعات المناولة والتي وفي بعض الأحيان لا تسددّها الدولة من أساسه لمستحقيها..
نذكّر في هذا الصّدد بالمئات من زملائنا من الأطباء المقيمين والداخليين الذين لم يتحصّلوا على مستحقاتهم إلى حدّ هذه اللحظة بعد تأمينهم لحصص مناولة جحيمية سواء أثناء الوباء أو قبل ذلك بسنوات أو بأشهر.
ثالثا:
ولأعد الآن إلى المنعرج الصحي الخطير الذي تعاني منه البلاد في الأيام الأخيرة، يهمّني أن أعبّر عن استيائي الكامل وإحباطي الذي يوصف من الكثير من الأطباء الذين يؤثثون برامج تلفزية للقيام بأدوار سياسيّة ليست في محلّها على الإطلاق ففي الوقت الذي من الواجب أن ينبّهوا بل وأن يعبّروا عن استيائهم وغضبهم للحالة الحضيضية التي وصل إليها القطاع وللخطر المحدق لتفاقم انتشار الوباء في الأيام الأخيرة نجدهم على العكس يغطّون على الدولة تخليها عن مسؤولياتها ويغطّون على حالة البؤس منقطعة النّظير التي يعاني منها القطاع.
نذكّر أيضا بحالة التناقض الغريبة في خطابهم بين الموجة الأولى والموجة الثانية فنفس الوجوه التي كانت تدقّ نواقيس الخطر وتعبّر عن الضّرورة القصوى للحجر الصحي العام في الموجة الأولى رغم أنّ عدد الضحايا حينها سواء من المصابين أو الموتى كان أقلّ بكثير من الموجة الثانية، نجدها هي نفسها تتوجه برسائل طمأنة مضمرة أو تكتفي فقط بتكرار نصائح جوفاء أثبتت عقمها وعدم جدواها كالتباعد الاجتماعي أو استعمال المعقم الخ..
ننبّه أيضا أنّه، وإن كان الحجر الصحي العام في هذه الفترة بإمكانه أن يؤثر سلبا على الحركة الاقتصادية للبلاد، فإنّنا نذكّر هؤلاء الأطباء، أنّ ذلك ليس من مشمولاتهم بل من مشمولات الحكومة وأنّ واجبهم المهني والإيتيقي يتمثّل فقط في قول الحقائق العلمية وفي بسط الحلول العلمية الممكنة للحدّ من انتشار هذا الوباء بعيدا عن أيّ حساب سياسي كان.
رابعا:
وهنا أريد أن أتوجّه إلى زملائي من أطباء وممرضي الصفوف الأماميّة.
نحن نعلم أنّ الأثر والوقع النّفسي لوباء كورونا ليس هو ذاته مقارنة بشهر مارس المنقضي، وأنّ الجهاز النّفسي للغالبية القصوى منّا قد توجّه في النّهاية إلى نوع من التّأقلم والتسليم بالأمر الواقع وهو أمر منطقي للغاية، فحالة الخوف لا يمكنها أن تظلّ على حالها لأنّها يمكن أن تؤدّي بنا إلى الهلاك فزعا في نهاية المطاف،
ولذلك فإنّ التّأقلم النّفسي هو نوع من الحماية النّفسية التلقائية التي يستعملها جهازنا النّفسي عفويّا من أجل التحكم في انفعالاتنا وردود أفعالنا.
لكنّ ذلك ليس سببا مقنعا لمواصلة العمل في هذه الظّروف المهينة والقاسية وليس سببا مقنعا في أن تتراجع بصفة ملحوظة استراتيجيات الوقاية داخل المستشفيات ولا سببا مقنعا لمواصلة تأمين ساعات العامل في العيادات الخارجية بصفة عادية كأنّ شئيا لا يحدث على الإطلاق.
من الأكيد أنّ عملنا كأطباء وممرضين ولو في هذه الظروف الكارثية ليس مزيّة بل هو واجبنا تجاه أهالينا ومواطنينا في كلّ شبر من هذه البلاد وأننا مستعدون للقيام بواجبنا كاملا مكتملا في هذا الصّدد.
ولكنّنا أيضا لسنا أكباش فداء لأحد، وإن كانت الدولة بمؤسساتها المختلفة تقف وقفة الباهت والمتخلّي عن مسؤولياته فمن واجبنا أن نتحرّك من أجل فرض استراتيجيات وطرق عمل جديدة تحمينا وتحمي أهالينا وتحمي الآلاف المؤلفة من حشود المرضى الذين تزدحم بهم المستشفيات بجميع أقسامها في الوقت الراهن ممّا يفتح المستقبل القريب على باب جهنّم.
زملائي الأطباء والممرضين، نحن من تحصّلنا على أرقى الشهادات العلمية في البلاد، من نشتغل ساعات مجحفة بمسؤوليات كبرى وأخطار جمّة وأجور زهيدة جدّا رغم ذلك، مقارنة بقطاعات تشتغل في الرفاه بأجور أرفع وبشهادات أقلّ وبأخطار منعدمة تقريبا.
نحن الذين نعيش منذ سنوات في وضعية عصيبة جدّا داخل بلاد أنهكها الإرهاب والتّهريب والمال الفاسد والسياسة الحزبية والسرقة والتفريط في الثروة والانحلال السياسي والانخرام الاجتماعي والتدهور الاقتصادي، نحن الذين أيضا نتكبّد نتائج كلّ ذلك في شغلنا: ضحايا الإرهاب، نقص الأدوية نتيجة التهريب، تفاقم الأمراض العضوية والنفسية نتيجة كلّ هذه المصائب، والآن كلّ ذلك ينتهي بمفاجأة عالمية علينا أن نتكبّد نتائجها نحن أيضا في الصفوف الأمامية، دون أزر أو سند علما وأنّ وضعيتنا كارثية أصلا قبل الوباء..
إنّه الاستغلال بأمّ عينه والاستهتار بأمّ عينه والانحلال الكامل بأمّ عينه. ويبدو أنّ الوقت قد حان من أجل قول :
لا..
يكفي
stop
نحن نشتغل بما تمليه علينا ضمائرنا ولا نبخل بالغالي والنفيس على أهالينا وشعبنا، لكنّ هذا الاستغلال عليه أن ينتهي فورا وهذه الفوضى العارمة أن تنتهي فورا.
لسنا أكباش فداء لأحد، ولسنا نحن من عليه تعويض الدّولة بكامل انخرام مؤسساتها وتخليها عن مسؤولياتها.
النقابات والجمعيات الطبية والأطباء والممرضون المستقلون وكلّ من يهمهم الأمر تجاه هذه الحالة المخزية التي يعيشها القطاع، عليهم أن يجتمعوا ولو افتراضيّا في أقرب الآجال الممكنة من أجل إيقاف هذا الخراب.
انتهى.”
قد يعجبك ايضا