مؤلفها محمد العربي بن عزوز غادرنا منذ ايام: مقتطفات من كتاب "عرب على أبواب التاريخ"

بقلم الإعلامي والكاتب: المنصف بن مراد

غادرنا مؤخرا محمد العربي بن عزوز… غادر عائلته وأصدقاءه وبلاده أحد كبار مفكري تونس…

في بداية حياته النضالية عرف الفقيد السجون بسبب قناعاته السياسية اليسارية، وقد أثبتت شجاعته خلال محاكمته ومن ثمّ في السجن إلى أن حاول التأثير على الحكومة -مع عدد هام من المثقفين واليساريين- الذين ساندوا التوجهات الديمقراطية للنظام في بداية سنة 1988 على غرار الفقيد محمد الشرفي لكنه ابتعد عن الحقل السياسي ليعكف على الاهتمام بتأليف عدد من الكتب مساهمة منه في تحليل الوضع الكارثي للعرب بما في ذلك تونس…

ويمكن اعتبار المرحوم محمد العربي بن عزوز من ألمع المفكرين العرب حتى وإن كان العرب يحتقرون قراءة الكتب…

وللتذكير فقد ارتأى الراحل محمد العربي عزوز أن يهدي كتابه بعنوان “عرب على أبواب التاريخ” والصادر سنة 2011 إلى “أمة الكتاب التي لا يقرأ أهلها كتابا… أضيف كتابي هذا إلى أدراج النسيان والغبار والتسوّس… فمعذرة على ما اقترفت…” (وفق ما جاء في نص الإهداء).

وقد اقتطفنا من هذا الكتاب مقتطفات هامة كما يلي:

إقرأ أيضا

“لقد انهار العرب تاريخيا وحضاريا وهانت عليهم أنفسهم تحت تأثير الاستبداد السياسي والكهنوت الديني وتفكك شملهم ولم يعد بوسعهم تشكيل قوة موحدة ذات مصالح مشتركة قادرة على مواجهة تحديات التنمية التي تزداد كل يوم تعقيدا”…

“… واليوم تتكرر نفس المسرحية بنفس الممثلين أو بأحفاد نفس الممثلين تقريبا. عرب تائهون في التاريخ المعاصر يتقاذفهم الفرس والأتراك في انتظار أن يجهز عليهم الأنكلو-سكسون، مغول العصر الحديث. ولكن الفرق بين الأمس واليوم أننا كنّا حضارة حقيقية مشعة وفاعلة في التاريخ واليوم نحن لا شيء، نزحف من تدهور إلى انحطاط ومن انحطاط إلى سقوط…

التخلف اليوم اصبح مركّبا لأننا نعيش تناقضا رهيبا بين بشرية تتقدّم بسرعة فائقة في كل مجالات الحياة العلمية والبيولوجية والتكنولوجية والإقتصادية وعالم عربي يزداد غرقا في أوحال تخلّف رهيب يجسده هذا التكلّس الذي حجب كل بصيص أمل في أن يأتي يوم يتحرٍّ فيه العقل العربي من عقاله. وقد نجح الكهنوت الديني في تسطيح هذا العقل وتهميشه وفرض على المجتمع العربي الخوض في قضايا هامشية يحزن المرء لمجرد سماع طرحها على وسائل الإتصال الجماهيري واستبسل في مطاردة أشباح الكفرة والملاحدة في غير موضعهم فأصبحت قيم الحداثة والديمقراطية والتحرّر الإجتماعي لا سيما تحرّر المرأة تهم تكال لكل مفكر حرّ متحرّر من قيود الجهل والخرافة…”

“… نكسة العرب الأولى منذ نهاية القرن الحادي عشر ميلادي كان وراءها الكهنوت الديني وغلق أبواب الاجتهاد وخنق الحريّة وضرب المعتزلة وغيرهم من الحركات التي كانت تؤثث الفضاء العربي الإسلامي فانتصر الفقه المتشدّدلأحمد ابن حنبل ومن بعده فقه تلامذته، لا سيما ابن تيمية، وكان التبرير لحكّام الإستيلاء والغلبة، وتدريجيا انزلق العرب الى غياهب التخلّف.

أمّا الأسباب الرئيسية لنكبة العرب الحديثة فهي الاستبداد السياسي وتوأمه السيامي الكهنوت الديني أو الأصولية المتطرّفة، المتمترسة وراء ما يسمى باطلا “الصحوة الإسلامية” وهي من باب تسمية الأشياء بأضدادها لأنّ العالم العربي لم يعرف غفوة أقوى وأشدّ من الغفوة التي عرفها مند انتشار تيّار “الصحوة” التي يجدر اعتبارها غيبوبة طال أمدها أكثر من المحتمل.

عن أيّ صحوة يتحدّثون؟ هل شاهدتم غفوة أكبر من الغفوة التي نحن فيها؟ كيف تتحقّق الصحوة عند شعب لا يقرأ، لا يطالع، لا يستوعب المجهود الفكري الذي يقوم به الآخرون. عن أيّو صحوة يتحدّثون، هل قضينا على الأميّة الضاربة في عمق مجتمعاتنا، هل حررنا المرأة من دونيتها، هل رفعنا من نسبة الاعتمادات المخصّصة للبحث العلمي في موازيننا، هل أسّسنا مدنا علمية وجامعات ومراكز بحوث في كل مكان، ماهي الإجراءات التي اتخذناها لتطوير العبقرية الفردية والجماعية؟

نبذة عن الفقيد

الفقيد محمد بن العربي عزوز هو باحث في العلوم الاجتماعية والسكانية، متخرج من دار المعلمين العليا، فرع الاساتذة المساعدين، أداب فرنسية ومن معهد العلوم السكانية التابع لجامعة السربون الاول بباريس. وقام بالعديد من الدراسات والبحوث الميدانية المتعلقة بقضايا التنمية الجماعية لفائدة عدد من المنظمات الدولية والاقليمية والوطنية.
قد يعجبك ايضا