Take a fresh look at your lifestyle.

جامعة العرب اسما.. نافرة لأعضائها معنى !

امنة اليفرني

“لها موقف كبير يتسع لاكثر من مائة سيارة امام المبنى” ، هكذا عرّف الكاتب الساخر المصري الراحل “جلال عامر” المنظمة الاقليمية الأبرز على المستوى العربي جامعة الدول العربية، كيف لا وهي محلّ تشتّت وتباين بين أطرافها منذ تبلور فكرة انشائها، ولا عجب طالما ان الامبرياليتين بريطانيا وفرنسا هما من ساهمتا في تنفيذ الفكرة، وبالرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تأسيسها، إلا أننا لا نرى لها دوراً فاعلاً في بناء تعاون عربي مشترك فضلاً عن التأسيس لاتحاد عربي يحاكي الاتحاد الأوروبي.
الجامعة العربية التي تبلغ مساحة بلدانها الأعضاء مجتمعة 14 مليون كم مربّع، و بذلك تكون الثانية على مستوى العالم بعد روسيا الاتحادية ، ويبلغ مجموع سكانها حوالي 400 مليون نسمة ويعدّ الرقم الرابع عالميا بعد الصين والهند والاتحاد الأوروبي.. أعلن عن تأسيسها في 19 مارس 1945 في ميثاق مؤلف من ديباجة و20 مادة وثلاثة ملاحق، وقد قع على الميثاق مندوبو الدول العربية السبع انذاك في احتفال اقيم بقصر الزعفران بمدينة الاسكندرية، ليصبح عددهم اليوم 22 دولة بعد ان انظمت لها جزر القمر في 1993 .
تتمتع الجامعة العربية بشخصية قانونية مستقلة ومنفصلة كما يتمتع موظفوها ومبانيها بالحصانة الديبلوماسية وفقا للفصل 14 من ميثاقها، وتسعى من خلاله أيضا الى توثيق الصلات بين الدول العربية وصيانة استقلالها والمحافظة على امن المنطقة العربية وسلامتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والصحية.
في الحقيقة هي أهداف سامية ونبيلة، لكنها بقيت حبرا على ورق ولم تتجاوز اروقة مباني الجامعة، حيث يتنقل القادة في مواكب بهيجة وفاخرة ويجتمعون في محافل تنم عن البذخ والرفاه في بلد يتفقون مسبقا عنه، يتناقشون، يؤيدون، يرفضون ويبدون قلقهم تجاه اوضاع بلدانهم ويعود كل منهم بعد ذلك الى بلده ليبقى المواطن العربي يعاني الام الحروب والتهجير والتخلف والديكتاتورية والانقسام.
بعد ثورات الربيع العربي، استبشر المواطنون العرب بالتغيير الطارئ على الخريطة السياسية في المنطقة وبهامش الحريات الجديد بعد سنوات عجاف كانت تئن فيها الشعوب تحت وطأة الدكتاتوريات، لكن الفرحة لم تدم طويلا اذ سرعان ما غرقت جلّ بلدان الثورات في الظلام من جديد وانتكست محاولات الانتقال الديمقراطي . ما عدى تونس التي حافظت على مستوى مقبول الا انها بقيت تترنح جراء الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
ومن جديد كان اداء الجامعة ضعيفا دون المأمول، خجولا غير مؤثر أحيانا ومنحازا أحيانا أخرى ان لم نقل أنه يرتقي الى الفضيحة. فالازمة اليمنية تُركت لمجلس التعاون الخليجي الذي يعاني بدوره انقسامات كبيرة وصراعا بين اعضائه وعجز عن ايجاد تسوية لها، واقتصرت الجامعة على دعوات الى نبذ العنف والتوافق بين مختف الفرقاء..
في سوريا أيضا اكتفت الجامعة بتجميد العضوية لهذا البلد العربي والادعاء ان للشأن السوري خصوصيته الداخلية.
أما في ليبيا فقد ادت التطورات حين تفجر الأوضاع بعد 2011 الى تأييد توفير الغطاء الجوي لحماية المدنيين وفرض عقوبات وإلى تأييد التدخل العسكري من قبل حلف الناتو.
ولسائل اليوم ان يسال الجامعة التي تخاذلت في التعامل مع قضاياها الحارقة والتي ساهمت في ادخالها في موت سريري، كيف ستتعامل مع قضيتها الام “القضية الفلسطينية” أمام التهويد اليومي للقدس العربية الإسلامية عاصمة الدولة الفلسطينية، والتعدي على الحرمات واعتبار أن هذه المدينة المقدسة عاصمة للكيان الصهيوني بعد نقل السفارة الامريكية اليها من قبل الرئيس ترامب في 2017 ؟
الجواب كان قمة بمدينة الظهران السعودية تحت اسم “قمّة القدس” اجتمع خلالها “القادة” وتنقلوا داخل القصر الملكي بسيارات مطلية بالذهب، أقلّتهم من البهو الى غرفة الاجتماعات ليلتقطوا الصور التذكارية وينددوا في بيان بهذا الفعل “المشين” وليدعوا جميع الاطراف الفلسطينية الى التوحد لمواجهة العدو والدعوة الى قمة جديدة تحتضنها تونس.
ومن المفترض ان تنعقد القمة الثلاثون في عداد القمم العربية اخر هذا الشهر الجاري بتونس العاصمة وستكون ابرز محاورها الازمة اليمنية والسورية والليبية والقضية الفلسطينية وحتى العراقية الى جانب تعزيز العمل العربي المشترك كما صرح بذلك قبل ايام عبد اللطيف عبيد نائب الامين العام المساعد بمركز تونس للجامعة، وسيكون الحضور رفيع المستوى رفعة الجمل الفضفاضة التي سيتضمنها البيان الختامي.
هي جامعة الدول العربية، جامعة اسما، نافرة لأعضائها معنى، وقاهرة لشعوبها فعلا، تبلغ من العمر ستين سنة او يزيد، هي “الأكبر” في العالم، أكبر سنّا من الامم المتحدة والاتحاد الأوروبي، كانت ومازالت تعد منظوريها بأكبر الوعود، برغد العيش وبالتطور والتقدم والتحرر من تبعية واستعمار الشمال أو الغرب أو القوى المتنفذة في العالم وفق قواميس الأنظمة العربية من المحيط الى الخليج فهل ستنهض هذه الجامعة في تونس اليوم ام ان الطبع يغلب التطبع وما بالطبع لا يتغير؟

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية