في العلاقة بين الأصوليّة الاسلاميّة والإرهاب… بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
لكم هذه الصفحات من كتابي “الإرهاب في تونس. الأباء و الأبناء”
“النهضة” في تونس نموذج لتنظيم اصولي
و كنموذج لهذا الفكر الأصولي الاسلامي نتوقف عند أهم فصيل منه في تونس اي حزب النهضة و الذي تأسس سنة 1972 تحت مسمّى “الجماعة الاسلامية” ليغيّر اسمه لـ”حركة الاتجاه الاسلامي” سنة 1981 و ل “حركة النهضة” منذ 1989 .
انّ مرجعيات هذا التنظيم الفكرية و السياسيّة هي ذاتها و هي قاسم مشترك مع كل التيارات الأصولية، رغم ما يجهد فيه هذا التنظيم نفسه من محاولة التّمظهر بالحداثة و تبني قيم العصر، وما يدعيه شيخه راشد الغنوشي من مراجعات و تطوير للفكر السياسي الاسلامي.
فمنخرطو هذا التنظيم قيادة و قواعد ينهلون منذ السبعينات من كتابات و تآليف منظري السلفية والدعوة الاسلامية و الاخوانية و الجهاديّة التي كانت تُستورد كتبًا و شرائط او يعاد طبعها في تونس ( خاصة من دار بوسلامة للطباعة و النشر) و حتى توضع للعموم في المكتبات العمومية و مكتبات المعاهد في اطار سياسة محاربة اليسار بتقوية التيار الاسلامي التي كانت تعتمدها الحكومة التونسية في السبعينات و الثمانينات من القرن المنقضي.
نذكر من تلك المؤلفات الرائجة و التي تكونت عليها جماعة النهضة : ” في ظلال القرآن” و “معالم في الطريق” و ” المستقبل لهذا الدين ” لسيد قطب و “رسائل الامام الشهيد ” و” مذكرات الدعوة و الداعية” لحسن البنّا و”الحكومة الاسلامية” و “تحديات العصر الحاضر و الشباب” لأبي الأعلى المودودي و”امرأتان في الجنة و امرأتان في النار” لمحمد قطب و “الحرية في الأسرة المسلمة” لمحمد جلال كشك و “الاسلام و الحكم” لأبي الحسن الندوي و “موقف الاسلام من العلم و الفلسفة الغربية” لأنور الجندي و “حوار مع صديقي الملحد” لمصطفى محمود و ” الامر بالمعروف و النهي عن المنكر” للشيخ محمد علي مسعود و “الفريضة الغائبة” لمحمد عبد السلام فرج… اضافة للمراجع المستحدثة من مؤلفات شيخ الجماعة راشد الغنوشي و أقطاب الفكر الاخواني مثل الشيخ القرضاوي و الشيوخ الدعاة الكثّر على شاشات التلفزات و شبكة التواصل الاجتماعي.
من هذه المنطلقات المشتركة سوف تكفّر كل التيارات الاسلامويّة، و منها النهضة ، الأنظمة التي “لا تحكم بشرع الله” و تعتبرها طواغيتًا يجب محاربتها، فقط الفروق بينها في الخطاب، فمنها من يعلنه جهرا و منها من يعتمد التقيّة و لا يفصح عمّا يعتقده فعلا الا في ما بين القيادات و الأتباع.
مثال ذلك حزب النهضة في تونس الذي يدعي انه حزب يتبني الديمقراطية و حقوق الانسان و حتى انّ نوابه صوتوا في 26 جانفي 2014 على دستور تونس الحالي و تروج لهذا التنظيم الدعاية المحلية و حتى الدولية على انه حزب متكيّف مع الديمقراطية و الحداثة، هو في الواقع مزدوج الوجه و الخطاب و ما يعلنه يتناقض مع ما يسرّ به لأتباعه و ما يبيّت له و يمارسه لوحده او في تناسق و تناغم مع المجموعات الاسلامويّة الأخرى من “حزب التحرير” الى “أنصار الشريعة” حتى تاريخ التبرؤ من هذا الأخير بعد عملية الهجوم على السفارة الأمريكية في 14 سبتمبر 2012 و اعلانه شكليا تنظيما “ارهابيا”.
إقرأ أيضا
و سنعود في فقرة لاحقة لتورط “النهضة” في العنف و الارهاب.
غير انّ حقيقة “النهضة” هي غير ذاك الوجه المعتدل و الوسطي الذي تدّعيه ، فهاهو زعيمها و مفكرها الغنوشي المعجب بمؤسّسَيْ الفكر السلفي الجهادي ابن تيمية الذي ينعته ب “شيخ الاسلام و من أكبر القادة المفكرين و من أكبر العقول” و يصف تلميذه محمد ابن عبد الوهاب ب” العلامة المجاهد”، يكتب عن مفهومه للدولة الاسلامية التي يصبو اليها يقول في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية: “انّ في الاسلام اصولا للحكم صادرة عن الله ، نطقت بها او تضمنتها نصوص القرآن و السنة و ان الاحتكام اليها و التسليم بها ليس واجبا فحسب و بل هو الحد الفاصل بين الايمان و الكفر )…) و ان الانسان ليس صاحب حق أصيل على نفسه او على غيره و انما هو مستخلف أو وكيل. فهو ليس صاحب الأمر و السلطة العليا التي لا تنازعها سلطة و انما هو صاحب حق في سلطة محكومه بسلطة التشريع الأعلى الصادرة عن الله “.
 
 
و واجب القبول بالسلطة ، حسب الغنوشي ، مشترط باحترامها الشريعة و ما “لم تتورط في الكفر البواح، اي التصادم الصريح مع ثوابت الاسلام” و انْ اعتمد الحاكم دستورا و قوانين وضعية و تجاهل ما أتت به الشريعة وأقوال الفقهاء ؟
يجيب الغنوشي بضرورة التمرد على الحاكم ( على” الطاغوت” ص.212)، بل يجب على كل فرد من الأمة العمل للخلاص منه و لو بالقتل” لأنّ وجوده على رئاسة الدولة – يقول الغنوشي- يؤدي بحدّ ذاته الى الفتنة” ، فمنطق التكفير المؤدي للإرهاب هنا واضح حتى و ان غُلّف بعبارات و افتراضات فقهية للتعمية عن حقيقة مقاصد الكاتب وعلى هذا النوع من الفكر والايدولوجيا تربى المنضوون لجماعة النهضة.
و قد اكتشف التونسيون منذ 2011 و عودة الاسلاميين للسطح، و خاصة عند الصراع في المجلس التأسيسي و في المجتمع حول مضامين الدستور القادم، تضارب خطاب الإسلاميين وسفه ادعائهم المراجعة و التطور، و بانَ جليّا انهم دائما أوفياء لعقيدتهم الاخوانية ومتشبثين بمطلبهم الرّاسخ و هو ارساء “الدولة الاسلامية” و حتى “الخلافة” بما تقتضيه من تطبيق للشريعة و اعتمادها كمصدر رئيسي للتشريع و فرض مؤسسات متمّمه من “مجلس اسلامي أعلى” يراقب تطابق القوانين مع “الاسلام” و المطالبة بأسلمة المجتمع و تغيير نمط عيشه حسب ما يعتبرونه “الاسلام الحق” و العمل على أسلمة التعليم و الاقتصاد ( الحديث عن الزكاة و بيت المال و الصكوك الاسلامية و الأوقاف …) و حتى التاريخ يريدون مراجعته حسب ما يتوهمّونه هو الحقيقة…
و لولا هبّة المجتمع المدني معارضا و صامدا و مضحّيا لتمّ لهم ذلك.
لكن رغم التضحيات لقد تمكن الاخوان في المجلس التأسيسي من فرض دستور( 26 جانفي 2014)، وهو دستور هجين و مفخخ يحمل المتناقضات بين الدولة المدنية و الدولة الدينية و بين “حقوق الانسان الكونية” و “حقوق الانسان في الاسلام” و بين حرية الضمير و شرط احترام المقدسات… وهو تنازل مدروس من حزب النهضة و توابعه، تحت ضغط المجتمع المدني و متنوّري تونس من النخب، و تأجيل تطبيق مشروعهم حتى يقلبون ميزان القوى كما أوضحه راشد الغنوشي في لقائه السري مع جماعة من السلفيين ذات 9 اكتوبر 2012 عندما أتوه يستنكرون تنازل حزبه عن مطلبهم المشترك أي تطبيق الشريعة الذي كانوا كلهم ( نهضاويين و سلفيين بأصنافهم) يطالبون به ، بقوله “انّ النصوص القانونية لا تعني شيئا و انّ النص يفهمه و يطبّقه الأقوى”. ففي هذا اللقاء الخاص، كشف الغنوشي عن وجهه و وجه حزبه الحقيقيين و ما يبيت له الاسلاميّون لتونس.
من الجلي اذن أّن الاسلاميين “معتدلين” او “متطرّفين” لا يختلفون جوهريّا لأنّ منطلقاتهم واحدة و غاياتهم واحدة، فقط اختلافهم في تقدير الظروف و تقييم موازين القوى الداخلية و الخارجية و امكانيات نجاح المشروع المشترك من فشله ، فان كان سلفيو تونس ( وخاصة جماعة “أنصار الشريعة”) متعجّلين لقيام “الامارة الاسلامية” فان جماعة النهضة، بعد اصطدامهم برفض غالب المجتمع التونسي لمشروعهم، واسقاط شجرتهم الأم في مصر بازاحة الاخوان عن السلطة بعد خروج ثلاثين مليون مصري في وجههم ، و فشل مشروع الاخوان في سوريا و في ليبيا، قد خففوا من غلوائهم وعدلوا تكتيكهم السياسي على ضوء تلك المتغيرات و تماشيا مع ما تقتضيه ارتباطاتهم و تبعيتهم للقوى الخارجية ( أمريكا، قطر، تركيا…) وأضحوا أكثر مرونة و استعدادا للقبول بالتنازلات الوقتية و تأجيل قيام “دولة الاسلام” حتى التمكين و الانغراس أكثر في المجتمع و في دواليب الدولة . “
 
قد يعجبك ايضا