تسميم نافالني: هل يوقف "سيل الشمال 2"؟

تجد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نفسها تحت ضغوطٍ داخلية وخارجية بشأن العقوبات على موسكو، على خلفية اتهامات موجهة للسلطات الروسية بالوقوف وراء تسميم السياسي الروسي المعارض أليكسي نافالني، والعين هذه المرة على خطّ غاز “سيل الشمال 2″ (نورد ستريم 2)، الرابط بين روسيا وألمانيا عبر البلطيق، والمتوقع الانتهاء منه نهاية العام الحالي 2020. وتأتي هذه الضغوط، بعدما أعلنت برلين بنفسها عن شبهة تعرض نافالني للتسميم بالغاز نفسه (غاز الأعصاب نوفيتشوك) الذي تعرض له على الأراضي البريطانية في عام 2018، العميل المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا، وعُرف يومها بـ”هجوم سالزبيري”.

خطّ غاز “نورد ستريم 2″، الذي قال عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعض مساعديه، إنه سيمنح موسكو نفوذاً في سياسات برلين، أصبح اليوم محط الأنظار الداخلية في ألمانيا والخارجية، مع دعوات متصاعدة لوقفه، ليس فقط كعقابٍ في قضية محاولة تسميم نافالني، بل أيضاً في ظلّ توتر العلاقة المستمر في أوكرانيا، بين تيار أقرب إلى أوروبا وآخر إلى روسيا، مع دعوة بعض الأوكرانيين حتى وقت قريب لمعاقبة الكرملين من خلال تعطيل خطّ الغاز، وكذلك بسبب دعم موسكو لرئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكو. لكن وجود استثمارات هائلة لبرلين لا يزال يكبّلها، مع ترديد ميركل أن “المشروع تجاري بحت”، على الرغم من الضغوط التي تتعرض لها، كما أن المستشارة الألمانية تتريث في مسألة فرض عقوبات على روسيا.

في المقابل، كان حلف شمال الأطلسي، يدعو بعد اجتماع له أمس الجمعة، إلى تحقيق دولي بشأن عملية تسميم نافالني، مطالباً موسكو بالكشف لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن برنامجها المرتبط بغاز “نوفيتشوك” للأعصاب. وأكد الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ أن كل الدول متفقة على إدانة الهجوم “المروّع” الذي تعرّض له نافالني. وقدّمت ألمانيا إيجازاً لباقي الدول الأعضاء بشأن القضية، بينما أشار ستولتنبرغ إلى وجود “إثبات لا شك فيه” بأنه تم استخدام “نوفيتشوك” ضد المعارض الروسي. وإذ اعتبر تسميم نافالني “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولذا يتطلب رداً دولياً”، رفض “التكهن بشأن طبيعة الرد الدولي بالتحديد”.

على الرغم من تأكيد ساسة ألمان أن بلدهم سيؤيد معاقبة موسكو، لا تبدو ميركل مستعجلة في الاستجابة لطلبات فرض عقوبات اقتصادية كبيرة

تجاذبٌ مستمر

على الرغم من التحذيرات الأميركية السابقة، والتي عرقلت خطّ غاز “سيل الشمال 2” لفترة بالتعاون مع حكومة يمين الوسط السابقة في الدنمارك، استمر الروس في بناء الخطّ ومده في البلطيق، بعد تعديلات، بسبب عقوبات واشنطن في 2019 على شركات أوروبية، لمساهمتها بمدّه لمسافة أكثر من 1200 كيلومتر عبر بحر البلطيق. ويمتد الخط من شمال شرق روسيا في نارفاباي فيبورغ، قرب الحدود الفنلندية، إلى شاطئ شمالي ألمانيا على البلطيق، في غرايفسفالد، ومنها تتوزع الخطوط داخلياً، وإلى دول أخرى في غرب القارة الأوروبية.

خط “سيل الشمال 2″، المملوك لشركة “غازبروم” الروسية الحكومية، صار اليوم مثار سجال أكثر من الماضي، فلم يعد فقط الموقف البولندي وغيره يخشى “الاعتماد الأوروبي” على غاز روسيا، بل تصاعدت الدعوات خلال العامين الماضيين لوقفه أو عرقلته، وطُرح نقاشه أكثر من مرة في البرلمان الأوروبي، ووُجهت لميركل تهم بالتراخي مع موسكو. وعلى الرغم من تأكيد ساسة ألمان أن بلدهم سيؤيد معاقبة موسكو “دبلوماسياً”، لا تبدو ميركل متعجلة في الاستجابة لطلبات فرض عقوبات اقتصادية كبيرة، وخصوصاً باستهداف مصالح الكرملين في “سيل الشمال 2”.

إقرأ أيضا

وفي موازاة التردد البادي في مواقف ميركل من قضية وقف خط الغاز الروسي، يبدو الوضع داخل ألمانيا غير موحد، على الرغم من أنه يضغط بكل الأحوال على المستشارة. واعتبر رئيس وزراء ولاية براندنبورغ (المحيطة بالعاصمة برلين)، ديتمار فوديك، من الحزب “الاجتماعي الديمقراطي” الحليف في حكومة الائتلاف مع “المسيحي الديمقراطي” بزعامة ميركل، أنه وعلى خلفية محاولة قتل نافالني، “لا يجب وقف سيل الشمال 2 لأهميته في مجال إمدادات الطاقة لألمانيا وأوروبا، ولحماية المناخ والبيئة، على الرغم من تنديدنا القوي بمحاولة القتل”، بحسب ما نقلت عنه “هاندلبلات” الاقتصادية الألمانية الخميس.

وأشعل تردد ميركل وسائل التواصل، وخصوصاً موقع “تويتر”، وكذلك بعض الصحف الألمانية مثل “بيلد”، مع تزايد الدعوات للوقوف في وجه موسكو. بل إن بعض المعلقين يشبهون التراخي مع روسيا كـ”التراخي الأوروبي مع الزعيم النازي أدولف هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية حتى اجتياحه بولندا”. وتحول “سيل الشمال 2” خلال اليومين الماضيين إلى “تريند” أوروبي (الأكثر تداولاً)، إذ علّق على تردد ألمانيا ساسة وصحافيون ومواطنون مطالبين بوقف مدّ الأنابيب في مرحلتها الأخيرة. والموقف الأخير دعا إليه الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي، أندرس غوغ راسموسن. ودعا راسموسن لمناقشة فرض عقوبات على موسكو، معتبراً أن “انتظار جواب صادق من (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين (عن محاولة اغتيال نافالني) أمر غير مرجح، وبالتالي الوقت حان لتوقف ألمانيا نورد ستريم 2 قبل فوات الأوان”.

بشكل عام، يبرز في المواقف الداخلية الألمانية، تأييد لمعاقبة موسكو، بالتعاون مع أوروبا، وذلك بعد تأكيد “الإثباتات الواضحة”، بحسب وسائل الإعلام المحلية، نقلاً عن أطباء مستشفى “شارتي” الجامعي الواقع خلف البرلمان الألماني، والذين يشيرون بأصابع الاتهام إلى الكرملين. ففي الحزب “الاجتماعي الديمقراطي”، اعتبر وزير المالية الألماني، والشخصية القوية في الحزب، أولاف شولتز، أن ألمانيا بصدد “مشاورات مع الشركاء في الأطلسي والاتحاد الأوروبي حول كيفية الرد على روسيا”، وفقاً لما نقلت عنه صحيفة “نيو أوسنابروكر تسايتونغ”. ويؤيد شولتز فرض عقوبات على موسكو، ومثله يفعل مسؤول لجنة السياسات الخارجية في البرلمان الاتحادي عن حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” (حزب ميركل)، نوربرت روتغين، الذي أكد أن “الرد الألماني والأوروبي يجب أن يشمل نورد ستريم 2 وخطوطه في بحر البلطيق نحو شمال ألمانيا وعدد من الشركات”. واعتبر روتغين أن ردّ أوروبا، ليس فقط بسبب محاولة قتل نافالني بغاز أعصاب، بل أيضاً بسبب “دعم بوتين لـ(الرئيس البيلاروسي ألكسندر) لوكاشينكو كرسالة واضحة للرئيس الروسي يجب أن يفهمها”. هذا الموقف أعاد تأكيده روتغين في لقاء مع صحيفة “فرانكفورتر أليغماينه”، موجهاً خطابه هذه المرة لقادة أوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تقارب مع بوتين خلال السنوات الماضية، وباعتبار “سيل الشمال 2” مشروعاً أوروبياً مشتركاً، حين يدخل الأراضي الألمانية.

أما حزب الخضر اليساري، فلم يكن موقفه أقل حدة عن مواقف أحزاب وقوى وشخصيات أوروبية منذ يوم الخميس الماضي، بدعوته لفرض عقوبات على موسكو. وعلى الرغم من أن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، تطرق إلى “عقوبات دبلوماسية” شبيهة بتلك التي أعقبت عملية الاغتيال في “حديقة برلين”، بطرد دبلوماسيين روس في ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلا أن حسم الموقف من العقوبة بوقف خط الغاز الروسي ينتظر ربما موقفاً أوروبياً. وخلال الساعات الماضية، كان الكرملين يقوم باتصالات محمومة مع برلين، مبدياً رغبته في المشاركة بالتحقيقات المتعلقة بقضية نافالني، على الرغم من أن موسكو حتى صدور تأكيد الاستهداف بتسميم غاز “نوفيتشوك”، ظلّت ترفض فرضية التسميم. ولم ترد برلين على مطالب الكرملين المشاركة في التحقيقات.

المشكلة الحقيقية التي تعاني منها دعوات وقف الخط الحيوي، هي تداخل المصالح ووجود لوبيات روسية في السياسة الألمانية 

لوبيات روسية
لا يوجد اختلاف أوروبي، على الأقل في العالم الافتراضي، على تحميل بوتين مسؤولية توالي الاغتيالات، ومنها ما جرى على أراضٍ أوروبية، كما حدث في برلين بحق ناشط شيشاني – جورجي، وأدى إلى طرد دبلوماسيين روس من برلين، وفي بريطانيا، وأخيراً في سيبيريا الروسية بحق نافالي، الذي حاول منافسة بوتين في رئاسيات روسيا 2018. بيد أن المشكلة الحقيقية التي تعاني منها دعوات وقف هذا الخط الغازي الحيوي، هي تداخل المصالح ووجود لوبيات روسية في السياسة الألمانية، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، من خلال جماعات ضغط، لها مصالح بالتعامل مع الكرملين ومشاريعه. ومن بين ما يلفت الانتباه، أن “بيلد” لم تتردد يوم الخميس الماضي في استعراض صورة للمستشار الألماني الأسبق غرهارد شرودر (76 عاما) كأهم شخصية حليفة لبوتين في برلين، وأن الأخير يشكل ضغطاً داخلياً لمنع معاقبة الكرملين، لشراكته الشخصية كمستشار في الكرملين في مشاريع، من بينها “سيل الشمال 2”. وعنونت “بيلد” عن شرودر: “ضرائب الألمان أم أموال بوتين الدموية؟”، في معرض تناولها للسياسي الاجتماعي الديمقراطي، كأحد “أهم لوبيات الكرملين في ألمانيا، وهو يضغط لأجل عدم تنفيذ عقوبات، قبل إثبات أسماء من حاولوا تسميم نافالي”.

ولا يزال الاتحاد الأوروبي متريثاً في اتخاذ موقف، على الرغم من الغضب الأوروبي الكبير، والتنديد الذي صدر عن رئيسة المفوضية، وزيرة الدفاع الألمانية سابقاً، أورسولا فون ديرلاين، التي طالبت بمعاقبة الفاعلين، وتعبير مسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، عن صعوبة “اتخاذ إجراءات عقابية قبل تسمية الفاعلين”. لكن مسارعة حلف شمال الأطلسي لعقد اجتماع لتدارس العقوبات، أو الرد، على روسيا، ربما سيغير الكثير من المواقف، وليس بالضرورة استهداف “سيل الشمال 2”. في المقابل، لدى الجيران في الشمال، تيار واسع يدعو برلين للوقوف بحزم بوجه بوتين، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الدنماركي ييبا كوفود. ويرى كثيرون من المختصين في الشأنين الروسي والأوروبي، أن “طبّاخ السم الروسي سيستمر بتصرفاته، طالما لم يتحد الأوروبيون على وقف الكرملين”.

تبدي موسكو بالطبع موقفاً مكرراً عن أن “لا أدلة على تسمم نافالني”. وهو ما ذهب إليه المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، في رده على طلب برلين تقديم شرح لما جرى مع المعارض الروسي، مؤكداً أن موسكو لن تقبل “الادعاءات بتسميم نافالني، ونحث الدول على عدم التوصل إلى استنتاجات متسرعة”. ويأتي ذلك على الرغم من إعلان الأطباء المعالجين لنافالني في برلين، أن الرجل تعرض لتسميم على طريقة سكريبال في سالزبيري البريطانية، ودخوله في غيبوبة بإشراف طبي.
وبانتظار تبلور موقف واضح من دول الاتحاد الأوروبي، تبقى الدعوات لمعاقبة روسيا من خلال خط “سيل الشمال 2″، مجرد تجاذبات تختلط فيها المصالح التجارية والسياسية والحزبية. وفي العموم، لا يبدو أن بوتين مكترث هذه المرة للاتهامات الموجهة إليه ولحلقته الضيقة بمحاولة اغتيال نافالني، على الرغم مما تعج به الصحافة الغربية عن تفاصيل الغاز المستخدم، وتاريخ الاغتيالات الروسية الممتدة لبعض دول القارة.

قد يعجبك ايضا