من حكايات الصور (2)

قفز من فوق الصخرة وجرى نحو أمه لينظر إلى الصورة التي التقطتها له، نظر إليها بتمعن، ثم أبدى عدم رضاه عن الصورة وأعطى أمه توجيهاً ما، ثم عاد ليتسلق الصخرة ويأخذ فوقها “بوز” التصوير الذي يتخيل كونه الأمثل، وبعد أن أعادت الأم التقاط الصورة، تذكر فيما يبدو أن عملية تسلق الصخرة كانت محرجة في وجود غرباء مثلي، فطلب من أمه أن تقترب لكي تريه الصورة ليعطيها موافقته النهائية، لكنها تجاهلته وابتعدت لتذهب نحو إخوته، ليقفز من فوق الصخرة وهو يطلب منها أن تريه الصورة، مبرراً حرصه على الوصول إلى أفضل نتيجة بأن هذه ستكون أول صورة له في الغابة، مع أننا لم نكن في غابة، بل في حديقة ضخمة، لكن تكوين الصورة كان كافياً من وجهة نظره للتأكيد مستقبلاً على كونها “أول صورة في الغابة”.

 

 

كنت قادماً من الرصيف الذي يتجهان نحوه، وحين رأيت الرجل يمشي حافياً إلى جوار كلبه، تذكرت قطع الزجاج المتناثرة بكثرة إلى جوار البار، والتي ربما خلفتها خناقة حامية بين زبائن غاضبين أو محبطين من سرعة الإفاقة، فسارعت إلى تنبيهه لكي لا يؤذي قدميه، فشكرني بلطف وقال لي إنه سيغير طريقه لكي يتفادى أذى الزجاج.

كان يحمل في يده اليسرى كتاباً، لكنه لم يكن يحمل حذاءه في اليد اليمنى، كما يفعل البعض أحياناً في هذا الجزء الهادئ من المدينة، مما يعني أنه خرج لتمشية كلبه حافياً، وهو ما جعلني أتصور أنه تعمد ذلك كطقس يتشارك فيه وجدانياً مع الذين يعانون من الحفاء عبر العالم، لعله يلفت أنظار الآخرين إلى أهمية مكافحة الفقر، ربما جعلني الكتاب الذي يحمله أتصور ذلك، لكنه صحح لي تصوري حين سألته، وقال إنه يحب أحياناً أن يشارك كلبه الحبيب في تجربة المشي دون حذاء، فبدت لي إجابته المقتضبة ساخرة، لأنني افترضت فيه كقارئ محترم أن يكون أعقل من تجاهل الفرق بين أقدامنا وأقدام الحيوانات القابلة للتعامل مع الحفاء، ولذلك لم أعلق وألقيت عليه التحية، وتركته ينتظر مع صديقه تغير ألوان الإشارة.

 

 

لم تسمح لي السيدة بالتقاط صورة وأنا أضع باروكة ترامب فوق رأسي، وقالت بعدائية إنني يمكن أن أتصور بها إذا اشتريتها وخرجت بها من المحل، لكنها لن تسمح لي بالتقاط صور داخل المحل.

إقرأ أيضا

لم يكن في المحل شبه الخاوي ما يستحق منع التصوير، فالسيدة الخمسينية المرهقة تقف في ركن منه أمام ثلاث طاولات صغيرة تضم عدداً من التيشيرتات التي طبعت عليها صور مختلفة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوضاع رئاسية، والقبعات الرياضية التي تحمل شعار ماجا الشهير ” اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً Make America Great AGAIN” الذي يعتبره مهاويس ترامب تعويذة ناجعة المفعول يمكن أن تحرق خصومهم لو أشهروها في وجوههم، وبالطبع لم أكن محتاجاً إلى فهم أسباب النظرات العدائية التي قابلتني بها منذ أن دخلت إلى المحل، والتي كان يمكن ربما أن تتطور إلى ما هو أبعد لو لم يكن هناك من ينتظرني في الخارج.

طبقاً للقانون لم يكن من حق السيدة الترامبية الغاضبة أن تمنعني من تصوير المحل وأنا أقف في الشارع، ولذلك اكتفت بتسديد نظرات عدائية نحوي وأنا أصور واجهة المحل التي جمعت في مفارقة مليئة بالدلالات بين لافتة تدعو لإعادة انتخاب ترامب في انتخابات 2020 لكي “يحافظ على عظمة أمريكا”، وبين لافتة ورقية تشير إلى الحالة الاقتصادية المزرية التي ضربت أمريكا كلها في الأشهر الأخيرة، وتسببت قرارات ترامب الهوجاء في مضاعفة آثارها، وهو ما جعل السيدة تقوم بتقليص تواجدها داخل المحل في ركن منه، لتقوم ببيع المخزون “الوطني” الذي تمتلكه والمصنوع بالتأكيد في الصين، والذي توقعت أن يتهافت على شرائه الوطنيون المتحمسون الذين يرغبون في حضور رالي انتخابي كان ترامب سيقيمه في ولاية مينيسوتا بعدها بأيام، معربة في اللافتة عن أملها في تأجير بقية المحل أو تأجيره كله بسعر معقول يساعدها على المعيشة في ظل ترامب الذي أصاب أمريكا والعالم بالصداع من فرط العظمة.

 

 

من بعيد، لن تجد صعوبة في إساءة فهمه، ولن تتصور أنه عمل فني، كما تقول لك لافتة منصوبة إلى جواره حين تقترب منه. لم يكن غريباً ألا تذكر اللافتة اسم “الفنان”، ربما لأنه كان عملاً جماعياً قام به بعض العاملين في الشركة الكبيرة المالكة للمطحن الذي يقع في إحدى بلدات ولاية مينيسوتا، والذين صنعوا هذا “التكوين” الفني من بقايا المطحن، ولأنهم يعيشون في بلدة صغيرة بالغرب الأوسط، استقر هذا العمل الفني على قارعة الطريق المؤدي إلى مخازن المطحن، بدلاً من أن يُعرض في إحدى قاعات الموما (متحف الفن الحديث في نيويورك)، أو غيره من الأماكن التي تحتفي بالأعمال الطليعية والكاسرة للأعراف.

لا أدري ما الذي دار في دماغ الفنان أو الفنانين الذين أفرزوا هذا العمل، ولا أريد أن ألصق بعملهم حمولات فكرية وفلسفية لا تليق بحياتهم البسيطة في تلك البلدة الوديعة التي اهتديت إليها بالصدفة وأعجبني التسكع في الحدائق المجاورة لنهرها الجميل، لكنني أرى عملهم العميق قابلاً للاستخدام كتعليق على كل ما يغضب الإنسان أو يقرفه: مقابلة عمل فاشلة، تجربة قراءة محبطة، آثار إمساك حاد، فيلم لم يمتعك برغم طنطنة النقاد له، ماتش كرة يخذلك فيه فريقك الأثير، خناقة حامية مع حبيب غاضب، وجع قلب يسببه لك أولادك، ذكرى أليمة فرضت نفسها عليك من الماضي، وإلى آخر ما شئت من تنويعات غاضبة ومقرفة.

حين نشرت صورة لهذا العمل الفني المركّب على الفيس بوك، قال لي صديق مهتم بالفن التشكيلي إنه متحمس له جداً، وأنه لو كان مديراً لمتحف للفن الحديث لقام بشرائه وعرضه في أكبر قاعات المتحف ووضع إلى جواره لافتة تحمل بيت فيلسوفنا العظيم أبي العلاء المعرّي: 

“تعبٌ كلها الحياة
فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد”.

 

 

قد يعجبك ايضا