محاربة الإثراء غير المشروع… 4 أعوام من العرقلة في البرلمان المغربي

ينتظر محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام (منظمة غير حكومية) رفع حالة الطوارئ الصحية المفروضة في البلاد لمواجهة فيروس كوفيد-19، من أجل تنظيم مسيرة احتجاجية بمدينة مراكش، للضغط على من يعرقلون مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع الوارد ضمن تعديلات مشروع القانون الجنائي المتعثر داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، منذ منتصف عام 2016، كما يقول لـ”العربي الجديد”.

منذ ذلك التاريخ، ومشروع قانون “من أين لك هذا؟” حبيس أدراج لجنة العدل بمحلس النواب، رغم تعاقب حكومتين، الأولى برئاسة عبد الإله بنكيران، والثانية يترأسها سعد الدين العثماني. وبحسب عبد الصمد الإدريسي، رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، والبرلماني عن حزب العدالة والتنمية، فإن “مشروع القانون متوقف عند التعديلات في لجنة العدل، وهي المرحلة ما قبل الأخيرة من أجل التصويت عليه من قبل الفرق النيابية”.

من يعرقل إقرار القانون؟

يعتبر تجريم الإثراء غير المشروع من أهم المخرجات التي اقترحتها هيئة الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة في سياق النقاشات التي عرفها المغرب بعد دستور 2011، وظهور الحاجة إلى مشروع قانون جنائي جديد، لكنه تعثر بعدما أحالته الحكومة إلى المؤسسة التشريعية في 24 يونيو/حزيران 2016، بسبب الصراعات داخل أحزاب الأغلبية، بحسب الغلوسي.

ومع بقاء مشروع القانون الجنائي ومعه المقتضيات الخاصة بالإثراء غير المشروع، حبيسة لجنة العدل بالغرفة الأولى للبرلمان، حتى افتتاح الدورة الخريفية القادمة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يتساءل المغاربة حول من يعرقل إقرار القانون؟ وهو ما يجيب عنه الغلوسي بالقول: “هناك تلكؤ ومحاولة للتصدي لنص من شأنه المساهمة في محاربة الفساد، ما يعكس قوة اللوبي المناهض لأي تحول بالبلد”، مضيفا: “يخاف هؤلاء على المصالح والثروة التي تراكمت بطرق غير مشروعة ويقاومون كل الخطوات التي من شأنها أن تسد منابع الفساد”.

هناك تلكؤ ومحاولة للتصدي لنص من شأنه المساهمة في محاربة الفساد، ما يعكس قوة اللوبي المناهض لأي تحول بالبلد

وتعد جريمة الإثراء غير المشروع جديدة ضمن مشروع القانون الجنائي وتطبق على الموظفين ممن يخضعون للتصريح الإجباري بما يمتلكون، وعددهم 110 آلاف موظف، ويبين تعثرالمشروع، مدى غياب الإرادة السياسية بسبب عدم الجدية في إنجاح الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتباطؤ في تشريع النصوص اللازمة وعرقلة المصادقة البرلمانية على مشروع القانون، وعدم امتلاك الجرأة لمواجهة كل من تسول له نفسه بأن يجعل منصبه أو مسؤوليته وسيلة للثراء، بحسب إفادة الدكتور رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، قائلا: “الحكومة وأغلبيتها البرلمانية، تهدران الوقت في اللغط والجدال حول المشروع، وانقسام الأغلبية الحكومية يظهر جليا عدم جدية تلك الأحزاب في مواجهة هذه المعضلة”.

ويرد رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، النائب توفيق ميموني، على  ما سبق بالقول: “منذ بداية النقاش في اللجنة، لم يظهر أن هناك طرفا ضد الإثراء غير المشروع، وإنما هناك اختلاف في بعض التفاصيل، فكل طرف له قراءة خاصة. البعض يرى أنه قد يفتح المجال لتصفية الحسابات من خلال شكاوى كيدية، خاصة في ظل التحضير للانتخابات المزمع اجراؤها العام المقبل”. بيد أن النائب إمام شقران، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب (عضو في الأغلبية الحكومية)، يؤكد أن هناك مزيدات شعبوية وتعاملا بانتقائية بما يخدم رهانات مرتبطة بالمحطة الانتخابية القادمة في 2021، مشيرا إلى أن تجريم الإثراء غير المشروع يجب ألا يخضع للمزايدات واقتناص الفرص لتسجيل أهداف سياسية، إذ إن الأمر يتعلق بمستقبل المجتمع برمته كما يقول لـ”العربي الجديد”.

فشل برلماني في حسم الخلافات

رغم وجود مؤشرات بقرب حسم مشروع القانون، بعد تقديم الفرق النيابية تعديلاتها في 10 يناير/ كانون الثاني الماضي، إلا أن الخلافات التي نشبت بين فريق العدالة والتنمية (قائد الائتلاف الحكومي) وباقي فرق الأغلبية (التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) أدخلت المشروع في مرحلة جديدة من التعثر، وفق ميموني.

وبدأ الخلاف داخل الأغلبية واضحا بعد تراجع فريق العدالة والتنمية عن التعديل رقم 31 الذي تقدم به بمعية فريق الأغلبية بشأن مشروع قانون رقم 16/10 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، والإبقاء على الفرع 4 مكرر المتعلق بـ”الإثراء غير المشروع” كما جاءت به الحكومة في المشروع، بحسب ميموني.

إقرأ أيضا

ويتعلق الأمر بالتعديل الذي تقدمت به فرق الأغلبية، في مواد الإثراء غير المشروع، إذ اقترحت ألا تشمل خضوع المعنيين للمحاسبة، إلا بعد انتهاء مهامهم سواء الإدارية أو الانتدابية، وحصر مهمة المحاسبة في المجلس الأعلى للحسابات، والاقتصار في التصريح بالممتلكات بالنسبة للمعني وأبنائه فقط، دون الأخذ بعين الاعتبار التصريح عن الممتلكات قبل تولي المهمة الإدارية أو الانتدابية وفق ما جاء على الموقع الرسمي لمجلس النواب في الثاني من فبراير/شباط الماضي.

ويمكن رصد الصورة الأوضح للمسار المتعثر، من خلال لجوء مكتب لجنة العدل والتشريع في مجلس النواب، خلال اجتماعه في14 من يوليو/ تموز الماضي، إلى الإعلان مجددا، عن فتح أجل جديد يمتد إلى أواخر سبتمبر/أيلول المقبل كآخر أجل، لوضع التعديلات على مشروع القانون، استجابة لطلبين تقدم بهما كل من فريق حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والفريق المشترك لحزبي التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري (العضوين في الائتلاف الحكومي الحالي) ردا على قرار حليفهم حزب العدالة والتنمية بسحب التعديل رقم 31.

ويدافع شقران عن رفض إدراج عقوبات سالبة للحرية في تجريم الإثراء غير المشروع، “كون مصدر هذا الثراء قد يكون الرشوة أو الابتزاز أو التزوير أو التدليس أو الاختلاسات أو الغش في التصريحات الضريبية، وكلها جرائم يعاقب عليها القانون بموجب نصوص تجرمها”، كما يقول، مضيفا: “لا يمكن أن نأتي بنص يحدد عقوبة سجنية تتعارض مع نص قانوني موجود”.

وينص الفصل 8-256 من مشروع القانون رقم 16/10، في مسودته الأولى على أنه “يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بغرامة من 100 ألف (11 ألف دولار أميركي) إلى مليون درهم مغربي ( 109 آلاف دولار)، كل شخص ملزم بالتصريح الإجباري عن الممتلكات طبقا للتشريع الجاري به العمل وثبت بعد توليه للوظيفة أو المهمة أن ذمته المالية أو ذمة أولاده القاصرين الخاضعين للتصريح عرفت زيادة كبيرة وغير مبررة، انطلاقا من التصريح بالممتلكات الذي أودعه المعني بالأمر، بعد صدور هذا القانون، مقارنة مع مصادر دخله المشروعة، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة”.

 

تراجع في مؤشر مدركات الفساد

عدم إخراج مشروع القانون بعلة إمكانية واحتمال سوء استعماله، أمر غير مقنع ولا مقبول، وله انعكاس على تصنيف المغرب في مؤشرات محاربة الفساد، وفق الإدريسي. ويشير تقرير منظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مدركات الفساد إلى أن المملكة تراجعت 7 درجات خلال العام 2019، إذ احتلت المرتبة 80 من بين 180 دولة، في حين جاءت في المرتبة 73 خلال العام 2018.

المملكة تراجعت 7 درجات خلال العام 2019 على مستوى مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية

وبحسب تقرير مقياس الفساد العالمي، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2019، فإن 53% من المغاربة يرون أن الفساد قد تفاقم خلال فترة المقياس التي شملت العام الماضي، كما أن 74% رأوا أن أداء الحكومة ضعيف في مكافحة الفساد. 

ضرورة ملحة

حالة الانسداد، الذي مرت به لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، دفعت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبرانسي المغرب” (غير حكومية) إلى اتهام البرلمان المغربي بـ”التقاعس” في تبني مشروع القانون، داعية إلى ضرورة تضمينه عقوبات بالسجن في حق الأشخاص الذين يثبت اختلاسهم أموالا عمومية”.

واعتبرت المنظمة، في رسالتها الصادرة في 16 يناير الماضي أن “تجريم الإثراء غير المشروع أضحى ضرورة ملحة، إذ لم يعد من المقبول في بلد تفشت فيه الرشوة وتبذير المال العام بشكل مزمن ونسقي، أن يظل الاغتناء غير المشروع للموظفين وباقي المؤتمنين على تدبير الشأن العام بدون ردع جنائي”. وفي محاولة لفهم موقف الجانب الرسمي لحكومة سعد الدين العثماني حول من يتحمل مسؤولية تعطيل إقرار تجريم الإثراء غير المشروع، لأول مرة، في المغرب، تواصل معد التحقيق مع وزير العدل، محمد بنعبد القادر، غير أنه اعتذر عن الرد، مكتفيا بالقول إن “الكرة الآن في ملعب البرلمان”.

لكن ميموني، يعتبر أن الكرة في ملعب الحكومة وأغلبيتها، بعد أن انتهت اللجنة من المناقشة وفتحت آجالا للتعديلات، لافتا إلى أنه إلى حد الساعة، لم تتلق اللجنة منذ بداية الدورة التشريعية الربيعية في إبريل/ نيسان الماضي أي تفاعل من جانبها، واللجنة يمكنها، من الناحية الواقعية، أن تبرمج التصويت على مشروع القانون الجنائي، ولكن عمليا إذا لم تكن الأغلبية البرلمانية متفقة في ما بينها لن يمر النص، مضيفا: “إذا لم يتم حسم الخلاف داخل الحكومة وداخل الأغلبية البرلمانية لن يتمكن المشروع من الخروج إلى حيز الوجود وبلوغ نهايته التشريعية”.

قد يعجبك ايضا