قراءة قانونية للانتداب البريطاني على فلسطين

I-    

في أواخر العام 1918 وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وتمّت هزيمة الإمبراطوريات الثلاث وهي العثمانية والروسية والألمانية، وانشغلت الدول المنتصرة في كيفية توزيع الغنائم. وانعقد “مؤتمر السلم” في باريس في العام 1919 لتنظيم عملية النهب الاستعماري وصياغة الطريقة التي تتم فيها عملية النهب والسلب. وبحضور الرئيس الأميركي، ودرو ويلسون، ذلك المؤتمر، طرأت على جلساته نكهة استعماريه جديدة أقلّ فظاظة في اللغة الرسمية التي كانت سائدة قبل المؤتمر، إذ قدم الرئيس الأميركي برنامجاً مكوناً من أربع عشرة نقطة وقد سبق له وأن حصل على موافقة الكونغرس الأميركي على برنامجه. وقد بشر الرئيس في نقاطه بأن عصر الغزو والتوسع الإقليمي يجب أن يتوقف، وعصر الديبلوماسية السرية يجب أن ينقضي، وطالب بضرورة أخذ مصالح الشعوب التي انسلخت عن الإمبراطوريات المهزومة بعين الاعتبار، وكان الرئيس الأميركي، الذي لم تشارك بلاده في تلك الحرب، يفتح الطريق أمام الرأسمالية الأميركية والاستعمار الأميركي الجديد.

وصدف أن كان حاضراً في مؤتمر باريس، الجنرال يون سمت، وهو عسكري وسياسي إنكليزي كان وزيراً في وزارة الحرب البريطانية، وهو الذي وضع كراساً صغيراً تحت عنوان “عصبة الأمم – اقتراح عملي”، وضع فيه أفكاره وتصوراته لمرحلة ما بعد الحرب، ومن ضمن تصوراته تأسيس عصبة الأمم، وطرح لأول مرة فكرة الانتداب لإدارة الأقاليم التي تم سلخها من الإمبراطوريات المهزومة. وحين سئل الجنرال سمت ماذا تعني بـ “الانتداب” كان جوابه غامضاً، ذلك أن فكرة الانتداب – وكانت فكرة جديدة- لم تكن قد تبلورت بعد في المفاهيم القانونية والسياسية. وقد رحب الرئيس الأميركي بالفكرة رغم عدم وضوحها.

ومع أن الصفة الغالبة لمفهوم الانتداب والترتيبات المقترحة هي صياغة استعمارية طرحت لكي تتناسب مع المرحلة الجديدة، إلا أننا سوف نتعامل معها على أنها صيغة قانونية جديدة أدخلت على القانون الدولي في المرحلة الجديدة.

II-    

يشكل نظام الانتداب عنواناً للشرعية الدولية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى. إنه النظام الدولي الجديد الذي قسّم الأقاليم التي سلخت عن الإمبراطوريات المهزومة إلى ثلاث درجات وذلك حسب درجة تطورها – كما يراها سادة الإمبريالية الجدد- فالأقاليم الأكثر تطوراً أصبحت في فئة “أ”، والأقل تطوراً أصبحت في فئة “ب”، والمناطق التي كانت بلا كثافة سكانية من فئة “ج”. جاءت المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم لتشكل الأساس القانوني لنظام الانتداب، وبغض النظر عن فئة الانتداب، حيث نصت الفقرة (1) على أن شعوب هذه الأقاليم “المحررة” لم تبلغ مرحلة من النضج تمكنها من الوقوف معها على استقلال ودون دعم، وبالتالي يصبحون “وديعة مقدسة في عنق الحضارة”، ثم جاءت الفقرة الثانية تشرح التطبيق العملي لتلك الوديعة بحيث تتولى دولة من الدول التي قطعت شوطاً في التقدم والحضارة، وبالنيابة عن عصبة الأمم، مهمة القيام بدولة الانتداب لتقديم النصح والمشورة والمعونة لها. وجاءت الفقرة (4) تختص بالأقاليم التي تحررت من الهيمنة العثمانية، والتي “وصلت إلى مرحلة من التطور بحيث يكون وجودها كشعوب مستقلة يمكن الاعتراف بها مرحلياً مع تقديم المشورة الإدارية والمساعدة من قبل دولة الانتداب حتى يصلوا إلى درجة يمكن معها الوقوف لوحدها. وسوف تكون أماني هذه الدول لها الاعتبار الأسمى عند اختيار دولة الانتداب”.

وعلى سند من هذه الأسس تمّ إنشاء نظام الانتداب على فلسطين، وقد صُنّف من فئة (أ)، ويخضع هذا الانتداب لمبدأ “العهدة المقدسة في عنق الحضارة”، وذلك مع الإقرار بأن الانتداب على فلسطين جاء مثقلاً بشروط ما يسمى “تصريح بلفور”. وبدون الدخول في مشروعية هذا التصريح، إلا أننا سوف نعالج هذا التصريح في سياق صك الانتداب واعتباره جزءاً من النظام الدولي الجديد.

إقرأ أيضا

من الثابت أن صك الانتداب على فلسطين، شأنه شأن الانتدابات الأخرى على العراق وسورية والأقاليم الأخرى، جاء لمصلحة شعوب تلك الأقاليم ومساعدتها إلى أن تستطيع أن تقف على قدميها، أو هكذا جاء الإعلان الرسمي تبريراً لهذا النظام الاستعماري الجديد. فهذا هو المبدأ السائد في كل صك من صكوك الانتداب، ولم يرد أي استثناء في صك الانتداب على العراق وسورية، بل ورد الاستثناء الوحيد في الصك الفلسطيني. وباعتباره استثناء يجب تفسيره وتطبيقه ضمن هذا المنظور، ذلك أن الاستثناء – وهي قاعدة قانونية- يجب أن يفسر في أضيق المعاني وبدون توسع.

لقد نص الصك الفلسطيني على أنه يستند إلى نص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم وهي التي وضعت مبدأ “الوديعة المقدسة في عنق الحضارة”، ونص في المادة (5) منه على التزام سلطة الانتداب بالمحافظة على الوحدة الإقليمية لفلسطين، فلا يجوز لها أن تجزئ أو تؤجر أي قسم من فلسطين أو تضعه تحت سيطرة دولة أجنبية، ونص في المادة (6) على التزام سلطة الانتداب بتسهيل منح الجنسية الفلسطينية لليهود الذين يقيمون إقامة دائمة في فلسطين. وبالمقابل، جاء في نص المادة (2) التزام بريطانيا، كدولة الانتداب، بتهيئة فلسطين سياسياً وإدارياً واقتصادياً لتأمين إنشاء الوطن القومي اليهودي. ونصت المادة (4) على الاعتراف بوكالة يهودية لتقديم النصح والتعاون لسلطة الانتداب في المسائل التي تتعلق بإنشاء الوطن القومي.

من الثابت أن الصك الفلسطيني انطوى على الاستثناء الذي مناطه تصريح بلفور، ويجب التعرض لنص هذا التصريح حتى نكتشف مدى انسجامه أو تعارضه مع “الوديعة المقدسة”. بغض النظر عن التاريخ التشريعي لهذا التصريح، فهو ينطوي على أن الدول المتحالفة تنظر بعين العطف لإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين بشرط عدم تضار الحقوق المدنية والدينية للجالية غير اليهودية (يعني الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين) في فلسطين، ولا تضار الحقوق والوضع السياسي لليهود من مواطني الدول الأخرى. ومن الثابت أنه لم يرد في محاضر عصبة الأمم ولا في المراسلات الديبلوماسية ولا في محاضر مجلس الوزراء البريطاني تعريف لما هو الوطن القومي اليهودي، وظل هذا التعبير غامضاً. ونص التصريح على أن يقام الوطن القومي “في” فلسطين، مما يعني أن لا يتم تحويل “كل” فلسطين إلى وطن قومي. وكان هذا النص مخالفاً لما اقترحته المنظمة الصهيونية ابتداءً في مشروعها والذي طالب بتحويل كل فلسطين إلى وطن قومي. إلا أنه من المهم التأكيد على أن إقامة الوطن القومي “في” فلسطين يجب أن تنسجم مع نص المادة (5) من صك الانتداب، ذلك أن إقامة هذا الوطن القومي مشروطة بالإبقاء على الوحدة الإقليمية لفلسطين. من الواضح، أن إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين هو الاستثناء الذي ورد في صك الانتداب بينما الأصل هو صيانة حق تقرير المصير للفلسطينيين. ويمكن تفسير ذلك الاستثناء على أن الوطن القومي قد يكون حارة أو حياً أو مقاطعة ضمن الإقليم الفلسطيني الذي يجب أن يظل موحداً لكي يمارس الفلسطينيون حق تقرير مصيرهم، كما أن هذا الوطن القومي يجب أن لا يؤثر سلباً على الحقوق المدنية والدينية للسكان الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين والتي لها الأولوية في الاحترام والصيانة والتي جاء الانتداب ليعلن أنها “وديعة مقدسة”.

إن هذا التفسير يتفق والترجمة القانونية لمبدأ “الوديعة المقدسة في عنق الحضارة” التي أقيم الانتداب على أساسها والذي وضع لشعب ذلك الإقليم وليس للمستوطنين، ذلك أنه لم يكن هناك أي مجتمع استيطاني يهودي بعد في فلسطين لكي يشمله مبدأ الوديعة المقدسة. وفي أربع قضايا تعرضت محكمة العدل الدولية لتفسير الوديعة المقدسة، وكانت منسجمة في النتائج التي توصلت إليها، وهي أنها تعني الوصول بالشعب الواقع تحت الانتداب إلى ممارسة حق تقرير مصيره وذلك بإقامة دولته المستقلة ضمن الوحدة الإقليمية التي يعيش عليها. ففي القضية الخاصة بانتداب اتحاد جنوب أفريقيا على إقليم ناميبيا، رأت المحكمة الدولية في فتواها القانونية الصادرة في 5 /8 /1970 أن مفهوم “الوديعة المقدسة” يعني الوصول إلى حق تقرير المصير والاستقلال للشعوب ذات العلاقة. وتأييد هذا المبدأ في قضية الصحراء، رغم أنها لم تكن ضمن نظام الانتداب بل كانت إقليماً يخضع للاستعمار الإسباني، وفي قضية تيمور الشرقية تأييد ذات المبدأ رغم أنها لم تكن جزءاً من نظام الانتداب كذلك. وجاء القول الفصل في الرأي الاستشاري للمحكمة الدولية في فتواها الصادرة في العام 2004 وذلك حين قررت أن إقامة جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالف للقانون الدولي مما يوجب على إسرائيل إزالته وتعويض المتضررين عن الأضرار التي لحقت بهم جراء بناء الجدار. في تلك الفتوى، قالت المحكمة إن إقامة الجدار “ستعيق بشدّة ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، ومن ثمّ فإنه يعد خرقاً لالتزام إسرائيل باحترام هذا الحق”.  وهكذا وضعت المحكمة الدولية حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الفلسطيني في سياق السوابق القضائية التي أرست قواعدها، أي أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، شأنه شأن الشعوب الأخرى التي وقعت تحت الانتداب أو تحت الاستعمار المباشر أو لم تتمتع بالحكم الذاتي أو تحت الاحتلال العسكري، أصبح حقاً معترفاً به بموجب القانون الدولي والذي بهذه الصفة، يصبح حقاً ملزماً للمجتمع الدولي ولا يجوز الانتقاص منه أو المساس به. إنه قانون دولي ملزم (Erga omnes).

III-    

وبرغم أن صك الانتداب الفلسطيني، شأنه شأن الانتدابات على العراق وسورية (مع أن هناك اختلافات بين هذه الانتدابات) جاء صريحاً وواضحاً حول التزام سلطة الانتداب بالمحافظة على الوحدة الإقليمية لفلسطين، إلا أنه عند التطبيق العملي تخلّت سلطة الانتداب عن هذا الالتزام وكشفت من نواياها. وحين قامت الثورة الفلسطينية ضد الانتداب والهجرة الصهيونية إلى فلسطين، أرسلت بريطانيا بعثة برئاسة القاضي بيل في العام 1936 لدراسة الوضع والأسباب التي أدت إلى الثورة. وأرسلت اللجنة بعد القيام بالتحقيقات اللازمة توصياتها إلى حكومة الانتداب وهي توصيات لا تنسجم مع الأوضاع والظروف التي أدت للثورة؛ حيث أوصت بتقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق، دولة يهودية، ودولة عربية، وانتزاع الأماكن المقدسة من كلتيهما ووضعها تحت نظام خاص، أي أن التوصيات التي وضعت وشكلت أساساً للتقرير المسمى “فلسطين – لجنة التقسيم” هي تجزئة فلسطين وذلك بالمخالفة الصريحة لما ورد في صك الانتداب. وللعلم، شكلت هذه التوصيات الأساس الذي بنيت عليه توصية هيئة الأمم في العام 1947 بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة أجزاء كما ورد – تقريباً – في توصيات لجنة بيل الملكية.

ومارست سلطة الانتداب الرياء حين لم تلتزم بعدم الإضرار بالحقوق المدنية للفلسطينيين، ذلك أنها اتخذت كل الخطوات التشريعية لتعديل القوانين الفلسطينية، ولا سيما قوانين الأراضي، لتسهيل امتلاكها من قبل المستوطنين الأوروبيين. كما أنها سهلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين دون مراعاة لإمكانية استيعاب الإقليم الفلسطيني وقدرته على النهوض بمهمة الهجرة ودون النظر إلى قدرة الاقتصاد الفلسطيني الذي كان لا يزال يئن من سيطرة الدولة العثمانية والضرائب الباهظة التي كانت تجبى من الفلاحين. كما سهلت للمستوطنين الأوروبيين حق اكتساب الجنسية الفلسطينية. وجميع هذه التصرفات تؤكد أن دولة الانتداب كانت تحابي الاستثناء، وهو قيام الوطن القومي اليهودي، على حساب الأصل الذي هو “العهدة المقدسة في عنق الحضارة”. 

وقبل ذلك كله، كان اللورد آرثر جيمس بلفور عنواناً للرياء والخداع، حيث أقرّ في رسالة رسمية موجهة لحكومته بأنه في فلسطين لم يذهب حتى لاستشارة أو تلمس رغبة السكان الأصليين. وصرح في تلك الرسالة بأن الدول الكبرى لها اهتمام وحرص على المطالب الصهيونية أكثر من اهتمامها برغبات ومظالم 700,000 عربي من أهل البلاد الأصليين، بينما كان يؤكد في تصريحه الذي حمل اسمه أن حقوق السكان الأصليين المدنية والدينية يجب أن تصان أثناء بناء الوطن القومي اليهودي.. وهكذا يتضح أن الدول الإمبريالية لا تستطيع إلا أن تمارس الرياء والنفاق وآخر صور هذا الرياء والنفاق “صفقة القرن” التي لم تترك مبدأ من مبادئ القانون الدولي إلا وانتهكته بفظاظة. وعلى الشعوب المستضعفة أن تتعلم الدرس وهو أن لا تثق إلا بنفسها وقدراتها وانتزاع مصالحها. وعلى القيادة الفلسطينية، على نحو خاص، أن تعي هذا الدرس جيداً، ذلك أن لا المؤتمر الدولي ولا الرباعية الدولية سوف يأتيان لها بحقوق شعبها، فهي ليست إلا أوكاراً للخديعة والغش والرياء، ومن أراد أن يتأكد عليه مراجعة مذكرات واقتراحات وتوصيات توني بلير، رئيس الرباعية الدولية زعيم النفاق الدولي.

قد يعجبك ايضا