"حماس" بين طرفي النفوذ السعودي-الإيراني في المنطقة

يشكل الملف الفلسطيني أحد أهم ملفات الصراعات الإقليمية المهمة، خاصة لدى الجانبين السعودي والإيراني، حيث إنّ إيران بات لها نفوذها الواضح في الساحة الفلسطينية وفي تعزيز البيئة المقاومة ضد الكيان الصهيوني، فما لبث هذا الدور أن كبر وتعاظم، خاصة بعد ضعف الدور السعودي تجاه القضية الفلسطينية.

وقد تزامن ذلك مع وصول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الحكم، الذي فضّل أن ينأى بنفسه عن دعم حركات الإسلام السياسي ومن لف حولها وكان على رأسها جماعة “الإخوان المسلمين” وحركة “حماس”، حيث استجمعت الرياض عدداً من الدول، منها الإمارات-مصر-البحرين، لتعزيز محاربتها لمشاريع “الإسلام السياسي” في المنطقة، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى تعزيز النفوذ الإيراني في الملف الفلسطيني واضطرار حركة “حماس” عبر رموزها وقياداتها، إلى الابتعاد عن افتعال أي موجة جديدة مع الرياض والنأي بنفسها عن افتعال معارك جانبية معها، فكانت حكيمة في قراراتها وهادئة في تصريحاتها رغم الهجمة غير المبررة من الجانب السعودي والإماراتي عليها بسبب ما يسميه الطرفان ارتماء “حماس” في الحضن الإيراني ورهن نفسها إلى طهران.

لكن في المقابل يبدو أنّ الحركة لها مبرراتها الخاصة، وأكثر ما يؤرق الرياض وصنّاع القرار فيها مسألة النفوذ الإيراني في الملف الفلسطيني على الرغم من ابتعاد السعودية غير المبرر عن دعم القضية الفلسطينية بشكل عام، وعن مقاومتها بشكل خاص، ولو بشكل مادي، كما كان في السابق في عهد الملوك السابقين كالملكين فهد وعبد الله.

فعلى الرغم من أنّ حكام السعودية السابقين لم ترق لهم كثيراً فكرة دعم وتبني الحركة و”جماعة الإخوان المسلمين” على مرأى ومسمع من العالم، إلا أنّه وفي الأروقة المغلقة ومن خلف الكواليس ثمة دعم سياسي وآخر مادي للحركة، وبقيت السعودية تحافظ على شعرة معاوية مع قيادات ورموز الحركة، بل وتستقبل وتستضيف قياداتها في موسم رمضان والحج بشكل رسمي، وتعتبرهم ضيوفاً رسميين عندها، وعلى رأسهم رئيس المكتب السياسي السابق للحركة خالد مشعل، الذي يحكى أنّه في أحد لقاءاته مع وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز، منح الضوء الأحضر والكامل للناشطين والعناصر المحسوبين على الحركة في جمع التبرعات لدعمها ومقاومتها في الضفة وغزة، خاصة بعد انتفاضة الأقصى 2011.

إقرأ أيضا

فقد همس الأمير نايف لمشعل في أحد لقاءاتهما الخاصة وغير المعلنة بالقول: “نعم معكم ومع مقاومتكم، لكن لا نستطيع أن نظهر هذا الأمر إلى العلن بسبب الضغوط الأميركية علينا في عدم دعم المقاومة في فلسطين وأهمية محاربتها وتكثيف جهود السعودية في محاربتها وتجفيف أي مصادر من السعودية لدعمها”.

وأوصى بن نايف أثناء لقائه بمشعل بضرورة أن تكون كافة الأنشطة والتحركات من قبل ناشطي الحركة بالسعودية غير معلنة على السطح وذلك حتى لا يتم إحراج السعودية على المستوى الدولي والعالمي في أنّ الرياض تدعم “الإرهاب”، في إشارة إلى حركات المقاومة في فلسطين.

وعطفاً على ذلك، فإنّ الدور السعودي هذا لم يعد موجودا، بل تلاشى تماماً وتمّ هلى ضوئه اعتقال كافة الناشطين الذين ثبت أنّهم كانوا يعملون ويساهمون في دعم الحركة ومقاومتها في الضفة وغزة، وهم لا يزالون رهن الاعتقال حتى هذه اللحظة. وكل هذا يأتي بعد وصول محمد بن سلمان إلى الحكم ضمن رؤيته المناهضة للإسلام السياسي.

الجانب الإيراني استغل الفرصة والفراغ الذي تركته السعودية في دعمها للحركة وكثّف من حضوره تجاه القضية الفلسطينية رغم موقف الحركة من الأزمة السورية وتفضيلها الخروج من سورية وعدم موافقتها على سياسات ومنهجية النظام السوري في التعامل مع الأزمة، فرغم هذه المواقف من الحركة، إلا أنّ طهران عمدت إلى تحريك المياه الراكدة بين الطرفين من جديد وقدمت دعماً يكاد يكون متواضعاً بـ40 مليون دولار سنوياً.

 

مثل هذه الحالة الجديدة لا ترضي الرياض بل أقلقت السعوديين لدرجة أنّهم في الاجتماعات السرية “غير المعلنة” بين الجانبين السعودي والإيراني وفي الحوارات التي يجريها الطرفان بين الحين والآخر، يبدي السعوديون استنكارهم الشديد أمام الإيرانيين، أكثر من مرة، والسبب الحقيقي هو دعم إيران لـ”حماس” وتبينها للحركة.

قد يعجبك ايضا