عودة مشبوهة لـ"قاعدة" اليمن: بطش وإعدامات وتفجيرات

استأنف تنظيم “القاعدة” في اليمن نشاطه مجدداً بعد فترة طويلة من التواري عن الأنظار. وفي بلد مدجج بالفصائل المسلحة وسلطات الأمر الواقع، يبدو أنّ عناصر التنظيم يتجهون لأداء أدوار أكبر خلال الفترة المقبلة، وذلك بتوسيع خارطة نفوذهم في محافظة البيضاء، أبرز معاقلهم الرئيسية داخل البلاد منذ سنوات.

وبعد أيام من تنفيذه عقوبة إعدام وصلب بحق طبيب يمني في مديرية الصومعة بالبيضاء وسط اليمن، بعد اتهامه بالتخابر لصالح الولايات المتحدة الأميركية، قام عناصر من “القاعدة” بتفجير المرفق الصحي الريفي بالمديرية ذاتها، في ما يشبه تدشيناً نارياً لحقبة جديدة يتطلع إليها التنظيم الغائب عن الأضواء منذ تعيين القيادي خالد عمر باطرفي زعيماً له أواخر فبراير/شباط الماضي.

ومنذ أكثر من سبع سنوات، ظلّت البيضاء أرضاً خصبة لعناصر تنظيم “القاعدة” الذين يتوزعون على 4 مديريات هي الصومعة والزاهر ومكيراس وولد ربيع ويديرون أمورها بالكامل كسلطة أمر واقع بعيداً عن الأنظار، لكنها المرة الأولى التي يظهرون فيها للعلن، بحادثة صادمة للمجتمع اليمني تمثّلت بإعدام وصلب طبيب الأسنان مظهر اليوسفي، قبل أنّ يعودوا بعد أيام لتفجير مركز الصومعة الطبي الذي كان يعمل بداخله الطبيب منذ عشر سنوات.

لا يزال التنظيم يمتلك حضوراً صامتاً، في بعض مناطق محافظة شبوة الجبلية

وأكد مصدر إعلامي في محافظة البيضاء لـ”العربي الجديد”، أنها ليست المرة الأولى التي يقوم فيها “القاعدة” بتنفيذ عقوبة الإعدام ضدّ من يصنّفهم بأنهم “جواسيس” أو “عملاء للغرب”، لكنه أراد هذه المرة إشاعة الخوف في أوساط المجتمع بشكل أكبر.

وذكر المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لاعتبارات أمنية، أنّ هناك أنباء مؤكدة عن إعدام “القاعدة” خلال الأيام الأخيرة 4 أشخاص بتهمة التجسس، لكنهم مواطنون عاديون. ولفت إلى أنّ “حرص التنظيم على إشهار عملية إعدام وصلب الطبيب فقط، الهدف منها التلويح بالحديد والنار لكل من يخالفونه، بمختلف مستوياتهم ودرجاتهم العلمية”.

وبدت عملية إشهار التنظيم لحقبته الجديدة، محاكية إلى درجة كبيرة للطريقة التي كان يلجأ إليها الحوثيون في إخضاع المجتمعات بمزيد من الترويع والتفجيرات. ففي حين تشابهت لهجة بيان تبني عملية إعدام الطبيب مع البيانات الحوثية التي تتحدث عن العفو العام، ودعوة المغرر بهم لتسليم أنفسهم مقابل العفو والأمان، كان تفجير منازل الخصوم القبليين والمدارس الدينية، سياسة انتهجها الحوثيون طيلة مشوارهم من صعدة إلى عمران وصولاً إلى اجتياح صنعاء أواخر عام 2014.

ولا يُعرف ما إذا كان الزعيم الجديد لتنظيم “القاعدة”، خالد باطرفي، يسعى لتدشين مرحلة دموية أم لا، خصوصاً أنّ خلفيته العسكرية متواضعة مقارنة بزعماء سابقين مثل ناصر الوحيشي أو قاسم الريمي، اللذين قتلا بغارات جوية في 2015 و2019 على التوالي.

وتوقعت مصادر مطلعة، أنّ باطرفي يتواجد في المديرية ذاتها التي شهدت العمليات الجديدة للتنظيم في البيضاء، وهي المحافظة التي يمتلك فيها “القاعدة” أكبر خارطة نفوذ له على مستوى اليمن بشكل عام.

وقالت المصادر لـ”العربي الجديد”، إنّ عناصر القاعدة في البيضاء يتواجدون في مديريتي الصومعة والزاهر وبعض مناطق مديرية مكيراس، فضلاً عن بعض مناطق مديرية ولد ربيع التي زعم الحوثيون قبل أيام سيطرتهم الكاملة عليها، على الرغم من نفي مصادر قبلية لتلك المزاعم واعتبارها “انتصارات وهمية”.

وبعيداً عن البيضاء، لا يزال التنظيم يمتلك حضوراً صامتاً، في بعض مناطق محافظة شبوة الجبلية، وتحديداً الصعيد والحوطة، التي زعم التحالف السعودي الإماراتي أنه “طهرها” من “القاعدة” مراراً بعمليات عسكرية منذ العام 2016 وحتى 2019.

إقرأ أيضا

كما يمتلك التنظيم حضوراً في بعض مناطق وادي حضرموت الخاضع عملياً لسيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وبعض مناطق محافظة مأرب النفطية، التي يشنّ الحوثيون هجمات مكثفة عليها، في مسعى للانقضاض على مصادر الثروة فيها من نفط وغاز.

وفي محافظة أبين، التي يسيطر “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتياً على المساحة الأوسع فيها، يحتفظ تنظيم “القاعدة” بحضوره في مثلث مودية والمحفد والوضيع، فضلاً عن بلدة المراقشة، وفقاً لمصادر قبلية تحدثت لـ”العربي الجديد”.

ومنذ العام 2015، يطمح “القاعدة” للزعامة وإقامة “إمارات إسلامية” كما فعل سابقاً في مديرية لودر في محافظة أبين. لكن الظهور العلني كان دائماً ما يجعل قياداته أهدافاً سهلة لضربات الطائرات من دون طيار الأميركية، التي نجحت خلال السنوات الخمس الماضية، في اصطياد العشرات من قيادات الصف الأول بالتنظيم، ابتداءً بناصر الوحيشي وجلال بلعيد والسعوديين إبراهيم الربيش وسعد الشهري، وصولاً إلى قاسم الريمي.

التنظيم يعيش أضعف فتراته الحالية، لكنه يستفيد من التعاون وتبادل الأدوار مع جماعة الحوثيين

ولم يعد “القاعدة” يمتلك الكثير من القيادات المؤثرة كما كان في السابق. ووفقاً لمراقبين، فإنّ التنظيم يعيش أضعف فتراته الحالية، لكنه يستفيد من التعاون وتبادل الأدوار مع جماعة الحوثيين التي تعمل على إنعاش الروح فيه لتحقيق مكاسب سياسية وتسويق نفسها لدى المجتمع الدولي.

وأثار التوسّع المزعوم للحوثيين في معاقل تنظيمي “القاعدة” و”داعش” في محافظة البيضاء، الكثير من علامات الاستفهام لدى الحكومة الشرعية وخبراء مهتمين بشؤون الجماعات المسلحة في اليمن، والذين يلمحون جميعاً إلى “تنسيق خفي” بين الطرفين، على الرغم من العناوين البارزة التي تظهرهما في حالة عداء.

ووفقاً لمراقبين، فإنّ تنظيم “القاعدة”، يستفيد بشكل غير مباشر من الحوثيين، كما حصل عندما أزاحت الجماعة، أبرز خصوصه التقليدين المتمثل في تنظيم “داعش”، من بعض مناطق مديرية ولد ربيع، فضلاً عن وجود تنسيق فعلي بين الطرفين، واتفاقات تنصّ على عدم اعتراض أي طرف للآخر.

في السياق، قال الكاتب اليمني والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، نبيل البكيري، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ البيضاء كانت مصدر قلق للحوثيين بحكم أنّ معظم قيادات “القاعدة” البارزة، من الوحيشي إلى القيادات من أسرة آل الذهب، كانت تمرّ عبر هذه المحافظة. ولفت إلى أنه بعد مقتل تلك الزعامات، ترهّل التنظيم وبات هناك نوع من الانسجام ولعب الأدوار بين “القاعدة” والحوثيين.

ووفقاً للبكيري، فإنّ “جزءاً من عناصر التنظيم، وخصوصاً الذين أطلق سراحهم من سجون صنعاء، عملوا في إطار جماعة الحوثيين أو بطلب منها، بهدف توفير مادة لها أمام المجتمع الدولي للحديث عن أنّ البيضاء والمناطق الجنوبية داعشية وإرهابية”. وأشار إلى أنّ الحديث عن عودة نشاط “القاعدة” بهذه الطريقة من إعدامات وتفجيرات، تبدو وكأنها بدفع أو انسجام مع الحوثيين، خصوصاً بعد انكشاف معركة يكلا وقيفة التي انسحب منها عناصر التنظيم لصالح جماعة الحوثيين.

ورأى الباحث اليمني، أنّ الحوثيين يشتغلون على قاعدة أنهم أفضل جماعة يمكن أن تحارب “القاعدة” و”داعش”، ويسوقون أنفسهم للمجتمع الدولي بهذه الطريقة على الرغم من أنهم أكثر تطرفاً من التنظيمين.

وتدعم الحكومة اليمنية مثل هذه الرؤى. وفي مسعى منه لقطع الطريق أمام رسائل الغزل الحوثية، اجتمع رئيس الوزراء اليمني (المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة أيضاً) معين عبد الملك، مساء الإثنين الماضي، مع سفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. وأبلغ عبد الملك السفراء، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” (التي تديرها الشرعية)، أنه “لم يعد خافياً وجود تنسيق وثيق وتخادم بين مليشيا الحوثي والتنظيمات الإرهابية كما حدث في بعض مناطق البيضاء، حيث ظلّت عناصر القاعدة وداعش تتحصن في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي حتى سهلت مرورهم، وهما وجهان لعملة واحدة، وما يحصل تطور خطير، فالإرهاب يتغذى من استمرار الانقلاب وعلاقته به، ونؤكد أنّ الحكومة تضع في أولوياتها الحرب على الإرهاب بالتنسيق مع الشركاء في المجتمع الدولي ولن تتهاون في ذلك”.

وقد تتأكد هذه التكهنات في حال إطلاق الحوثيين، خلال الأيام المرتقبة، عملية عسكرية لتحرير مديرية الصومعة التي كانت مسرحاً لعمليات تنظيم “القاعدة” الأخيرة، على الرغم من أن حديث وزارة الداخلية الحوثية، يشير إلى أنّ الجماعة قد تستثمر “داعش” و”القاعدة” بإفساح المجال لهم بالتوجه من البيضاء إلى مأرب، ومن ثم الإعلان أنها ستقوم بملاحقة الفارين، كما كشف بيان صحافي، أواخر الأسبوع الماضي.

قد يعجبك ايضا