"يَلْدا": تفاصيل سينمائية تُخفِّف ملل السرد

في “يَلْدا”، يطول الليل، ويتأخّر بزوغ الفجر، وتبيت الآمال منتظرة بقوّة ولادة نهار جديد يزيح العتمة. “يَلْدا” أطول ليلة في السنة. ليلة الانقلاب الشتوي في 21 ديسمبر/ كانون الأول. عيد شمسيّ زرداشتيّ، يُحتَفل به حاضراً في إيران بطريقة مبتكرة. يُقال إنّ العفو عن السجناء في العصور الوسطى كان يتمّ في تلك الليلة، في رمزٍ لا يُخفى معناه. في إيران، تُجمع التبرّعات في “يلدا” لدفع “ديّة” ربما تُنقِذ محكوماً بالإعدام، وتخلّصه من ليلٍ طويل. يساهم برنامج تلفزيوني في تحقيق “لذّة العفو”، كما يدعونها. لذّة أوحت للإيراني مسعود بخشي (1972) بفيلمه الأخير “يَلدا، ليلة الغفران” (2019، 89 د.، تبدأ عروضه التجارية الفرنسية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2020).

 

 

بعد 8 أعوام على فيلمه الروائي الطويل الأول “عائلة محترمة”، المعروض في برنامج “نصف شهر المخرجين”، في الدورة 65 (16 ـ 27 مايو/ أيار 2012) لمهرجان “كانّ”، ينبش مسعود بخشي مُجدّداً ـ بأسلوبٍ مُشوّق ومغلّف بغموض ينكشف تدريجياً ـ قضايا تؤرق حياة الأفراد، وتجعل من مصائرهم لعبة في أيدي الآخرين.

يبني “يَلْدا” موضوعه الرئيسي على أحكام الإعدام في إيران، الذي تندِّد به الهيئات الدولية، وتقابل إيران تنديدها برفض تدخّل الهيئات في شؤونها الداخلية. ورغم أنّ الحبكة الرئيسية قائمة على هذا المحور، هناك محور آخر موازٍ له في الأهمية، إلى قضايا جانبية، تسلّط كلّها الضوء على خفايا وظواهر في المجتمع الإيراني، كالزواج المؤقّت، والحاجة، والفوارق الاجتماعية والطبقية.

ينحصر “يَلْدا” في أروقة استديو التلفزيون المحلي في ليلة واحدة (ليلة يَلْدا)، يغادرهما (الاستديو والليلة) لعرض أفلامٍ مُصوّرة بالفيديو (شاشة ضمن شاشة)، ومعها صُوَر الشخصيات الرئيسية، التي تتداخل في السرد، لتفسير بعض ألغازه للمتفرّجين. الفيلم عن إيران راهناً. مريم (22 عاماً) مُهدّدة بالإعدام لقتلها زوجها ناصر (65 عاماً) خطأ، كما تقول. بعد 15 شهراً أمضتها في السجن، بات يتحتّم عليها نيل عفو أسرته لتنجو من الحكم. وحدها يُمنى، ابنة القتيل، يُمكنها إنقاذها، إذْ يكفي أنْ توافق على مسامحة مريم في “تمثيلية درامية” تجري وقائعها أمام ملايين المُشاهدين، في برنامج “تلفزيون الواقع”.

تصل مريم إلى المبنى مُقيّدة اليدين. تبدأ الاستعدادات في الاستديو لتهيئتها للظهور على الشاشة، في بثّ مباشر، يضعها وجهاً لوجه مع منى، بانتظار صدور حكم العفو عنها، بعد نقاشات ومناوشات. في هذه الليلة (يَلْدا) التي يُبثّ فيها البرنامج، يتواجه الخصوم بمشاركة الجمهور، المُساهم في التصويت على مدى حقّ المتّهمة بالإعدام، ثم يخرج الجميع راضين هانئين: القاتل، بإنقاذ حياته؛ أهل الضحية، بحصولهم على المبلغ الضخم للـ”ديّة”؛ الجمهور بإحساسه بعمل خيّر بمشاركته في الحدث؛ “الراعون” للدعاية التي ينالونها ولو كلّفهم هذا دفع جزء من الـ”ديّة”.

لكنْ، بالتضاد مع هذه القصّة ومشاكل الزواج المؤقّت ومسبّباته، المطروحة في الحوار والنقاش في الاستديو، و”قِدم” القوانين التقليدية القاسية وتطبيقاتها، كقانون “العين بالعين” المعمول به في المحاكم الإيرانية، فإنّ قوّة بناء الفيلم تتبدّى أكثر في طريقة معالجة المحور الأهمّ، المضاد للأول: “حداثة” البلد، من خلال العمل الإعلامي فيه، وخفاياه وتطوّره التقني، من دون أن يعني هذا فخراً به. تظهر إيران الحديثة في لقطات افتتاحية ليلية، تُظهر حيوية المدينة (بعيداً عن جمود قوانينها)، وجمالها المغلّف بالعتمة. هناك برج “ميلاد”، المُشرف على طهران من عليائه؛ وأضواء المدينة وشوارعها المزدحمة بالسيارات؛ والمكان الذي تُستخدم فيه أحدث الأجهزة والمعدات التقنية؛ والأهم: أحدث السياسات الإعلامية، أو صرعاتها.

يربط مسعود بخشي بذكاء بين موضوعيه، يتّضح (الذكاء) في معالجته السينمائية التي تُبدي ما يجمع بينهما: بين القديم والحديث، وبين المخفي والظاهر. كما يبيّن بفعالية قوّة الصورة وكواليس الإعلام، وكيف يتلاعب بالجماهير، بالإثارة وإيقاع الضيوف في الفخّ بدفعهم إلى كلامٍ عمّا لا يريدون، وعمّا لم يُتّفق على تناوله وطرحه، وفي التحايل أيضاً، بتوليف الشرائط والصُوَر، وخفايا هذا النوع من البرامج التي تشهد تدخّلاً دائماً للادارة عبر سمّاعة في أذن مقدّم البرنامج لإرسال رسائل نصّية إليه، بهدف توجيه الحوار إلى ما يحقّق أكبر إثارة ممكنة، وأعلى نسبة مُشاهدة، وأضخم مشاركة.

يتسلّل مسعود بخشي، أحياناً، لنفض مللٍ من السرد يحلّ نتيجة النقاشات المكرّرة والعواطف المتدفّقة وانغلاق المكان، فيقدّم مفاجأة يمهّد لها بظهور شخصيات جديدة، في الوقت نفسه مع بثّ إعلانات أثناء الحلقة، تُخرج المُشاهد من ضغط الحدث، وتُشوّقه مجدّداً. كما يحاول إغناء السرد وتنويعه، فيهتمّ بهاتفٍ يرنّ في وقتٍ غير مناسب، مع أنّه يحمل حلاً للّغز، أو بساعٍ عجوز يمرّ على الجميع مُقدِّماً شاياً وحلويات على “المهمّين”، وشاياً فقط على الحرّاس. هذا الساعي، الأكثر طبيعية في أدائه من الآخرين، يمنح مروره خفّة لسردٍ بدا ثقيلاً أحياناً، ولأداءٍ مفرطٍ في لقطاتٍ مقرّبة ترصد كلّ تفصيل وتعبير للمتّهمة مريم (صَدَف أصغري)، لا سيما عندما أرادت التعبير عن مشاعر القنوط أو الظلم في تقطيباتٍ أو صراخٍ وبكاء، وكلّ تعبير مفتعل في لقطات لمنى (بهناز جعفري، رفيقة جعفر بناهي في “3 وجوه”، عام 2018) تؤدّي فيها دور المُسامِحة المتردّدة.

 

 

إبراز كواليس الإعلام الإيراني وتفاصيله أفضل ما في “يَلْدا”. فرغم القضية المبتكرة التي يطرحها، والتي يتفرّد بها، والتي تعود إلى قرون سابقة، لا يختلف في أساليبه وحداثته عن أيّ إعلامٍ غربيّ آخر. هذا كلّه، رغم أنّه يبدأ برامجه بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”، العبارة المُترجمة إلى الإنكليزية بـ”ها قد بدأنا”.

التعليقات مغلقة.