ذكرى ميلاد: مصطفى كمال فرحات.. مفاتيح لمدينة غير مرئية

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، السادس والعشرون من آب/ أغسطس، ذكرى ميلاد المفكر التونسي مصطفى كمال فرحات (1948- 2020).

 

مثل مدينة غير مرئية هو فكر مصطفى كمال فرحات (1948 – 2020)؛ مدينةٌ مزدحمة بالشخصيات الأسطورية والتاريخية وبالمفاهيم والدلالات والصراعات. ورغم كل ذلك لا نكاد نسمع لها ضجيجاً ما لم نحُز مفاتيح لبوّاباتها وهي عديدة. وقتها فقط، سنبدأ في تهجئة رموزها ومعمارها.

ليس حديث المدن وتأسيسها بغريب عن المفكّر التونسي – الذي تحلّ اليوم ذكرى ميلاده – فإحدى بوّابات العبور إلى كونه الفكري هي حكاية تأسيس قرطاج: المدينة الجديدة باللغة الفينيقية؛ لغة الأبجدية الأولى. إليسار التي تهرب من “كونٍ قلّصته وضيّقت أفقه وهجّرت المعنى منه سياسة ما” نحو عالم جديد تؤسّسه بنفس خامات الأبجدية الأولى لكن بترتيب وتركيب مختلفين، كما تشير إلى ذلك أسطورة جلد الثور؛ رمز البدايات السحيقة.

وهو يستقرأ دلالات ما أنجزته إليسار في كتابه “لماذ الفلسفة اليوم؟”، يلاحظ فرحات فرقاً شاسعاً بين خيار تأسيس مدينة جديدة ومن ثمّ عالم جديد، وخيار أوليس في أسطورة تأسيسية أخرى. يشير المفكّر التونسي إلى أن “أوليش قرّر أن يسدّ آذان رفاق رحلته البحرية فهاجسه هو العودة إلى وطنه”، وبالتالي فهي رحلة مغلقة تسكن أعماق العقل الغربي وتمثّل مساراته التاريخية وهو يعود في كل مرة إلى العصر الإغريقي الأول لا يتقدّم خطوة إلا ويعود إليه.

هكذا نتبيّن بعض ملامح مشروع صاحب كتاب “قول الممكن فلسفياً” ففي نفس الوقت يقدّم مراجعة للسرديات المهيمنة على الفكر البشري، ومعظمها عرف الغرب كيف يفرضها على بقية العالم، وفي نفس الوقت يميط اللثام على أساطير مؤسِّسة بديلة، أغلبها من الشرق باعتباره الخزّان الروحي للبشرية، وهو بذلك يدقّ في الأرض أسس “الفكر الممكني” أو “فلسفة الجود والممكن”، وهي العبارة التي كثيراً ما يلخّص بها مجمل مشروعه الفكري. 

يوجز فكره بالقول بأنه يتفلسف شهرزادياً في وجود شهرياري

بعبارات المعجمي الفلسفي، حاول فرحات أن يحقّق انتقالاً من أنطولوجيا الضرورة إلى أنطولوجيا الممكنات، حيث يلاحظ – وهنا نتحرّك معه ضمن الفلسفة كسردية للعقل الغربي – أن الضرورة التي أقام عليها اليونان – ومن ورائه الغرب – كانت عمياء، وجوهر هذا العمى إقامة فكر الوجود برمّته على مبدأ الندرة، ومثاله الأبرز نظرية مالثوس التي تقول بأنَّ مائدة الطبيعة لا تتوفّر على ما يكفي من الأطباق لإشباع كل الأفواه، وبالتالي جرى تبرير التقاتُل من أجل بلوغ نصيب على مائدة الوجود، وهو ما تُجسّده الرأسمالية بشكل واضح في سياساتها القائمة على التضييق والاحتكار والنهب.

يتساءل فرحات مستنكراً: من الذي قرّر بأن يُقام فكر الوجود على مبدأ الندرة هذا، في حين أنه أينما ولّينا وجوهنا سنجد أن الوجود واسع شاسع، فيضانيّ غدقانيّ بعباراته، يمكنه أن يستوعب كل الممكنات، وبالتالي فإن أزمات النهايات وخطاب الموت (موت الفلسفة، وموت الفن، ونهاية التاريخ…) هي مقولات لا تعني إلّا أصحابها، ولا ينبغي أن تُجَرّ كل البشرية إلى سلسلة الجنازات التي ينظّمها الغرب.

إقرأ أيضا

هذا الوضع التاريخي الذي نعيشه يفسّره فرحات بمفردات لوحة “المكفوفين” للفنان الهولندي بروغل، حين تبيّن أن سقوط الأعمى الأول في الطابور أدّى إلى عدوى التساقط، وهو “مآل من ينسى إبداعيته وكنهه الممكن التجاوزي ويقتدي بمن لا بصر له ولا بصيرة”، ولا يخفى أنه يشير هنا إلى اقتداء الشرق بالغرب، وهو ما يوليه عناية في مواضع أُخرى من مدوّنته وهو يتحدّث – بشكل ساخر – عن استبدال شريعة حمورابي بشريعة راعي البقر، كما جرى من قبل استبدال شريعة موسى بشريعة العجل الذهبي.

كيف غاب هذا الفكر التحرُّري عن الحياة الثقافية العربية؟

جعل مصطفى كمال فرحات من الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر للفلسفة الغربية منطلقه في بناء “فكر الممكن”، غير أنه يرى أن مشروع هايدغر في تقويض الفلسفة كان هو الآخر فكراً نُدرَوياً قاد إلى طرق مسدودة جديدة. فإذ كان الفيلسوف الألماني قد اعتبر أن إشكالية العقل الغربي هي التركيز على الموجودات مقابل نسيان الوجود، وهو ما يُسمّى بنسخ الوجود بالموجود، فإن فرحات يرى أن ما جرى نسيانه بحق هو لانهائية الوجود، أي الجود، بذلك أصبح الوجود ناسخاً للجود. 

كيف غاب مثل هذا الفكر التحرُّري عن متداول الحياة الثقافية العربية، وبقي معزولاً في مدينته اللامرئية؟ المفارقة أنَّ فرحات توفّرت له كل أدوات الإشعاع؛ تتلمذ على يد أشهر مفكّري فرنسا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مِن إميانويل ليفيناس إلى ميشيل فوكو، وهو أستاذ جامعي في تونس نشيط في المشاركة في المؤتمرات البحثية، وأهم من كل ذلك تميّزت طروحاته بندّية حيال أكبر مفكّري الغرب من أفلاطون إلى هايدغر. 

رغم ذلك لم ينشر فرحات إلا تحت الإلحاح، ربما بعكس رغبته الأولى، حيث كثيراً ما أشار في أحاديثه إلى أنّ صديقه سليم دولة هو الذي دفع ببعض من مخطوطاته إلى “منشورات الجمل” في 2016، “لماذا الفلسفة اليوم” و”قول الممكن فلسفياً”، كما نشر في طبعات محدودة كتابين هما “فكر الوجود وتاريخه” و”في شهرزادية الوجود”، وفي هذه الأعمال نجد إشارات عديدة إلى مؤلّفات أُخرى وترجمات منجَزة أو في طور الإنجاز. بهذه التوليفة، تبدو شخصية المفكّر التونسي مُلغزة، ثرية في صمتها، واكتفائها بممارسة التفكير والكتابة، وكأننا في أزمنة بلا دور نشر أو مؤسّسات بحثية تهتم بالدراسات الفكرية. 

ربّما كان ذلك من آداب “التفلسف شهرزادياً في وجود شهرياري”، وهي عبارة له تلخّص الكثير من مشروعه، ولا ننسى هنا أن فرحات قد اشتهر في دوائر صداقاته الضيّقة باسم “الفيلسوف الشهرزادي”، وهو اسم يستمدّه ربما لاستدعاء عشرات الحكايات والطرائف والالتقاطات في خطابه، الحيّ أو النصّي،  لكن لهذا اللقب مرجعيّته في مدوّنة فرحات، فشهرزاد قد تحوّلت معه إلى شخصية مفهومية تنطق فلسفة بعربية ثرّة متدفّقة. شهرزاد التي تُفلت هي الأخرى مثل إليسار من مشروع إبادي فتخلق مشروعاً إبداعياً، وتتصدّى لمشروع قصاصيّ بمشروع قصصيّ.

شهرزاد هي مدخل آخر ممكن إلى “المدينة الفرحاتية”، بل لعلّها المدخل الرئيسي إلى شوارعها وأزقتها، لو أنّنا أردنا أن نبقى أوفياء لمدوّنة صاحب كتاب “فكر الوجود وتاريخه”. يفكّك فرحات القصّة الإطار ويجعلها مثلاً آخر يضربه ضمن المشروع الأم “فلسفة الجود والممكن”، محوّلاً الشخصيات الأساسية إلى علامات تضيء في متاهة التضليل الكوني، وعاقداً علاقات جديدة بين مكوّنات المعرفة.

ومن حكايات “ألف ليلة وليلة”، يُخرج لنا فرحات بشخصيات مفهومية أُخرى، فيجعل من السندباد رمزاً بديلاً عن أوليس، فالأول يتحرّك ضمن رحلة مفتوحة والثاني لا يقود إلى العودة للصفر، ويأتي بعلي بابا وهو يكتشف كهف الأربعين لصّاً، فيضرب ذلك مثلاً على ما تقترفه البنوك في حق شعوب قد لا ترى كيف تخرج من تاريخ النهب رغم أن الممكنات ماثلة بين يديها.

يُتيح أي مسار نتّخذه داخل المدينة غير المرئية التي تركها مصطفى كمال فرحات أن نصطدم بأفكار ومفاهيم طريفة مترابطة مثل الفرعوينة والهامانية والقارونية أو “الما – وراء – عرشية” بديلاً عن السرقة البروميثية للنار. كان يقدّم نموذجاً للقدرة على الإنتاج المفاهيمي مما لا نجد مثيله إلا نادراً في ثقافتنا، وإن قراءة مدوّنته (ولعلّنا سنتلقّى الجزء الأكبر منها كما تلقينا مدّونة هايدغر بعد رحيله) هي في حدّ ذاتها دعوة لاستنطاق الممكن وإعادة ترتيب العالم برمّته.

قد يعجبك ايضا