عقدة الدوائر الانتخابية المتعددة تهدد بأزمة سياسية في العراق

تهدد خلافات القوى والأحزاب السياسية العراقية، لا سيما الدينية منها التي تصدرت واجهة العملية السياسية في البلاد بعد العام 2003، حول الفقرة المتعلقة بالدوائر الانتخابية في قانون الانتخابات الجديد، وكيفية توزيعها وعددها، بأزمة سياسية كبيرة، قد لا تنتهي إلا بتسوية تكون لصالح تلك القوى على حساب القانون نفسه الذي أقر في ديسمبر/كانون الأول الماضي، من دون تفصيلات بشأن المادة 15 منه المتعلقة بنظام الدوائر الانتخابية لجهة عدد تلك الدوائر في المحافظة وكيفية توزيعها أو تسميتها، إذ تعتبر قوى سياسية عدة، خصوصاً الطائفية منها، أن أصواتها ستتبعثر في مناطق عدة وتضيع أسفل القاسم الانتخابي المحدد للفوز بالمقعد البرلماني الواحد.

وصوّت مجلس النواب العراقي، بأغلبية مريحة، في ديسمبر الماضي على قانون الانتخابات الجديد انصياعاً لطلب المتظاهرين، ولغاية الآن لم يصادق رئيس الجمهورية برهم صالح على القانون حتى يصبح نافذاً بسبب عدم إكمال جدول الدوائر الانتخابية وجغرافيتها في كل محافظة وعددها.
وقالت مصادر برلمانية مطلعة، لـ”العربي الجديد”، إنه توجد على طاولة البرلمان منذ أيام، عدة مقترحات حول آلية الدوائر الانتخابية، منها تقسيم كل محافظة إلى ثلاث دوائر انتخابية حسب النسبة السكانية، ومقترح آخر تكون فيه كل محافظة من خمس دوائر انتخابية، ومقترح ثالث بتوزيع الدوائر الانتخابية على عدد الأقضية في كل محافظة، ومقترح أيضاً بأن يكون لكل مئة ألف نسمة دائرة انتخابية واحدة. وبحسب المصادر، لا توجد حتى الآن أي بوادر اتفاق على الرغم من مساعي بعثة الأمم المتحدة، إذ تخشى أحزاب السلطة الرئيسة خسارة نفوذها مع تعدد الدوائر وتشتت أصوات جمهورها لا سيما في المناطق المختلطة دينياً وعرقياً مثل بغداد، صاحبة الثقل الأكبر ذات التسعة ملايين نسمة، ونينوى وديالى وبابل وكركوك والبصرة. وأكدت المصادر أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تضغط لإنجاز القانون حتى تقوم على ضوء ذلك بالتحضير للانتخابات منذ الآن، بينما التأخير يعني أن موعد الانتخابات المقرر في السادس من يونيو/حزيران المقبل سيتأثر أيضاً.
يُشار إلى أن العراق كان يُصنِف كل محافظة دائرة انتخابية في التجارب الانتخابية التي جرت بين عامي 2005 و2018، إلا أن قانون الانتخابات الجديد الذي جرى التصويت عليه في ديسمبر 2019 اشترط تقسيم المحافظات (وعددها 18) إلى دوائر انتخابية صغيرة لم يحدد حجمها وحدودها، بسبب الخلافات على ذلك.

توجد على طاولة البرلمان عدة مقترحات حول آلية الدوائر الانتخابية من دون بوادر للاتفاق
 

إقرأ أيضا

وقال عضو اللجنة القانونية في البرلمان العراقي، سليم همزة، لـ”العربي الجديد”، إن الخلافات السياسية ما زالت مستمرة لغاية الساعة حول موضوع الدوائر الانتخابية في قانون الانتخابات، فكل جهة تريد تشريع هذه الفقرة أو رسمها وفقاً لمقاساتها، لضمان حصولها على العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية في الانتخابات المقبلة، معتبراً أن “البرلمان العراقي تسرّع في تشريع قانون الانتخابات الجديد بسبب ضغط التظاهرات الشعبية في وقتها، فهذا القانون بحاجة إلى إجراء تعديلات ومراجعة بعض فقراته، وهناك حراك سياسي حول ذلك، مع عودة انعقاد جلسات البرلمان بداية الشهر المقبل”. وأضاف همزة أن “قانون الانتخابات لا يمكن المصادقة عليه من قبل رئاسة الجمهورية العراقية، من دون إكمال فقرة الدوائر الانتخابية، وهذه الفقرة بحاجة إلى إصدار ملحق مع قانون الانتخابات تتضمن تقسيم كل محافظة إلى أكثر من دائرة، وهذا حسب الاتفاق السياسي، الذي سيحصل، حتى يكون هذا الجدول ملزماً لمفوضية الانتخابات، ولا يحصل أي تلاعب في قضية الدوائر”، مؤكداً أن “تقسيم المحافظة إلى أكثر من دائرة انتخابية، بحاجة إلى إجراء تعداد سكاني، وإثر ذلك يتم تقسيم كل محافظة إلى أكثر من دائرة وكل قضاء أو ناحية إلى دائرة أو أكثر، وهذا الأمر يتطلب وقتاً وجهداً مادياً وبشرياً، بينما الظروف الحالية لا تسمح بذلك بسبب الأزمة المالية وجائحة كورونا، وهذه قضية خلافية جديدة تعرقل إكمال قانون الانتخابات، فيما تأخير حسم القانون يؤثر بشكل مباشر على موعد إجراء الانتخابات المبكرة”.

من جهته، قال القيادي في ائتلاف “دولة القانون” سعد المطلبي، في حديث مع “العربي الجديد”، إن هناك جهات سياسية، لم يسمها، تريد “تشريع قانون انتخابات خاص على مقاسها ووفق قاعدة جماهيرها، لضمان حصولها على المقاعد الأكبر في الانتخابات المقبلة، حتى تتحكّم هي بقضية تشكيل الحكومة المقبلة”. ولفت المطلبي إلى أن “تحالف سائرون بزعامة مقتدى الصدر، والقوى السياسية السنّية، يدفعان لجعل كل محافظة أكثر من دائرة انتخابية واحدة، خصوصاً أن هذا الأمر سوف يضاعف عدد مقاعد القوى السنّية في الانتخابات المقبلة”، مضيفاً أن “القوى السياسية الكردية ليست مهتمة جداً بهذا الأمر فهذا لا يؤثر عليها، خصوصاً الأحزاب الكبيرة كالحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، لكن الخلاف والانقسام السياسي الشيعي هو الأكبر والأعمق حيال الدوائر الانتخابية”.
وإذ أشار القيادي في “دولة القانون” إلى أن “مجلس النواب معطل بسبب الخلافات على الدوائر الانتخابية، فحتى اللحظة الخلافات والصراعات قائمة”، حذر من أن “استمرار هذا الصراع والخلاف، وتأخير المصادقة على قانون الانتخابات البرلمانية الجديدة، يؤثر على إجراء الانتخابات المبكرة، وربما يؤجلها إلى موعد بعيد عن الذي أعلنته حكومة مصطفى الكاظمي، وربما بعض الجهات تطمح لذلك من خلال عرقلة تمرير القانون بصورة كاملة”.

نائب عن “سائرون”: بعض القوى تحاول استغلال هدوء الشارع وتراجع حدة التظاهرات، لإبقاء كل محافظة دائرة انتخابية واحدة
 

في المقابل، قال النائب عن تحالف “سائرون” علي اللامي، لـ”العربي الجديد”، إن “الحوارات بشأن الدوائر الانتخابية متوقفة بسبب تعطيل جلسات البرلمان”. وأوضح أن “البرلمان سيعاود عقد جلساته في 3 سبتمبر/أيلول المقبل، وستنطلق مفاوضات حسم الدوائر الانتخابية، ونحن مصرون على جعل كل محافظة أكثر من دائرة انتخابية واحدة، خصوصاً أن هذا الأمر أحد أبرز مطالب المتظاهرين منذ انطلاق ثورة أكتوبر/تشرين الأول، وعلى أساسه تحرك البرلمان نحو تشريع قانون انتخابات جديد”.
ولفت إلى أن “بعض القوى السياسية تحاول استغلال هدوء الشارع العراقي، وتراجع حدة التظاهرات الشعبية، من أجل إبقاء كل محافظة دائرة انتخابية واحدة، كما هو معمول في كل انتخابات برلمانية في العراق، لكن هذا الأمر مرفوض شعبياً، وهناك رفض برلماني كبير له”. وختم بالقول إن “هناك قوى سياسية، تدرك جيداً خسارتها الشارع، بسبب فشلها في التصدي للمسؤولية طيلة السنوات السابقة، وهي لا تريد إجراء انتخابات مبكرة، حتى تبقى محافظة على نفوذها الحالي، ولهذا هي تعرقل إكمال قانون الانتخابات، فلا انتخابات مبكرة ولا غيرها من دون حسم هذا القانون ومصادقة رئاسة الجمهورية عليه، أما تأخير حسم القانون فيعني تأخير إجراء الانتخابات، وهذا ما تريده بعض الجهات والشخصيات السياسية المتنفذة”.

قد يعجبك ايضا