سقوط الرمزيات

الانفجار، فوق الكوارث السياسية والاقتصادية والأمنية التي ترزح على لبنان، بدا تماماً وكأنه استمرار لها. كان في محلّه ولا يحتاج حتى إلى تفسير. الجميع سارعوا الى التنصل منه؛ “إسرائيل” أولاً، ثم “حزب الله” وسبقها مسؤولو المطار أي السلطة عبر عهود، كأن الانفجار جزء من القدر اللبناني الذي لا يُستبعد أن يكون فيه، إلى جانب الحرب والمجاعة.

كان هذا إخراجاً للوضع اللبناني من السياسة والاقتصاد، أي من الوضع كلّه، إلى نوع من أسطرة كاملة، هي وحدها قادرة على أن تغطي على واقع متهالك، وعلى أن تردّه تقريباً بلا أي سؤال وبلا أي مسار وأي مستقبل. 

هذا هو الواقع اللبناني بعد توقّف الحرب الأهلية التي انتقلت، بطواقمها كلّها إلى السلطة، وحوّلت هذه السلطة إلى نوع من لعبة أهلية دائمة، إلى حثالة للحرب الأهلية تتغطى بمسميات وأشكال، لا تمانع في أن تكمل اللعبة عياناً وعلى وجه التقريب، وبدون أي درجة من الاستتار، لدرجة أن المحاصصات والصفقات والمنازعات عليها تدور جهاراً في الأروقة وأمام الناس، ولدرجة أن الخطابات السياسية للأطراف المتشاركة المتنازعة لا تبالي بأن تتّصل بالواقع. خطابات تمارس في نفس الوقت السلطة والمعارضة، وتطرح الأشياء وعكسها، ولا تبالي بأي اختبار أو محاكمة واقعية.

توقّفت الحرب الأهلية لكنها انتقلت بطواقمها إلى السلطة

إقرأ أيضا

وزارة حسان دياب بدأت على سبيل المثال، بسرقة شعارات الانتفاضة الشبابية التي تسمّت بـ 17 تشرين، وبدا هذا في حينه وبعده، مجرد كلام غير مسؤول أمام أي طرف. بدا مجرد سرقة بلاغية، ومجرد استيلاء على موجة كلام. وبالطبع لم يكن ما قاله رئيس الوزارة ورئيس الجمهورية بعد الانفجار شيئاً آخر. الكلام عن المحاسبة والعقاب في ردود الرئيسَين لا يعني أحداً، فالواضح أن علاقات النظام لا يخرج أحد عنها، ولا يتخطاها أحد، وما سيجري استمرار لما هو في النهاية أمر واقع، يتمّ بفعل آليات وردود، هي من الرسوخ والدوام بحيث لا يمكن لأي شيء أن يجري خلافها.

السلطة الموروثة عن الحرب الأهلية هي أيضاً مزدوجة. إنها في ذات الوقت انفصالية، فهي دويلات، وهي وريثة راديكاليات وثوريات ومذهبيات تتكلّم بعدة لغات وعدة خطابات، في الوقت ذاته. تعاملَت هي وتعاملَت معها المعارضة المسؤولة بالدرجة ذاتها، عن الانهيار الحالي، عن انهيار على أنه مشكلة إدارية. في الوقت الذي لا يفسر ذلك بقاء 2700 طن من نترات الأمونيوم أكثر من ست سنوات في عنبر شاسع من عنابر المرفأ. السؤال دائماً عمّا هو وراء هذا الأمر، فإذا كان ممكناً بقاء هذا الرقم من مادّة قابلة للانفجار كل هذا الوقت، بعلم السلطات وبدون قدرة على تدخّلها في الأمر، فإن كل ما في البلد، لا بد، يدار بالشكل ذاته.

سلطة تقلّد الثورة في خطابها وتسرق شعارات الانتفاضة

هذا بالطبع يطرح موضوع سلطة، هي في فيدراليتها المضمرة، لا تسمح بالتدخل إلا في حدود فيدرالية. هذا ما يترك الشأن العام ومن ضمنه المرفأ وسواه سائباً ومهملاً ومتروكاً، إذ لا يقع تماماً تحت أي سلطة مسمّاة أو سلطة عامة. يمكن أن نفهم أن مشكلة المرفأ ذاتها مشكلة كل ما هو، بما في ذلك السلطة نفسها، عام ومشترك، بحيث يوضح الانفجار كم هي غائبة وكم هي شكلية وكم هي غير مسؤولة ككل ما هو عام وما هو مشترك. وحين نتكلم عن إهمال فإننا بهذه التسمية نفسّر جميع ما يقع. فكل ما هو عام، إما هو في حيّز جماعة من الجماعات والتقاتل عليه مستمر، وإما أنه منحى جانباً، متروك لحاله كما هو الأمر في العنبر رقم 12 الذي حوى نترات الأمونيوم. هذا إذا صحت المعلومات الشائعة، وقد لا تصح وقد يكون الأمر غير ذلك، فكل ما يصدر عن سلطات بهذا الشكل يمكن أن يكون تمويهاً.

غضب الجمهور في محلّه، لكن قبالة سلطة ليس سوى جيشَين وأجهزة أمنية فحسب، فإن إلقاء الحجارة على رجال الأمن والجيش الذي يتولّى السلطة بموجب قانون الطوارئ، سرعان ما ووجه بالردع بعد يوم واحد على مجزرة المرفأ. لإلقاء الحجارة رمزيته في الأساس، كما رأينا في انتفاضة الحجارة الفلسطينية، لكن سلطة تعاني من تفكك عضوي، ومن فصام عن السياسة نفسها، لا تعني لها هذه الرمزية ولا سواها من الرمزيات شيئاً. هذه السلطة التي تقلّد الثورة في خطابها، وتسرق شعارات الانتفاضة، لا تبالي برمزية الحجارة. إن قفزها فوق الشعارات والرموز عضوي فيها، وهي نفسها رمز ساقط، هي تقريباً في لعبة أهلية دائمة، لذا لم يكن محرجاً لها أن ترد على الحجارة بمسيلات الدموع، لن يكون، هذا محرجاً لها ولن يحرجها أي شيء آخر، فهي ليست محرجة أساساً من تفككها وانفصامها وسقوط رمزيتها. ليست محرجة من كونها تلعب السلطة في حين أنها سلطات ودويلات بينما السلطة العامة والمشتركة متروكة للإهمال وللانفجارات.

 

قد يعجبك ايضا