رهان أميركي خاسر بشأن تفعيل العقوبات الأممية على إيران

عندما سئل السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، الخميس الماضي، من قبل صحافيين، عن موقف بلاده من الخطوة الأميركية بإعادة تفعيل العقوبات التي كانت مفروضة على إيران من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن (سناب باك)، وقدوم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى مجلس الأمن في نيويورك خصيصاً لتقديم إخطار بذلك، كان رده “أي تفعيل؟ لا يوجد تفعيل”.
ما قاله السفير الروسي علناً ردده على الأقل أربعة دبلوماسيين رفيعي المستوى، بمن فيهم سفراء دول في مجلس الأمن رداً على أسئلة لـ”العربي الجديد” في نيويورك حول نفس الموضوع، لكنهم طلبوا عدم اقتباس كلامهم رسمياً. بالنسبة لأغلبية الدول فإن “التفعيل” الأميركي للعقوبات كأنه لم يكن، لأن واشنطن لم تعد طرفاً في الاتفاق النووي الإيراني. وتحاول أغلب الدول الاكتفاء بتصريحات غير رسمية، أو شرح مواقفها رسمياً وتلخيصها بأن الولايات المتحدة لم تعد طرفاً، منذ انسحبت من الاتفاق في عام 2018، ولذلك لا يمكنها تفعيل “سناب باك”. كذلك تتحاشى أغلبها، خصوصاً الأوروبية، الدخول في معارك إعلامية مع الجانب الأميركي، الذي لا يتوقف عن الإدلاء بتصريحات مستفزة حتى حيال حلفائه.

يمكن وصف دبلوماسية واشنطن حيال الملف الإيراني، ومن لا يتفق مع الخطوة الأميركية، بأنها دبلوماسية الجرافة

وفي هذا السياق يمكن رؤية تصريحات بومبيو عندما قال، في مؤتمر صحافي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم الخميس الماضي: “أخبرني أصدقاؤنا في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة في محادثاتنا الخاصة أنهم كذلك لا يريدون رفع حظر الأسلحة عن إيران، لكنهم لم يقدموا بدائل أو خيارات. الولايات المتحدة هي الوحيدة التي أظهرت الشجاعة لتقديم (مشروع) القرار. وبدلاً من التصويت لصالحه اختاروا الوقوف إلى جانب آيات الله. إن أفعالهم تعرّض للخطر عدداً من الشعوب في المنطقة، من بينها العراق واليمن ولبنان وسورية، بل حتى مواطنيهم”.
ويمكن وصف دبلوماسية واشنطن حيال الملف الإيراني، ومن لا يتفق مع الخطوة الأميركية، بأنها “دبلوماسية الجرافة”، إن صحّ التعبير. ويريد الطرف الأميركي فرض رؤيته السياسية وطريقته على الجميع، بمن فيهم أقرب الحلفاء له، كالدول الأوروبية. الجانب الأميركي، وعلى وجه التحديد إدارة دونالد ترامب و”صقور الحرب” في حزبه، بمن فيهم مسؤول الملف الإيراني الحالي براين هوك، والذي تنتهي مهامه نهاية شهر أغسطس/ آب الحالي، كما إليوت أبرامز الذي سيتولى الملف بداية الشهر المقبل، وبومبيو، يريدون تركيع إيران عن طريق ممارسة سياسات الضغط القصوى والعودة إلى فرض عقوبات دولية شاملة، وربما الدخول في حرب. لكن تلك السياسات والعقوبات الدولية، والتي كانت مفروضة لعقود، لم تؤدّ إلى زعزعة عرش السلطات الإيرانية أو تقزيم نفوذها في المنطقة، بل على العكس تماماً. وما لم تتمكن منه العقوبات السابقة ولسنوات، استطاع الاتفاق النووي الإيراني تحقيق جزء منه، بما في ذلك السماح بدخول المفتشين الدوليين للمنشآت النووية الإيرانية، والتزام طهران بحد معين من تخصيب اليورانيوم وغيرها. كذلك يستمر الاتحاد الأوروبي، ومعه بريطانيا، بفرض حظر لتصدير الأسلحة على إيران حتى عام 2023، ولن يوقف ذلك بانتهاء صلاحية قرار مجلس في 18 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

إقرأ أيضا

وبدلاً من محاولة التوصل إلى حل وسط مع حلفائه الأوروبيين، يحاول الطرف الأميركي تسويق نفسه على أنه الدولة الوحيدة التي تريد استمرار فرض حظر تصدير السلاح على إيران وتحجيم قدرتها الصاروخية. ويعطي الأميركيون مثالاً على ذلك مشروع القرار الذي قاموا بتقديمه أمام مجلس الأمن الدولي قبل أسبوع، لكنه لم يلق تأييد أي دولة، باستثناء جمهورية الدومينيكان. لكن عدداً من المصادر الغربية رفيعة المستوى في مجلس الأمن، التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، أكدت أن الطرف الأميركي كان يفاوض على مسودة القرار بدون أي استعداد لحل وسط. كذلك ألمح الطرف الأوروبي إلى رغبته في الاستمرار وتمديد حظر الأسلحة على إيران، لكنه حاول أن يجد صيغة قد تُرضي الجانبين الروسي والأميركي. إلا أن الأميركيين، وأثناء تفاوضهم على المسودة، أعلنوا أنهم سيتقدمون بطلب لتفعيل العقوبات إن لم يتبن مجلس الأمن قرارهم، الذي وُضع بشكل يصعب التصديق أن هناك أي رغبة جدية في التوصل إلى حل وسط في صياغته. وأرادت الإدارة الأميركية تجديد منع تصدير السلاح إلى أجل غير مسمى، ولم يكن لديها أي استعداد للتنازل عن هذا الطلب.

يستمر الاتحاد الأوروبي، ومعه بريطانيا، بفرض حظر لتصدير الأسلحة على إيران حتى 2023
 

رسمياً نفى بريان هوك، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، خلال مؤتمر صحافي في اليوم التالي لطلب الولايات المتحدة تفعيل العقوبات، أن تكون أي من الدول الأوروبية، أو دول أخرى في مجلس الأمن، قد قدمت اقتراحاً يمدد فرض العقوبات على إيران لفترة محددة. وأكد، في الوقت نفسه أن النقاشات حول الموضوع لم تترجم إلى مسودة مشروع. إلا أن بيان الدول الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن والموقعة على الاتفاق النووي، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، يؤكد تأييد هذه الدول تمديد حظر الأسلحة، إضافة إلى فرضها عقوباتها الخاصة، إلا أنها لا تؤمن بـ”دبلوماسية الجرّافة”. وعلى الرغم من تقديمها انتقادات لاذعة لإيران، فإنها ترفض في الوقت نفسه التهديدات الأميركية والبلطجة السياسية التي تريد واشنطن فرضها على الجميع.
وذكر الرد الرسمي لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، الذي جاء بعد ساعات معدودة من إعلان الولايات المتحدة تقديمها لإخطار بالتفعيل، أن الدول الأوروبية “تلاحظ أن الولايات المتحدة لم تعد مشاركة في خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي) بعد انسحابها في 8 مايو/ أيار 2018، وبالتالي، فإن موقفنا بشأن الإخطار الأميركي بموجب القرار 2231 قد تم التعبير عنه بوضوح شديد للرئاسة، وجميع أعضاء مجلس الأمن الدول، ويتمثل بعدم مقدرتنا دعم هذا الإجراء الذي يتعارض مع جهودنا الحالية لدعم خطة العمل الشاملة المشتركة”. وأضافت “تلتزم الدول الثلاث بالحفاظ على العمليات والمؤسسات التي تشكل أساس التعددية. وما زلنا نسترشد بهدف الحفاظ على سلطة ونزاهة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ندعو جميع أعضاء مجلس الأمن إلى الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعمق الانقسامات في مجلس الأمن، أو تكون له عواقب وخيمة على عمله”. 
وحذر البعض من أن تبعات الخطوة الأميركية قد تكون أبعد من الاتفاق النووي الإيراني، وقد يكون لها أثر على أي اتفاقيات مستقبلية مع دولة أخرى، مثل كوريا الشمالية. ولعل السؤال الآخر الذي يطرح نفسه يتعلّق بالأثر السلبي الذي سيتركه هذا الموضوع حول الثقة بعمليات تفاوض على ملفات شائكة. ويولد هذا نوعاً من عدم الثقة المتزايد على صعيد الدبلوماسية الدولية متعددة الأطراف، والتي تشهد أزمات عديدة تحت إدارة ترامب. وفي العودة إلى البيان الأوروبي فإنه أكد التزام الدول الثلاث بخطة العمل المشتركة “على الرغم من التحديات التي يفرضها الانسحاب الأميركي. إلا أنه من الضروري الالتفات لقضية عدم الامتثال الإيراني المنهجي لالتزامات خطة العمل الشاملة المشتركة من خلال الحوار بين المشاركين في التوقيع على الخطة، بما في ذلك من خلال اللجنة المشتركة، التي ستعقد اجتماعاً في فيينا في الأول من سبتمبر/ أيلول المقبل، واستخدام آلية تسوية المنازعات. وتحث الدول الثلاث إيران على التراجع عن جميع الإجراءات التي تتعارض مع التزاماتها النووية والعودة إلى الامتثال الكامل دون تأخير”.
وأرسلت 13 دولة عضواً في مجلس الأمن، من أصل 15، برسائل رسمية إلى رئيسه لهذا الشهر، السفير الإندونيسي ديان ترينسايا ديجاني، تعبر عن مواقف معارضة للموقف الأميركي، وترى أنه لا يستند إلى أي أساس قانوني لتفعيل تلك العقوبات لأنه لم يعد طرفاً بالاتفاق، وبالتالي لا يوجد حتى أساس للمطلب الأميركي قانونياً.

قد يعجبك ايضا