الوباء ينهك الصحافة العراقية المطبوعة

على مقاهي بغداد، تختفي رويداً رويداً صورة القارئ الذي يقلب صفحات الصحيفة أو يقرأ في كتاب، وتحل محلها تدريجياً صورة أخرى لجالسين يتصفحون هواتفهم المحمولة. تعرضت صناعة الطباعة في العراق لضربة قوية إثر جائحة فيروس كورونا الجديد، وهي المثقلة أصلاً بالمتاعب منذ اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي الساحة وزاد الاعتماد على الشبكة العنكبوتية في الحصول على المعلومات والأخبار.

يقول المحررون والناشرون إن مؤشرات الإيرادات هوت بشدة بفعل تراجع الإعلانات، مما اضطرهم إلى تقليل صفحات منشوراتهم. ويوضح ناشر صحيفة “المدى” المستقلة التي تأسست بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، بهاء عبد الستار، إن حجم التوزيع هوى إلى الربع مقارنة بمبيعات ما قبل فيروس كورونا. ويضيف بهاء عبد الستار: “أستطيع أن أقول إن معظم المؤسسات الإعلامية التي تطبع الصحف والمجلات والكتب تراجعت إلى الربع أو أقل من الربع”.

وبالإضافة إلى الصحيفة الورقية، تدير “دار المدى للنشر” إصدارات خاصة أخرى إضافة إلى محطة إذاعية. وبعد التفشي، يشير المديرون إلى أنه تم تسريح عدد كبير من الموظفين، بينما تعرض آخرون لاقتطاع أجزاء من رواتبهم.

ويقول المحرر في الصحيفة، رفعت عبد الرزاق، إن الصحافة العراقية واجهت موجات أزمات على مر السنين، لكن جائحة فيروس كورونا هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وهي التي أدخلت الصحافة في مرحلة الرمق الأخير. ويضيف عبد الرزاق أن العد التنازلي الحقيقي للصحافة قد بدأ، معتبراً أن “الصحافة (الورقية) العراقية بلا شك في طريقها إلى الزوال. أعتقد أن الصحافة الإلكترونية سيكون لها مستقبل واعد”.

وعن تأثيرات فيروس كورونا، يوضح المحرر العراقي أن “الصحافة العراقية بدأت تتراجع وتتقلص. وهذا شيء واضح. اختفى العديد من الصحف.. والصحف التي بقيت صامدة في وجه هذا التراجع قليلة في العراق. وبعد تفشي فيروس كورونا دخلت الصحافة العد التنازلي الحقيقي”. وفي أعقاب إجراءات العزل العام بسبب كورونا في العراق في مارس/آذار، أُغلقت الصحيفة بشكل مؤقت، حسب ما يقوله عبد الرزاق، واضطرت لنشر نسختها المطبوعة على موقعها الإلكتروني.

إقرأ أيضا

ويقول موقع الصحيفة على الإنترنت إن عشرات الآلاف من العراقيين يزورون منصة الصحيفة يومياً، لكن المحررين يقولون إن هذه الأرقام تصعب ترجمتها إلى مكاسب وأرباح، لأن الإنترنت شحيحة الإعلانات.

ويلفت عبد الرزاق إلى أن الإعلانات كانت شريان حياة ومصدراً رئيسياً للإيرادات قبل الجائحة. ويفيد بأن “الإعلانات شكلت المصدر الرئيسي لإيرادات الصحف وخاصة في العراق، والآن أصبحت نادرة أو انتهت تماما في ظل الوباء. لا توجد إعلانات. أي شركة يمكنها الإعلان في الوقت الحالي؟”.

وعندما اندلعت الاحتجاجات في أنحاء البلاد في أول أكتوبر/تشرين الأول، لم تسلم الصحافة العراقية من التوابع. فقد داهم مسلحون مجهولون مكاتب وسائل الإعلام المحلية والإقليمية بسبب تغطيتها لتلك الاحتجاجات. وندد قادة العراق بالهجمات على وسائل الإعلام، لكن لم يتم التعرف على مرتكبيها.

وأفادت “لجنة حماية الصحافيين”، ومقرها في الولايات المتحدة، في نوفمبر/تشرين الثاني بأن هيئة تنظيم وسائل الإعلام في البلاد أمرت بإغلاق 12 منفذاً إخبارياً إذاعياً. واحتل العراق المرتبة 162 من أصل 180 بلداً في المؤشر العالمي لحرية الصحافة عام 2020 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”.

ويشعر حتى المواطن العادي في العراق بمعاناة الصحافة الورقية والكتب وصناعة الطباعة بشكل عام. يقول علاء خضير: “بدلاً من شراء صحيفة قمت بتصفح الإنترنت… وهكذا فإن حظر التجول وفيروس كورونا ووسائل التواصل الاجتماعي أبعدت المواطن العراقي والعائلة العراقية عن المكتبات”. لكن مواطناً آخر يرى أن للصحيفة مذاقها الفريد ومكانتها الخاصة مهما تمدد الفضاء الإلكتروني بتغطيته الإخبارية.

(رويترز)

قد يعجبك ايضا