في حالات الطوارئ عليكَ بالشّعر

ما زالتِ الطيورُ تُحلّقُ في دمشق

الحوّامة المُشتَعِلة التي تُهَمْهِمُ
وتَرمِي
لتفتحَ ثقباً جديداً
في القَدَر
تَهوي على ساحة المَرْجَة في دمشق.
ثمّ يأتي الانفجار.
يُحلِّقُ سِربٌ من طيورِ الوقواق
حولَ الانفجارِ ويَبتَعِد.
تهربُ الطيورُ من مَصيرِها التّافه
يعشّشُ بعضُها أعلى شُجيراتِ السّروِ المتبقّية
وبعضُها الآخر أسفلَ العرباتِ المُدمَّرة.
 
الرّصاصُ المُتواصِلُ 
يثقُبُ جدرانَ أيّ مبنى يَرفعُ رأسَه 
ويحفرُ عميقاً
خارقاً الأسطورةَ المعطّلة
يا للأسف! فتلك السُّطوحُ التي يتجاهلونها،
هي المكان الذي تعشّشُ فيه العصافير دائماً،
حيث تُغطّي الأم بأجنحتها مسامع أطفالها
-آملةً-
ألّا يُضطرَّ هذا الجيلُ الجديدُ إلى تجرّع هذا القَدْرَ من الخوف،
– متمنّيّةً-
أن يحترمَها هؤلاء الرّجال بطريقة ما ويوقِفوا إطلاقَ النّار.
 
في منتصفِ الليلِ ينهارُ منزلُ رئيسِ البلديّة
وينطلقُ من منزلِ المحامي المُهاجِر
سربٌ من الحَمامِ إلى السّماء،
مغبرّاً وجَرِيحاً،
ويستطيع الطيران بالكاد، 
التقطتُ للتوّ ريشةً متساقطةً،
متأمّلاً أن تكونَ بيضاءَ
ولكنّني مجردُ أوديبٍ أعمى آخرَ
تزوجتُ للتوّ
أُمّاً تُدعى “المعركة”
 
قلتُ أعلاه إنّ الطيورَ ما تزالُ تُحلّقُ في دمشق.
-انتظروا!-
هذا النّسرُ الشيخُ لم يَعُدْ يَطير.
يَتربّعُ في عُشّهِ الضّخمِ
على بُرجِ المياه،
في انتظار أن يتغيّرَ شيءٌ ما،
ليس لديه بيضٌ ليفقس،
وليس لديه أفواهاً ليطعِمَها،
متربّعاً هناك فحسب،
فارداً جناحيه بفزع.
هل أنت عطشانٌ يا مَلِكي؟
لماذا لا تشربْ
من بابِ الخزّان المفتوح؟
أم جائعٌ، أجِبني؟
لماذا لا تُجهّزْ وليمةً
من الفئرانِ الضعيفةِ
وهي تتبعُ نزعةَ هذه المدينة الضاغطة لإفراغ نفسها؟
وإذا كنتَ خائفاً
فلماذا لا تتسلّلُ هارباً عند الغسق
لتَعثُرَ على مَوطِنٍ جديدٍ بعيد؟
 
هادئٌ، وساكنٌ هذا النَّسرُ   
أشبهُ برمزٍ متواضعٍ،
لسلالةٍ آيلةٍ للسّقوط.
 
والآن، بعد أن لقّنني الزمنُ الدّرس،
يمكنني القول: 
بعضُ الطيور لا تَستطيعُ الطّيرانَ في دمشقَ
بعدَ اليوم.

■ ■ ■

الأراضي المنخفضة

إقرأ أيضا

“في حالات الطوارئ، عليكَ بالشِّعر”
حكمةٌ وَرِثْتُها عن أَسلافي
 
لم أستمعْ إليهم أبداً
ولم أُطِعْهُمْ
 
تعرّضتُ لحرقٍ من الدرجةِ الثّالثة
عندما شَبّتِ النارُ
عند المخارجِ المُضيئة
 
أُصبتُ بجروحٍ قاتلةٍ
وتلقّيتُ الرصاصةَ الأولى
مع أهلي في المخابئ الآمنة
صبيحةَ الحروبِ المُتطوّرة
 
لا يهمّني أناي
وقد ضاعفتُ أنايَ الأعلى
لأمزجُ
هذه السوائل الثلاثة الحَرِجَة
لتتحوّل إلى أكثر الكائناتِ غَرَابةً.
 
“في حالاتِ الطوارئ، عليكَ بالشّعر”
 
لم أفكّرْ أبداً
بما قد تعنيهِ هذه
المقولة
 
حتّى جاءَ اليومُ
الذي صادفتُ فيه في طَريقي
تلكَ الشّجرةُ الأفريقيّةُ العظيمة
 
لم يكنْ بالإمكانِ تجاوُزَها
تلكَ الشّجرةُ التي لا تنتهي 
رغمَ هشاشَتِها 
الشّجرةُ التي أُدرِكُها بحواسيَ فقط 
-ولكنَني لم أستطعْ تجاوُزَها-
 
كانتْ مُتربّعةً هناك، ساكنةً
تنتظرني لأُحَرِّكَها
– ربَّما-
كانتْ تنظرُ بفمِها المُغلق
بانتظارِ ذلكَ الشّخصِ
الذي سيتحدّثُ إليها
ليمنَحَها اسماً
ولكنْ، من أنا حقّاً لأُعمِّدَها
ومن أنا لأوجّهَهَا؟
 
كلُّ هذه العَظَمة
يعتَوِرُها الكثير من الجُبْن
 
ولكن لا سبيلَ أمامي سوى المُضِيِّ قُدُماً،
من أجلِ
هذه الأرضِ الثمينةِ
الأشبهَ بالرّحمِ الخصبةِ
التي غذّتْ جُذورَ هذه الشّجرةِ الأفريقيّة العَظيمة
قبل أن تَحْنِيها
 
هذه حالة طوارئ حقاً
لذا توجّبَ عليّ التوجّه إلى الأراضي المنخفضة
 
كان لا بد من طريقة ما
لأمرّ عبرَها
 
وإلّا بقيتُ  
على الرّصيفِ
حيثُ تتحرَّكُ الأشياءُ
ببطءٍ شديدٍ في بعضِ الأحيان
وبسرعةٍ رهيبةٍ في أحيانٍ أُخرى
وسأفقدُ فُرصَتي الوحيدة
لأُصبحَ بِذرةً
لشجرةٍ جديدةٍ مثلها
لن تكونَ صغيرةً أو لا نهائيّة
يَسقِيها البعضُ
ويُدَنِّسُها الجميعُ
 
قيلَ لي
“في حالاتِ الطوارئ، عليكَ بالشِّعر”

وأخيراً أدركتُ معنى هذه العبارة حقاً.

* Christos R.Tsiailis شاعر وكاتب قبرصي من مواليد مدينة نيقوسيا في عام 1974. أصدر عدة كتب في الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرح، وتتضمّن كتاباته مزيجاً من البحث الاجتماعي والنفسي والفلسفي مع ميل للخيال العلمي.

** ترجمة: عماد الأحمد  

قد يعجبك ايضا