هوامش على معارك المهزومين

في حديثٍ مع صديقٍ ممن اعتقلوا بعد الانقلاب العسكري في مصر وفُصلوا من الجامعة، ولم يجدوا لهم ملاذًا آمنًا إلا خارج البلاد هربًا، عبر منافذ غير شرعية، بعد مطاردات أفقدتهم الإحساس بالأمان. جلست مع صديقي كعادتنا، نتحدث عن حال الوطن والثورة والانقلاب والهزيمة، نلملم شتات الماضي في عباراتٍ وتحليلاتٍ وتقييماتٍ ومراجعاتٍ، حينما تسنح زحمة الحياة بذلك، أجابني بعد حديث طويل عن أسئلةٍ قصدت أن اسألها بكل جمود، متجرّدًا من المشاعر، بقصد أكاديمي، لطالما جذبني إلى مثل تلك المواضيع الشائكة والأسئلة، أجاب فلخّص أحاديث السنين في عبارات:

“المشكلة.. مشكلة مصر أن النخب والقيادات نفسها التي كانت تتصدّر المشهد قبل الانقلاب العسكري تصدّرته بعد الانقلاب، وما زالت متصدّرة، تعجبها الشاشات والتصريحات والتغريدات المدوية المثيرة، لا يريدون ترك مقاعدهم وإن كانت لا تجدي نفعًا، لا يريدون أن يتركوا للشباب الذي كان خطًا أماميًا في مواجهة الرصاص بصدور عارية، ومن دون تفكير في عواقب المواجهة، الشباب الذي واجه الاعتقال سنوات، والإخفاء القسري، والفصل التعسفي من الجامعات، لا يريد هؤلاء له أن يتولى المسؤولية أبدًا، كنّا فقط الجنود المنظمة، وهم يريدوننا كذلك، جنودًا منظمة في الشوارع، ومن بعد في المهجر، وعلى صفحات “فيسبوك” و”تويتر”.

النخب الموجودة اليوم في مصر هي نفسها التي تلّقت ضربة الانقلاب، بل ومنها من برّر له وشارك فيه وجالَس بيانه

النخب الموجودة اليوم هي نفسها التي تلّقت ضربة الانقلاب، بل ومنها من برّر له وشارك فيه وجالَس بيانه، نخب أخرى تصدّرت المشهد بعد الانقلاب، وزعموا أنهم قادرون على “ترنيح الانقلاب”، وإعادة الرئيس، يرحمه الله، إلى الحكم، كنّا وراءهم نتظاهر ونشتبك، ويُقتل أصدقاؤنا ونُعتقل ونتحمّل كل شيء. كانت نياتنا صادقة لله وللوطن ولمبادئنا، لكن وسائلنا التي أقرّوها، بوصفهم الأخوة اللي فوق وعارفين كل حاجة، كانت خاطئة كل الخطأ، في الشارع وفي الجامعة وفي التعامل مع النظام.

أتدري ما الحل؟ الحل في أن يجلس هؤلاء المهزومون في بيوتهم، أن يعتزلوا السياسة، يعترفوا أنهم كانوا على خطأ، يتركوا لنا فرصةً واحدةً لنقول كلمة الشباب ونفعلها، لا أن يتغنوا هُم ببطولاتنا وصمودنا في المعتقلات والمحاكمات ووجوهنا المبتسمة بعد الشهادة، يتركوا لنا السياسة مرة قبل أن نكفر بها ونهجر قضايا الوطن، وقتها سيكونون وحدهم السبب لما آل إليه الأمر”.

لذت بالصمت قليلًا، وجلست أتأمل كلام صديقي الذي يبهرني في كل مرة بما يصل إليه من مراجعات للأفكار والمواقف، ويقيّم الأيام التي عشنا منها الكثير سويًا، داخل أسوار الجامعة حينما كنّا طلابًا، أو في السنين المزدحمة بأشكال الاحتجاج بعد الانقلاب، وذاق كل منّا من كأس القمع، واستحالت بنا الحياة إلى خارج الوطن.

وعدت اختبر صدق كلامه على مسرح السياسيين المصريين المعارضين الذي لا يريد أن يغادر خشبته أحد ممن تصدّر أدوار البطولة، التي كانت في غالبها إعلامية، فالكل يطمع في استمرار فوائد الدور ولمعانه ونجوميته، على الرغم من السخف الذي أصابه من طول التمثيل الذي لم يدرّ لقضيته العادلة نفعًا.

إقرأ أيضا

الكل يطمع في استمرار فوائد الدور ولمعانه ونجوميته، على الرغم من سخف أصابه من طول التمثيل الذي لم يدرّ لقضيته العادلة نفعًا

تشتّتت منذ الانقلاب العسكري المشؤوم في 3 يوليو/ تموز 2013 كيانات المعارضة المصرية في الخارج، وامّحت من الداخل المصري، ولستُ بصدد مناقشة الأسباب التي كانت من النظام المستبد، بل الأسباب الهيكلية التي سرعان ما محت كل الكيانات والهياكل التنظيمية التي حاولت مقاومة الانقلاب، وأحالتها إلى فاعلين فُرادى، تحكّموا بما تبقى من هذه الكيانات الأيديولوجية، وأحكموا إغلاقها وانغلاقها حتى صارت تنظيمات تُدعى في الإعلام، ولا تتداعى في الواقع! 

ركام من تنظيمات مُحكمة إيديولوجيًا خشية تفلّت ما تبقى من عقدها، يجلس فوق هذا الركام من لا يحسن إلا خوض المعارك السياسية مع رفاق الميدان السابقين، مرّة باسم الخلافات الأيديولوجية، ومرّة باسم التنوير، ومرّة باسم المصالح الشخصية، فهذه حدود القوى السياسية في معاركها بعد أن هُزمت أمام العسكر، وراحت تلقي باللوم على بعضها!

كان الظاهر والغالب في كل هذه المعارك التي شهدت الرميَ بالزندقة أو الدعشنة التمسّك بالأيديولوجي على حساب القيم والمعايير الأخلاقية، لم يتعلم الفُرقاء من دروس المرحلة الانتقالية، ما بعد الانقلاب، حينما تمهّل الاستبداد العسكري الذي استمال منهم فئةً حتى إذا خلص من الإسلاميين ظفر بمن ظنّوا أن العسكريين إذ يقومون بانقلابات عسكرية قد يتركون الحكم للمدنيين!

قامت حركات شبابية مصرية غير مرة خارج الوطن، منتفضة على قياداتها، تبغي التغيير والعمل وفق أجندة قيمية وأخلاقية في مسار المعارضة. تريد الإصلاح داخليًا قبل توجيه العمل المعارض إلى الداخل المصري، لكنها لم تكن تملك أي مقوماتٍ لنجاحها، فوُئدت في السودان، وأمسكت من تلابيب الموارد المالية والخدمية في تركيا. لم تترك التنظيمات التي أحكمت الانغلاق في الخارج فرصةً للتغيير من داخلها، على الرغم من أنها تنشد التغيير في أوطانها، وهنا مربط التناقض.

أظهرت أحاديث أن النخب المعارضة المصرية تعمل وفق أهواء “الشلّة”، لا وفق المبادئ والأخلاق والقيم

ليس المقصود في هذا الكلام الإخوان المسلمين في المقام الأول أو الإسلاميين بوجه عام، بل كان الإسلاميون ولا يزالون فِرقة من طيف سياسي مصري مهزوم، بعضه ادّعى العصمة من الخطأ، حتى لو كان ذلك تأييد القتل أو الانقلاب على المسار الديمقراطي أو تبني الخطاب السيساوي المخوِّن لكل من يعاديه، أو حسن الظن في حكم العسكر المنقلب، أحالته الهزيمة إلى حالة رثّة، أنِفَ حتى فيها عن المراجعات النقدية، أو إعادة تقييم القرارات التي أودت به إلى مساراتٍ ضبابيةٍ لم يعد يُحسن فيها ممارسة بديهيات العمل السياسي، ومكّنت الاستبداد من البلاد! ادّعى كثيرون الحصانة عن المراجعات أو تقديم الاعتذارات الحقيقية عن جرائم محفورة في ذاكرة المصريين، أفظعها فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية، وتربّع هؤلاء على عرش التنظير والسخرية، ونسوا أن التاريخ القريب لا يمّحي. 

ليست هذه الهوامش عن أحاديث جرت قبل أيام فقط التي أظهرت أن النخب المعارضة المصرية تعمل وفق أهواء “الشلّة”، لا وفق المبادئ والأخلاق والقيم، ولكنها هوامش ترسّخت في سبع سنين، فصارت متنًا يرى منه الجميع هزائمَ المعارضة المصرية، وأثر الهزائم .. يُرى.

قد يعجبك ايضا