كاتب من العالم: مع دامِر شودان

تقف هذه الزاوية، مع كاتب من العالم في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع القارئ العربي. “مع التوسع الرهيب المحتمل للعالم الرقمي، يمكن أن تُقوّض حرية التعبير الشاملة مفهوم الحرية ذاته”، يقول الشاعر والكاتب الكرواتي المقيم في هولندا لـ “العربي الجديد”.

■ كيف تُقدّم المشهد الأدبي/ الثقافي في بلدك، خاصة لقارئ ليس على دراية بهذا المشهد؟

– المشهد الأدبي الكرواتي كثيف جداً بالفعل ومتنوع بالنسبة إلى بلد صغير مثل كرواتيا التي يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين شخص. لقد شهدنا مؤخراً تصاعد الواقعية الجديدة في كل من الشعر والنثر، ممّا يعني من الناحية العملية أن الكتّاب المعاصرين يفضّلون التعامل مع “الواقع” كما نعرفه، بدلاً من اللجوء إلى خلق عوالم خيالية للهروب إليها. أعتقد أن تداعيات الحرب الأهلية اليوغوسلافية الوحشية (1991 – 1995)، التي نالت كرواتيا خلالها استقلالها، لها علاقة كبيرة بهذا التغيير في النموذج الأدبي. في عام 2010، قمت بنشر مختارات من ستمائة صفحة من هذا الشعر الواقعي الجديد. يشهد الحجم الهائل للكتاب على ديناميكيات مشهدنا الأدبي الصغير، ولكن النابض بالحياة على نحو استثنائي. لطالما زَعَم الشاعر السلوفيني العظيم الراحل توماش شالامون أن كرواتيا تتمتّع بواحد من أقوى المشاهد الشعرية في العالم.

■ كيف تقدّم عملك إلى قارئ جديد، وما هي الكتب التي توصي قارئك الجديد أن يبدأ بها؟ 

– ينبغي أن أعترف بأنني لا أمتلك أي استراتيجية تسويق على الإطلاق، وليس لدي حساب على موقع فيسبوك حتى، لذلك أعتمد في هذا الصدد على كرم أصدقائي والناشرين والقرّاء. نشرتُ لتوي قصائد مختارة في صربيا بعنوان “ساتوري في حيّ ريدلاين” (إنكلافا، بلغراد، 2020) ومن المقرّر أن تصدر ترجمة مقدونية في وقت ما من العام المقبل. لذلك أوصي القرّاء العالميّين بالشيخ الجليل غوغل، والذي يضم قدراً لا بأس به من كتاباتي المنشورة في المواقع الإلكترونية المختلفة.

 

■ ما هي القضايا التي تدور في ذهنك هذه الأيام؟

– لديّ طفلٌ صغيرٌ، لذلك أنشغلُ أغلب الوقت بتطوير استراتيجيات شخصية للتعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجدّ، جسدياً ونفسياً. كما أتابع أيضاً أخبار العالم عن كثب بحثاً عن أدلّة قد تشير إلى حل إيجابي لهذه الأزمة الكوكبية، لأنه أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أننا نعيش في قرية عالمية وأننا جميعاً نعتمد على بعضنا البعض أكثر فأكثر. بدا فجأة أنّ جميع الحواجز الدينية والعرقية والسياسية والثقافية وغيرها قد تخفّفتْ وكَشَفتْ عن طبيعتها “الجوفاء” والأيديولوجية. آمل بصدق أن تفتح هذه الأزمة آفاقاً إنسانية جديدة لم تكن موجودة من قبل. ولكننا في نهاية الأمر، وكما قال القديس أوغسطينوس عن إيمان أتباع يسوع الأوائل أنهم يعيشون في “آخر الزمان” وهللويا! (يضحك) ما زلنا هنا، لذلك لا بد أن نكون حذرين ومتفائلين ولننتظر ما سيحدث.

أنتمي إلى ثقافة صغيرة اخترعت هويتها من خلال الترجمة

■ ما أكثر ما يعجبك في الثقافة التي تنتمي إليها وما الذي ترغب في تغييره فيها؟

– قال أحدهم يوماً إن أفضل مقياس للوطنية الحقيقية، ويا للمفارقة، هو مقدار الإحراج الذي يشعر به المرء تجاه أمته. لذلك يمكنني أن أؤكّد أنني وطني كبير حقاً (يضحك)، لأنني أكره حقيقة أننا أصبحنا في العقد الماضي أضيق أفقاً، إذا لم أقل مصابين بالفصام، ولكننا أصبحنا بالتأكيد أكثر كرهاً للأجانب ومحافظين بشدّة أكثر مما سبق. يبدو أن وطنية التسعينيات التي ساعدتنا على كسب الحرب قد تحولت اليوم إلى نرجسية قومية. ولكن قوى التقدم والتنوير، نظراً لعدم وجود مصطلحات أخرى، ما تزال موجودة بقوة في المجتمع الكرواتي، لذلك فإن المعركة بين النور والظلام، إذا أردنا الحديث بلغة الثنائيات، ستستمر لبعض الوقت في المستقبل.

 

■ إذا كنت ستبدأ من جديد، فما المسار الذي ستختاره في الحياة وما هي الخيارات الأخرى التي ستختارها؟

– قال الشاعر والمغني الكندي ليونارد كوهين، والذي ترجمت كثيراً من أعماله إلى الكرواتية، قولاً حكيماً ذات مرة وهو أن الشعر ليس مهنة بل حُكم محكمة! لذا، ولكوني أؤمن بالحتمية بقوة، فلا أعتقد أنني أرغب في تغيير أي شيء، ولكنني بأثر رجعي، أفضّل أن أكون مغنياً وكاتب أغان بدلاً من كوني كاتباً، فهؤلاء الرجال قادرون على الوصول إلى جماهير أكبر بكثير. كما أن الموسيقى أكثر تجريدية، ومراوغة وغموضاً من الكلمات التي أحياناً تنحو بسهولة نحو “الدعارة”، لا سيما في خطاب الإعلام والإعلان وأخيراً وليس آخراً في السياسة.

■ ما هي أهم التغييرات التي تتمناها للعالم؟

– ربما كان الانهيار الشامل لـ “الرأسمالية المتأخّرة”، والتي تتجذّر عدوانيتها وتناقضاتها في الجشع الخالص، قد دفعت العالم كما نعرفه إلى حافة الهاوية. بعبارة أخرى، كما قال تشي غيفارا: “لنكن واقعيين ونطالب بالمستحيل!”، وهل هناك أروع من رؤية المزيد من الانفتاح والتنوّع، وقبول الآخر بكل “آخريّتَهُ”. لأن كره الأجانب في نهاية المطاف يعني الخوف من أعماق الذات التي تنعكس على الآخرين. أثبتت حركة حياة السود أنه ما يزال هناك مساحة كبيرة للتحسين والارتقاء الاجتماعي. ربما نحتاج في الواقع إلى حركة عالمية للحقوق المدنية، ولكنني أعتقد أيضاً أن غاندي كان محقاً تماماً عندما قال: “كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم!”

 

■ إذا تمكّنت من مقابلة شخصٍ ما أو شخصيّة تاريخيّة من الماضي، فمن سيكون ولماذا؟

– في الواقع، كرجل في منتصف العمر عاشق لموسيقى البوب، أودّ على الأرجح أن أقابل جون لينون وأسأله عن سبب طردهم لـ “بيت بست” المسكين من فرقة “البيتلز”، على الرغم من أنني أعرف الإجابة بالفعل، لأنه على الرغم من مظهر بيت الجميل، فقد كان رينغو رجلاً لا يضيّع وقته ويتمتّع بروح الدعابة. أحببتُ لينون بسبب روحه الفنية الاستثنائية، وموقفه العدائي تجاه المؤسّسة وارتباطاته اليسارية. لا تنسَ أنه قد أخرج جون سينكلير (الناشط السياسي وزعيم ما يسمى بـ “الفهود البيضاء” في السبعينيات في الولايات المتحدة) من السجن بقوة الأغنية الرائعة التي كتبها (لينون) لدعم قضيته. يعيش سنكلير اليوم في أمستردام حيث يعمل – بفضل فريق “البيتلز”! – كمنسق أغان وكاتب أغاني جاز. وفي النهاية هناك قول مأثور مفاده أن من ينقذ حياة إنسان، ينقذ العالم بأسره.

إقرأ أيضا

كره الأجانب في نهاية المطاف يعني الخوف من أعماق الذات

■ برأيك ما هو أخطر تحدٍ لحرية الكاتب وكتابته بشكل عام في عالم اليوم؟

– أعتقد أنه مع التوسع الرهيب المحتمل للعالم الرقمي، يمكن أن تتحول حرية التعبير الشاملة بسهولة إلى عبء إن لم تكن قيداً خطيرًا على الكتّاب. إن علامات الإنتروبيا العالمية (الفوضى والتبدّد والفَقْدُ في المعلومات) في المجال العام لوسائل التواصل الاجتماعي في الغرب، حيث كل شيء مسموح به، تُهدّدُ بتقويضِ مفهوم الحرية ذاته، لأن الحرية بدون مسؤولية عبارة عن مجرّد فوضى، بل فوضى تامّة. السؤال الذي ينبغي على الكاتب أن يطرحه على نفسه: ما الذي أُحاول قوله، إلى من أتوجّه أو من أحاول أن أمثّل؟ لطالما تحدّث الكاتب العظيم دانيلو كيش (1935 – 1989)، الكاتب اليوغوسلافي من أصل يهودي، عن مسؤولية الكتّاب، وغالباً ما حذّرَنا من أننا لا ينبغي أن نثق في المؤلفين الذين يزعمون أنهم لا يعرفون الأسباب الحقيقية وراء إبداعاتهم. بعبارة أخرى، لقد عَلّمَنا أنه لا ينبغي لنا أن نَخلطَ بين العفويّة وانعدام المسؤولية.

 

■ ما هو موقفك الذي تدافع عنه في عملك، وما هي أسئلتك واهتماماتك الرئيسة؟

– بقدر ما يصعب الحديث عن عمل المرء، يمكنني القول إنني أميل نحو التعاطف الوجودي والحفاظ على الحريات الفردية. وبصفتي هيبيّاً قديماً عاش العصور الشيوعية في يوغوسلافيا السابقة ثم هاجر إلى الغرب ليقضي معظم حياته الراشدة في هولندا الليبرالية، لا يمكنني رؤية نفسي معتنقاً آراء أي سياسيّ تقليدي أو أي وجهة نظر روحية باستثناء النظرة الخاصة بالتنوير الأوروبي العريق، هذا إذا كنت أريد أن أكون صادقاً مع تجربتي الشخصيّة. ما زلتُ أحبُّ بلدي، ولكنني أكره المشهد السياسي فيه، ويبدو أن مسرحياتي تميل إلى النقد الشديد للمؤسسة السياسية الكرواتية والكنيسة الكاثوليكية. ربما لهذا السبب تُستقبَل هذه الأعمال وتحظى بالتقدير على نحو أفضل في البوسنة المجاورة. لأن الغرباء يميلون دائماً إلى تكوين وجهة نظر أكثر موضوعيّة.

■ “الأدب العالمي يكتبه المترجمون”. إلى أي مدى توافق على هذه المقولة، وإلى أي مدى تعتقد أن مؤلفاتك قد كتبها مترجمون؟

– أوافق 100% لأنني أنتمي إلى ثقافة صغيرة اخترعت هويتها من خلال الترجمة وعن طريقها. لكن هذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً. ولكوني مترجماً أدبياً، غالباً ما أجد صعوبة بين الدقة وإعادة الكتابة. ولكن هذا سؤال فلسفي في نهاية الأمر. يمكن للمرء أن يسأل نفسه على سبيل المثال في حالة الحداثيين المتشددين مثل جويس، ما إذا كان من المهم كتابة كل عبارة من عبارات “عوليس” بدقّة أو محاولة إعادة كتابة هذا العمل الرائع بلغتك، حتى يتمكّن القرّاءُ من استيعابه، وفهمه تماماً والشعور بالألفة نحوه. لحسن الحظ (أو لسوئه ربما)، فقد تلقّى الكرواتيون معظم الأعمال الثقافية، من الكتاب المقدّس إلى شكسبير، عن طريق الترجمة. كان معظم الكتاب الكرواتيين في أيام عصر النهضة يتحدثون لغتين، فيكتبون باللغة اللاتينية وبلغتنا الكرواتية العامية. ومما يدعو للدهشة أن أحد هؤلاء الكتّاب، ماركو ماروليتش (1450 – 1524) كان قد تُرجم بالفعل في ذلك الوقت إلى اليابانية وقد صدرتْ له عدة طبعات هناك.

 

■ كيف تصفُ علاقَتَكَ باللغة التي تكتب بها؟

– قال الفيلسوف الألماني العظيم مارتن هايدغر إن اللغة بيت الوجود. يبدو لي من واقع خبرتي أن هذا صحيح تماماً، وأعتقد أنه طالما أنني أستطيع التمسّك بلغتي الأم، يمكنني الشعور بأنني في وطني أينما ذهبت. لقد سافرت حول العالم كثيراً وعشت كمغتربٍ لسنواتٍ عديدةٍ ولم يخطر ببالي مطلقاً أن أجرّب التحوّل للكتابة بأي لغة أخرى. ربما تكون هذه الرابطة اللغوية في حالتي أساسية وعميقة لدرجة أنني لا أستطيع الاحتفاظ بها بأيّ طريقةٍ أخرى، وكل ذلك على الرغم من وجود العديد من الأمثلة المعاكسة، مثل نابوكوف وكونراد الرائعين اللذين يكتبان باللغة الإنكليزية، أو المايسترو العظيم بيكيت الذي يكتب بالفرنسية.

■ هل يمكنك أن تحدّثنا عن كاتبٍ منسيٍّ أو غير معروفٍ من ثقافتك تريد أن يقرأه العالم؟

– نُشر عدد من كتاب النثر الكرواتيين بنجاح في الغرب في العقد الماضي، ولكن هناك للأسف شاعر كرواتي عظيم، ربما يكون أحد أعظم الشعراء في تراث أوروبا الشرقية والبحر الأبيض المتوسط، وهو غير معروف عالمياً تقريباً واسمه دانيال دراجوجيفيتش (1934). شخصية شاهقة يكتب شعراً أصيلاً للغاية مستوحى من التقاليد الإيطالية والفرنسية في فترة ما بعد الحرب، وكذلك من تراث فلاسفة متنوعين مثل غاستون باشلار أو لودفيغ فيتغنشتاين، وقد تمكّنَ دراجوجيفيتش، مثل أوجينيو مونتالي في أيامه، من كتابة شعر طازجٍ جميلٍ يتميّزُ بروح الدعابة في شيخوخته. أعتقد أنها مجرد مسألة وقت قبل أن يتم الاعتراف به كأحد الشعراء الأوروبيين الرئيسيين في أواخر القرن العشرين، على قدم المساواة مع تشيسلاف ميلوش أو شمبورسكا أو شالامون أو إنتزنسبيرغر أو زاكايوسكي.

 

■ فيما لو كانت كتبك ما تزال على قيد الحياة بعد حوالي 1000 عام من اليوم، كيف تريد أن تكون صورتك لقراء المستقبل؟

– (يضحك) لستُ مغروراً إلى هذه الدرجة، لذا اسمح لي أن ألفت نظرك إلى ويلي نيلسون الذي غنّى قائلاً: “لا شيء يدوم إلى الأبد باستثناء الفورد القديمة والحجر الطبيعي!”. يمكنني القول، لتوسيع هذه الاستعارة الآتية من عالم السيارات، إنني سأكون سعيداً جداً إذا حظي أي عمل من أعمالي بطول عمر المركبة اليابانية القوية، لنقل مثلاً سيارة تويوتا لاندكروزر أو نيسان باترول. لذا يمكنك اليوم متابعة موقع eBay ومعرفة كيف يتم تصنيف هذه السيارات فيما يتعلق بالعمر (يضحك) وأن تستنتج بنفسك. 

■ ماذا تقول للقارئ العربي الذي قد يكتشف كتاباتك اليوم؟

– من فضلك لا تتضايق من عدم وجود الكثير من الزخارف اللفظية في عملي أو افتقاره إلى الاستعارات “البارعة”. أعتقد أن الشعراء اليوم لا يحتاجون حقاً إلى إضافة المزيد من الأشياء الافتراضية للواقع الافتراضي الذي نعيشه أصلاً عن طريق اللغة الشعرية. ربما يكون ما نحتاجه في الوقت الحاضر في الشعر العودة إلى “العظام العارية” للمفردات، وإعفائها من أي زخرفة غير ضرورية. ينبغي على المرء أن يسعى إلى تحقيق الوضوح تقريباً في التعبير على نحو أشبه بالطب الشرعي في سبيل استرداد بعض القوى التحرّريّة الكامنة في اللغة.

 

بطاقة

DAMIR ŠODAN شاعر وكاتب مسرحي ومترجم كرواتي من مواليد سبليت عام 1964، حصل على البكالوريوس من جامعة زغرب في الأدب الإنكليزي والتاريخ. نشر عدّة مجموعات شعرية ومسرحيات ومختارات من الشعر الكرواتي المعاصر “الواقعي الجديد”. تُرجمت أشعاره إلى أكثر من عشرين لغة من بينها العربية والكورية والصينية، وهو أحد محرّري مجلة Poezija (الشعر) في زغرب. يعيش حالياً بين لاهاي بهولندا وسبليت بكرواتيا.

قد يعجبك ايضا