الوزن الأردني في معادلة الضم الإسرائيلية

عالمية
Editorial Department30 يونيو 2020
الوزن الأردني في معادلة الضم الإسرائيلية


كان تحذير الملك عبد الله الثاني، عبر مجلة دير شبيغل الألمانية، الموجّه إلى من يعنيهم الأمر، أن ضمّ إسرائيل مناطق واسعةً في الغور والضفة الغربية، سوف يقود إلى “صدام كبير” مع الدولة العبرية، كان أحد أهم المتغيّرات المتدافعة على خشبة مسرح المواجهة السياسية المحتدمة مع تحدّيات “صفقة القرن”. كما أدى هذا التحذير، مع عوامل أخرى، فلسطينية بالدرجة الأولى، إلى إيجاد نقطة تحوّل في التعاطي مع تداعيات هذه الصفقة، بما في ذلك تشكيل جبهةٍ دوليةٍ واسعةٍ ضد الضم، ألقى فيها المعارضون للصفقة بأثقالهم مختلفة الأوزان، في أتون معركةٍ دبلوماسيةٍ متصاعدةٍ يوماً بعد يوم.
عشية هذا التحذير، كانت أوساط رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، تُشيع وهماً زائفاً، مفاده بأن الأردن على وجه الخصوص، المتحسّب من غضب أميركي ساطع، وخلفه الدول العربية بلا استثناء، موافقةٌ من تحت الطاولة على خطة الضم، وأن اعتراضاتها المتوقعة سوف تقتصر على بياناتٍ مخصّصةٍ للاستهلاك المحلي، فجاء هذا التحذير الذي قوبل بالتجاهل والاستهانة أول الأمر، ليُسقط بجرّة قلم واحدة مزاعم نتنياهو الرائجة، ويقوّض أسس افتراضاته المسبقة، ويؤدّي، في المقابل، إلى رفع الروح المعنوية والعزيمة لدى للفلسطينيين، المكتوين بمشاعر الخذلان كابراً عن كابر، الأمر الذي عزّز من صلابة موقفهم المبدئي، وزاد من فاعلية مقاومتهم الميدانية، ومن صدقية رفضهم المناهض للضم.
تمثلت هذه المفاجأة، التي كانت موضع صدمة مدوية في إسرائيل، في أن أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة الموثوقين في المنطقة، وأكثرهم اعتدالاً وواقعيةً، كان هو بعينه المبادر إلى قيادة دفّة السفينة، والعامل المحرّك لسلسلة من المواقف والجهود الدبلوماسية، المنسقة جيداً مع القيادة الفلسطينية، سُمع صداها جلياً في العواصم العربية والدولية المخاطَبة بهذا التحدّي الاستفزازي، ما أسفر عن متغيراتٍ مواتيةٍ بالجملة، صبّت جميعها في صالح معركةٍ دبلوماسيةٍ ذات مصداقية، أدّت إلى تسعير حدّة النقاش الداخلي الإسرائيلي المحتدم بين مؤيد ومعارض، ناهيك عن رفع سوية الموقف العربي، وعن تفعيل الموقف الأوروبي.
وأحسب أن التحذير الأردني المنطلق من مصالح وطنية جوهرية، ومن حسابات أمن قوميٍ حيوية، كان يدرك حقيقة أن قرار الضم هو بين يدي واشنطن وليس بيد تل أبيب، وأن كلفة صمته على مثل هذا القرار التوسعي سوف تكون أفدح ثمناً من مقاومته خطوةً إسرائيلية عدوانية، قد تفتح الباب أمام تجديد خطر الوطن البديل، الثاوي بعد في أدراج اليمين الصهيوني المتطرّف، الأمر الذي لم يكن بد معه من توجيه هذه الرسالة القوية إلى إدارة ترامب في المقام الأول، وهو الذي منح نتنياهو شيكاً على بياض، بكل ما تنطوي عليه هذه الرسالة من مجازفاتٍ محسوبة، بما في ذلك تعليق العمل، ربما، بمعاهدة وادي عربة، التي تشكل مع معاهدة كامب ديفيد، حجر أساسٍ في سياسة أميركا الشرق أوسطية.
وبالتزامن مع تصاعد وتيرة مظاهر المقاومة الشعبية الفلسطينية لخطة الضم، وازدياد كفاءة الأداء السياسي للسلطة الوطنية، وضع الأردن، بغموضٍ بنّاء، كل الاحتمالات على الطاولة، إن مضت إسرائيل في تنفيذ عملية الضم، متجاهلةً مضاعفاتها المؤكدة على حاضر البلد التوأم لفلسطين ومستقبله، معتمداً في ذلك كله، ليس على قوة مادية مجردة، وإنما على مكانته المعترف بها قوة اعتدالٍ وسلام، على صداقاته في الأروقة الأميركية، وعلى حُسن سمعته مركز استقرار إقليمي لا غنى عنه، فعّالٍ في محاربة الإرهاب، ونشط في مجال صدّ قوى العنف والتطرّف، من موقع احترام قلّ أن تحظى به دولة مجاورة محدودة الموارد.
وهكذا تحوّل الأردن، بعد إطلاقه هذا التحذير، وتولّيه قيادة قاطرة فعاليات أوروبية وأميركية وأممية متنوعة، راحت تحاصر نتنياهو داخلياً، وتفتّ من عضد ترامب الغارق في انهيار استطلاعات الرأي الانتخابية، وترفع في المقابل من سوية الموقف العربي، نقول تحوّل البلد الصغير الفقير، إلى رقمٍ صعبٍ في معادلة الضم الإسرائيلية، رقم لا يمكن القفز عنه، أو التقليل من شأنه، وهو ما تجلى أخيرا في تراخٍ في اندفاعة ترامب، واتضح تباعاً في جملةٍ طويلةٍ من السجال والانقسامات داخل الكنيست والحكومة والرأي العام المحلي، الذي بات يرى في القرار ضرراً بالغاً، وقصر نظر، وقلة عقل، إنْ لم نقل حالة جنون مطبق.