حصار قطر .. سياقات استمرار الأزمة وآفاق حلّها

إقرأ أيضا
ما زالت أزمة حصار دولة قطر تراوح مكانها، على الرغم من مرور ثلاث سنوات، والصدع العميق الذي أصاب بنية مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ولم تفلح مساعي الوساطة التي بذلتها دولة الكويت وأطرافٌ دولية أخرى، وجديدها الجهود التي دفعت بها واشنطن في الأسابيع الأخيرة ليستعيد المجلس وحدته. ولم تساعد الأزمات التي تمر بها دول المنطقة، مثل تفشّي وباء كورونا المستجد في دول المجلس، والضائقة الاقتصادية التي تواجهها أكثر دول الخليج بسبب انخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي العالمي، في تغيير الواقع الذي فرضه الحصار قبل ثلاث سنوات في أسوأ أزمة يشهدها مجلس التعاون منذ إنشائه عام 1981.
بدايات الأزمة
انطلقت أزمة حصار قطر بعد يومين فقط من القمة العربية – الإسلامية – الأميركية التي عُقدت في الرياض يومي 20 و21 أيار/ مايو 2017، وحضرها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى جانب ممثلي نحو 50 من الدول العربية والإسلامية، وكان هدفها المعلن مواجهة الإرهاب واحتواء إيران. ففي ليلة 24 أيار/ مايو جرى اختراق وكالة الأنباء القطرية، ونُشرت تصريحات مختلقة منسوبة إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال حفل تخريج طلاب إحدى الكليات العسكرية، واتُخذت ذريعةً لإطلاق الأزمة؛ أي إنه في غياب سببٍ للأزمة جرى اختلاق سبب عن سبق الإصرار. وإثر ذلك، انطلقت حملة إعلامية غير مسبوقة استهدفت قطر، وبلغت ذروتها بإعلان ثلاث دول خليجية، هي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، إلى جانب جمهورية مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وذلك في 5 حزيران/ يونيو 2017. تضمنت الإجراءات أيضًا إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها، ومنع العبور في أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، ومنع مواطنيها من السفر إلى قطر، وإمهال المقيمين والزائرين من مواطنيها فترةً محددةً لمغادرتها، ومنع المواطنين القطريين من دخول أراضيها وإعطاء المقيمين والزائرين منهم مهلة أسبوعين للخروج. وكانت هذه الإجراءات غير مسبوقة في التعامل بين دول الخليج العربية، أو بينها وبين أي دولة أخرى، بما فيها إيران، حتى في أشد الأزمات التي شهدتها، ما يوحي أن الغرض منها كان إحداث حالة من الصدمة والفزع تدفع قطر مباشرة إلى الاستسلام لمطالب دول الحصار.
دروس أزمة 2014
لم تكن هذه الأزمة الأولى بين قطر وجاراتها الخليجيات؛ إذ سبق للدول الخليجية الثلاث أن 

سحبت سفراءَها من الدوحة في شباط/ فبراير 2014. وقد مثّل حينها الخلاف على الموقف من الانقلاب العسكري في مصر الذي أطاح نظام الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013، جوهر أزمة 2014، وسببها المباشر، وهو عمليًا امتداد للخلاف الذي اشتعل حول ثورة 25 يناير 2011 في مصر، والموقف من عموم الثورات العربية التي انطلقت من تونس أواخر عام 2010.
نجحت الوساطة التي قامت بها الكويت في ذلك الوقت في احتواء الأزمة، وجرى اتفاق الرياض الأول ثم اتفاق الرياض التكميلي بعد مفاوضاتٍ استغرقت نحو ثمانية أشهر. كان الهدف، كما اتضح من نص اتفاق الرياض التكميلي، في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، في اجتماع القمة في الرياض الذي حضره قادة دول مجلس التعاون باستثناء سلطنة عُمان، هو فرض نهجٍ وتوجّهاتٍ جديدة على السياسة الخارجية القطرية.
انتهت الأزمة وقتها عند هذا الحد، فأعيد سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى الدوحة، وحضر ولي العهد السعودي في ذلك الوقت، الأمير سلمان بن عبد العزيز، قمة الدوحة في كانون الأول/ ديسمبر 2014، نيابةً عن الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي كان مريضًا. وعُدّت القمة بمنزلة نجاح كبير للدبلوماسية القطرية وقدرتها على احتواء التوتر والخلاف مع الجيران، من دون التفريط في استقلالية قرارها الوطني.
لم تتخذ الأزمة الخليجية في ذلك الوقت أبعادًا أكبر نتيجة حالة القلق التي انتابت عواصم دول الحصار من سياسات إدارة باراك أوباما الثانية؛ فبعد أن جارى أوباما في ولايته الأولى ثورات الربيع العربي إلى حدٍ ما، وساهمت ضغوطه في إزاحة حسني مبارك، حاول في ولايته الثانية مجاراة إيران، أملًا في إبرام اتفاقية لحل أزمة برنامجها النووي. وقد أدت سياساتُ أوباما الاسترضائية تجاه إيران، وشعورٌ خليجي بالتخلي الأميركي، إضافةً إلى تنامي سياسات الهيمنة الإيرانية، إلى إحساسٍ خليجي عامٍ بالضعف؛ على نحوٍ دفع السعودية والإمارات تحديدًا إلى تأجيل خلافاتهما مع قطر، خصوصًا في ضوء الحاجة إلى دعم قطر الإعلامي والمالي والعسكري مع بدء الحرب في اليمن مطلع عام 2015. وقد ساهمت قطر في دعم التحالف العربي حينها لمواجهة الانقلاب الذي قام به الحوثيون على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وسيطروا فيه على العاصمة صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014، وبدأوا الزحف في اتجاه عدن في كانون الثاني/ يناير 2015.
مع ذلك، وعلى الرغم من الاعتقاد بأن صفحة الخلاف طُويت مع الجيران، فإن قطر استفادت من 

ظروف أزمة 2014 لتعزّز اعتمادها على ذاتها؛ فباشرت ببناء احتياطي استراتيجي من المواد الغذائية، وسرّعت العمل في مشروعات البنية التحتية، خاصة منها مشروع المطار الجديد والمرفأ حتى تقلل من اعتمادها على موانئ دبي في حركة الصادرات والواردات، لذلك عندما وقعت أزمة 2017 كانت مشاريع البنية التحتية قد اكتملت، ومن ثم خفّت وطأة الحصار وتداعياته على الاقتصاد والمجتمع القطريَين، على نحوٍ ساعد قطر في الدفاع عن استقلالية قرارها الوطني وعدم الرضوخ لضغوط دول الحصار لإجبارها على الاستسلام.
العامل الأميركي في الأزمة
رحّبت الرياض مع حلفائها الخليجيين بفوز رجل الأعمال دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ورأت في انتهاء حقبة أوباما والديمقراطيين فرصة لعودة الشراكة الكاملة مع واشنطن بعد التوترات التي أصابت العلاقة بسبب الربيع العربي والتقارب الأميركي – الإيراني. لذلك، قرّرت السعودية تجاوز إساءات ترامب إليها في أثناء حملته الانتخابية وتعبيراته الفوقية والاستعلائية تجاهها. وشجعها على المضي في هذه المقاربة العداء الصريح الذي أبداه ترامب لإرث حقبة أوباما؛ من الاتفاق النووي مع إيران وتعهده بانسحاب بلاده منه، حال وصوله إلى البيت الأبيض، إلى إعجابه بالقادة “الأقوياء”، مثل عبد الفتاح السيسي، وعدم اكتراثه لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.
بحلول هذا الوقت، بدأ يتضح، أن أزمة 2014 لم تُحلّ تمامًا، بل جرى نزع فتيلها فحسب، وعلى الرغم مما بدا من عودة العلاقات بين قطر وجيرانها إلى وضعها الطبيعي، فإن جذور أزمة عام 2014 بقيت موجودة، وكذلك النوايا الإماراتية – السعودية تجاه قطر التي ترفض محاولة فرض وصايتهما على سياستها الخارجية، والتي قد تتحول إلى وصاية داخلية أيضًا. وقد اتضح ذلك من خلال قائمةٍ تضمنت 13 مطلبًا تم تقديمها لقطر، بعد فرض الحصار عليها.
وقد سمحت التغطية السياسية التي وفرها ترامب لدول الحصار في البداية بالذهاب إلى أبعد مدى ممكن في ضغوطها على قطر، بما في ذلك التفكير في القيام بعمل عسكري ضدها، كما كشف عن ذلك أمير دولة الكويت الذي صرح خلال زيارة قام بها لواشنطن في أيلول/ سبتمبر 2017 للحصول على دعم أميركي لمساعي الوساطة التي يقوم بها، بأن الجهود التي بذلها نجحت في تجنب عمل عسكري في الأزمة الخليجية.
بدأت قطر فورًا في العمل لتبديد سوء الفهم مع البيت الأبيض والناجم عن استقاء معلومات من مصدر واحد، كما كثفت العمل في الكونغرس، واستثمرت في الخلاف الذي برز بين الرئيس ترامب ووزارتَي الخارجية والدفاع الأميركيتين بخصوص الأزمة الخليجية؛ ففي حين أيد ترامب مواقف دول الحصار من قطر في بداية الأزمة، حثّت الوزارتان على حل الخلاف بالحوار، وعرضتا المساعدة في ذلك. وبالتوازي مع تجاوبها مع الوساطة الكويتية التي انطلقت مع بداية الأزمة، ركّزت قطر جهودها على تغيير موقف الرئيس ترامب، باعتباره عامل القوة الرئيس الذي تستند إليه دول الحصار في هجومها على قطر. وبدأت في تعزيز موقف وزارتَي الخارجية والدفاع في مقابل موقف ترامب؛ فوقّعت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب في 12 تموز/ يوليو 2017، وذلك خلال جولة دبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي قام بها وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون. كما نجحت قبل ذلك في إبرام اتفاقية جرى توقيعها في مقر وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن لشراء 36 طائرة أف -15 بقيمة 12 مليار دولار.
انتقلت قطر بعد ذلك إلى التركيز على تغيير موقف ترامب من الأزمة؛ فجرى ترتيب لقاء لأمير 

قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض في 19 أيلول/ سبتمبر 2017، وذلك في أثناء مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كان اللقاء الأول بين الرجلين ناجحًا؛ إذ وصف ترامب علاقته بالأمير بـ “الصداقة الطويلة”. تكرّرت بعد ذلك اللقاءات بين ترامب والشيخ تميم، فعُقدت القمة الرسمية الأولى في نيسان/ أبريل 2018 في البيت الأبيض، وعُقدت الثانية في تموز/ يوليو 2019، وفيها تعزّز التغيير في موقف الرئيس ترامب بوضوح من الأزمة الخليجية، وانعكس ذلك في البيان المشترك الذي صدر عقب محادثات الطرفين في البيت الأبيض؛ إذ أكد الطرفان “أن العلاقة الاستراتيجية والدفاعية الوثيقة تعزّزت بين البلدين، كما قال الرئيس ترامب في تغريدة له: “بعد عشاء رائع في وزارة الخزانة مساء الاثنين مع أمير دولة قطر، كان لي شرف استقبال الأمير من جديد في البيت الأبيض بعد ظهر الثلاثاء”.
توّجت القمة الأخيرة جهود قطر في تغيير موقف الرئيس الأميركي الذي تحوّل تدريجيًا من تبنّيه لفكرة أن قطر تدعم الإرهاب وصولًا إلى الاعتراف بها “حليفًا رئيسًا” في تحقيق استقرار المنطقة وأمنها.
في هذه الأثناء، بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وسوء تقديرات السعودية للحرب في اليمن وتورّطها مع الإمارات في جرائم حربٍ فيه، وفشل الرهان على خليفة حفتر في ليبيا، وسجل حقوق الإنسان في السعودية والإمارات، أصبح المجتمع الدولي يميل إلى رؤية حصار قطر بوصفها حلقة في سلسلة مغامرات فاشلة وغير محسوبة للإدارة السعودية الجديدة.
مستقبل الأزمة
على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الكويت خلال السنوات الثلاث الماضية، لم يحصل تقدمٌ حقيقي على صعيد الحل. وبرزت خلال عام 2019 أكثر من مناسبةٍ تزايدت فيها الآمال بإمكان حصول اختراقٍ يؤدي إلى إنهاء الأزمة؛ فقد شاركت قطر مرتين على مستوى رئيس مجلس الوزراء في قممٍ عُقدت في السعودية، هي قمم مكة الثلاث في أيار/ مايو 2019 وقمة مجلس التعاون في الرياض في كانون الأول/ ديسمبر 2019. مع ذلك لم يحصل اختراق في جدار الأزمة. ولم تلق دعوات قطر إلى رفع الحصار وتوحيد جهود دول مجلس التعاون في مواجهة وباء كورونا آذانًا صاغية في عواصم دول الحصار.
وفي حين تبدو قطر متمسكة بسيادتها واستقلالية قرارها، خصوصا في السياسة الخارجية، فإن دول الحصار تراهن على متغيراتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ يمكن أن تؤدي إلى إضعاف موقف قطر ودفعها إلى الرضوخ للمطالب التي أصبحت مثار استغراب المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة. لكن الأزمة في الولايات المتحدة، بسبب تداعيات أزمة كورونا الصحية والاقتصادية، وموجة الغضب التي فجّرها مقتل المواطن الأميركي من أصل أفريقي، جورج فلويد، وتأثيرات ذلك

 المحتملة في الانتخابات الأميركية، يمكن أن تؤدّي إلى تغيير في حسابات دول الحصار خلال المرحلة المقبلة. ولكن قطر تؤكد استعدادها للتسوية، وهذا يعني تقديم تنازلاتٍ، ولكنها لن تقبل بالوصاية، أو بأي حل تكتيكي أو مرحلي تلجأ إليه دول الحصار في انتظار ظروفٍ أكثر ملاءَمة لتجديد الحملة عليها. لذلك، تصرّ قطر على ضرورة إيجاد حلٍ دائم يستند إلى احترام سيادة الدول وحقّها في اختيار سياساتها التي تحقق مصالحها من دون الإضرار بمصالح الآخرين أو التدخل في شؤونهم الداخلية، ورفض الإملاءات والعمل وفق مبدأ المساواة في السيادة، وحق الجميع في تحقيق الأمن. إذا لم يحصل توافق على هذه البدهيات في التعامل بين الدول ذات السيادة فالأرجح أنّ الأزمة ستستمر.
لقد أضرّت الأزمة بمجلس التعاون وبصورته العالمية، كما أضرّت بمؤسساته وأهدافه، ومن مصلحة الدول الأعضاء في هذا المجلس أن تنتهي هذه الأزمة بتسويةٍ عادلةٍ تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة.

قد يعجبك ايضا