عبد الرحمن اليوسفي بين الأسطورة والتاريخ

عالمية
Editorial Department3 يونيو 2020
عبد الرحمن اليوسفي بين الأسطورة والتاريخ


أثارت وفاة الزعيم الاشتراكي المغربي، عبد الرحمن اليوسفي، الجمعة الماضية، عن عمر ناهز 96 سنة، ردود أفعال كثيرة ما زالت تتفاعل بشأن تاريخ الرجل ومواقفه وإرثه النضالي. وهذا أمر طبيعي لا يحدث إلا مع الكبار عندما يغادرون هذه الدنيا الفانية، واليوسفي هو أحد هؤلاء، وسم بنضاله ومواقفه تاريخ المغرب المعاصر منذ فترة المقاومة من أجل الاستقلال وحتى وافته المنية الأسبوع الماضي، حيث كان وما زال شاغل فكر كثيرين من مواطنيه، وحاضرا في ذاكرتهم شخصية رمزية نسجت حولها قصص كثيرة، يختلط فيها ما هو أسطوري بما هو واقعي. 
ولعل ما أضفى على شخصية اليوسفي وتاريخه الهالة الكبيرة من الغموض والالتباس هو صمته وقلة أحاديثه للصحافة، ورفضه، مثل طيف كبير من النخب السياسية المغربية، تدوين مذكراته. وحتى تلك “الشذرات” التي صدرت في كتابٍ يروي سيرته الذاتية فكان يغلب عليها طابع السرد الكرونولوجي العمودي للأحداث التي عاشها الرجل زهاء قرن، ما ترك بياضات كبيرة تجعل المسكوت عنه أقوى مما تم البوح به في لحظةٍ كان الرجل قد اختار فيها الانزواء والتواري عن الأضواء، وقد بلغ من العمر عتيا، وهو ما زاد الغموض كثافة والتباسا في حياته، وسيبقى كذلك حتى بعد مماته.
وكيفما اختلفت الآراء حول قراءة تاريخ عبد الرحمن اليوسفي، وتقييم تجربته في المعارضة والحكم، فهو كان من آخر رجالات السياسة الكبار في المغرب، عاصر ثلاثة ملوك، وشهد محطات تاريخية فارقة في تاريخ المغرب، كان حاضرا وفاعلا في كثير من تفاصيلها منذ غادر في بداية أربعينيات القرن الماضي مسقط رأسه في مدينة طنجة (شمال)، نحو مدينة مراكش ليجد نفسه في المدرسة على الطاولة نفسها التي كان يتقاسمها مع امحمد بوستة (توفي عام 2017)، وزير خارجية المغرب السابق والأمين العام السابق لحزب الاستقلال، الحزب الذي سينتمي إليه اليوسفي في بداية حياته السياسية، ويتعرف على “الدينامو” الذي كان يديره من الرباط، والذي لم يكن سوى الزعيم الراحل المهدي بن بركة الذي اختفى معارضا في ظروف غامضة عام 1965 في فرنسا. وداخل حزب الاستقلال، سينشط اليوسفي ضمن خلاياه العمالية في مدينة الدار 

البيضاء، والتي ساهمت في تأسيس أول اتحاد عمالي مغربي وطني. وسيبرز اسم اليوسفي بداية خمسينيات القرن الماضي، عندما تم تكليفه بتهريب السلاح من إسبانيا إلى المقاومين في شمال المغرب وفي الجزائر، لكن ظروفه الصحية ستخونه دون المشاركة هو بنفسه في حمل السلاح الذي كان يهرّبه عندما اضطر إلى الدخول إلى أحد المستشفيات في اسبانيا، خرج منه برئة واحدة، بعدما تم استئصال رئته الثانية. تلك التجربة ستمكّن الرجل من نسج علاقات قوية مع قادة التحرير في المغرب والجزائر، وستنسج حوله الهالة التي سعى الملك الرحل الحسن الثاني إلى تحطيمها عندما وصفه بـ “مهرّب السلاح”، وهو يقدمه لولي عهده الملك الحالي محمد السادس، كما حكى ذلك اليوسفي نفسه لكاتب هذا المقال.
وفي مغرب “الاستقلال”، سيبرز مرة أخرى اسم اليوسفي في أثناء محاكمته، عندما كان صحافيا في صحيفة التحرير، بسبب عبارة “الحكومة مسؤولة أمام الرأي العام”. وتزامنت محاكمته هو ورئيس تحرير الصحيفة، محمد الفقيه البصري، الزعيم التاريخي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مع محاكمة عديدين من قادة جيش التحرير، وهي المحاكمات التي استفزت العلامة محمد بن العربي العلوي (1884ـ 1964)، الملقب “شيخ الإسلام”، وكان وزيرا للتاج آنذاك، فتقدم باستعطاف لدى الملك الراحل محمد الخامس، للإفراج عن المتهمين، ومن بينهم اليوسفي الذي لم يقض في السجن سوى شهرين. وبسبب تلك المحاكمات قدم “شيخ الإسلام” استقالته من الوزارة، احتجاجا على عدم وفاء القصر بوعده عدم محاكمة المقاومين، ورفض تسلم معاشه وقضى بقية حياته زاهدا يعيش على الكفاف والعفاف، وتلك قصة أخرى.
وسيظهر اسم اليوسفي مرة أخرى في ما عرف في تاريخ المغرب المعاصر بمحاكمة “مؤامرة 1963″، عندما شملته حملة الاعتقالات التعسفية الواسعة التي طاولت الآلاف بتهمة التآمر على النظام، وفيما طالبت النيابة العامة بالإعدام لقادة حزب الاتحاد الوطني للقوت الشعبية، وبالسجن 15 سنة لليوسفي، صدر في حقه حكم مخفف بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ، مما جعله يغادر السجن بعد ثمانية أشهر من الاعتقال. أما الزعماء الآخرون الذين حكموا بالإعدام أو المؤبد فسيصدر في حقهم عفو ملكي، سنتين بعد ذلك على إثر الانتفاضة الدامية التي شهدتها الدار البيضاء عام 1965. وفي السنة نفسها، سيتم اختطاف زعيم الحزب، المهدي بن بركة، في باريس، فتم تكليف اليوسفي ضمن هيئة الدفاع في المحكمة التي أقامتها فرنسا للمتورّطين في جريمة الاختطاف. انتهت المحاكمة سنتين بعد ذلك، من دون أن تكشف الحقيقة التي ما زالت غائبة. ونظرا إلى دور اليوسفي في تلك المحاكمة منسقا وشاهدا ومناصرا، نصحته قيادة الحزب بأن يمكث في باريس خوفا على حياته، فكانت تلك بداية منفاه الاختياري الذي استمر 15 سنة قبل العودة إلى المغرب عام 1980 بعفو ملكي.
وخلال فترة المنفى، سيعرف المغرب ما عرف بـ “محاكمات مراكش الكبرى”، عام 1971،

 وكانت تستهدف قيادة “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، وتم خلالها توجيه تهمة “المس بأمن الدولة” إلى المتهمين، وكان من بينهم اليوسفي الذي توبع غيابيا، لكن بقدرة قادر تم فصل ملفه عن باقي الملفات بدعوى الحاجة إلى مزيد البحث، ثم لم يعد فتحه. وبعد عودته إلى المغرب، تضاءل حضور اليوسفي خلف الكاريزما القوية للزعيم التاريخي للحزب، عبد الرحيم بوعبيد حتى وفاة الأخير عام 1992، ليخلفه على رأس الأمانة العامة للحزب من دون أن ينجح في ملء الفراغ الكبير الذي تركه سلفه. في السنة نفسها سيطرح الملك الراحل الحسن الثاني دستورا جديدا تمهيدا لما سيعرف مستقبلا بـ “حكومة التناوب”، لكن بعد أن جرت انتخابات 1993، غضب اليوسفي بسبب التزوير الذي طاول تلك الانتخابات، وحزم حقيبته عائدا إلى منفاه الفرنسي. وفي 1995 وفي أثناء وجوده في نيويورك للمشاركة في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، سيصاب الحسن الثاني بوعكة صحية أدخلته مصحة خاصة اكتشف على إثرها وضعه الصحي الحرج، وبعد عودته إلى المغرب بدأ الإعداد لانتقال الملك بعده لولي عهده، وكانت البداية بطرح دستور جديد عام 1996، استجاب فيه لأغلب مطالب المعارضة، وتم فتح الحوار مع اليوسفي في منفاه الفرنسي للعودة إلى المغرب للمشاركة في الانتخابات التي تصدّرها حزبه. وفي 1998 تم تعيين اليوسفي وزيرا أول، سنة واحدة قبل رحيل الحسن الثاني عام 1999.
نجاح تلك التجربة الفريدة في العالم العربي كانت نتيجة التقاء إرادتين مهزومتين، إرادة الملك المريض الذي يريد ضمان انتقال سلس للحكم من بعده إلى ولي عهده، وإرادة زعيم سياسي وجد نفسه على رأس حزبٍ منهك، بلا رؤية ولا قيادة قوية، وقاعدته ممزقة ما بين اتجاه شعبوي يمثله جناحه النقابي وطموحات نخبة سياسية براغماتية هدفها كراسي الحكم. لذلك كان عمر التجربة قصيرا، سرعان ما انتهى بموت الملك الراحل، وتحقّق انتقال خلافة الملك في الظروف التي مر فيها، ما جعل التجربة تستنفد غاياتها. ومع مجيء الملك الحالي محمد السادس، عام 1999، بدأت تظهر مظاهر عديدة من النكوص والتراجع عما أسس له والده، وخصوصا المسار الديمقراطي الذي بدأ منتصف التسعينيات. وبعد أول انتخابات أجريت في عهده عام 2002، وعلى الرغم من تصدّر حزب اليوسفي نتائجها، فقد اختار الملك وزير داخليته آنذاك، إدريس بن جطو، لرئاسة الحكومة. وكانت تلك بمثابة صفعة للرد على غضبة اليوسفي عام 1992. التقط الزعيم الاشتراكي الإشارة، وأعلن استقالته من زعامة حزبه، واعتزاله العمل السياسي إلى أن وافته المنية الأسبوع الماضي.
كان اليوسفي في كل محطات نضاله سياسيا إصلاحيا، مثاليا في مبادئه، مارس السياسة بالأخلاق، 

يغضب عندما يشعر بالخذلان، ويلوذ بالصمت عندما يطعن من الخلف. راهن على كسب ثقة القصر أولا، وقبِل رئاسة حكومة شكلية بدون سلطات حقيقية، خرج منها حزبه ضعيفا وغادرها هو معزولا بطريقة مهينة، بينما كان ينتظر أن تجدد الثقة فيه. خرج اليوسفي من الحكومة، واعتزل السياسة مخلفا وراءه حزبا ضعيفا بلا قاعدة، وبقيادة ضعيفة ومهزوزة، تستنجد بالأعيان في كل انتخابات ليظل الحزب الذي تحول إلى سجل تجاري موجودا حتى لو بقي مجرد رقم ضعيف في معادلةٍ سياسيةٍ تقوم على الاحتواء. ولكن اليوسفي المناضل والإنسان سيبقى نموذجا للسياسي العفيف والنبيل والزاهد والمتواضع ونظيف اليد، وتلك خصال طينة نادرة من السياسيين المغاربة في طريقهم إلى الاندثار، سينصفهم التاريخ عندما يقول كلمته فيهم.