هوس ترامب الروسي: مؤشرات متناقضة حول دينامية العلاقات بين واشنطن وموسكو

عالمية
Editorial Department29 مايو 2020
هوس ترامب الروسي: مؤشرات متناقضة حول دينامية العلاقات بين واشنطن وموسكو


هناك مؤشرات متناقضة حول دينامية العلاقات الأميركية – الروسية قبل حوالي خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية. الرئيس دونالد ترامب، الذي اتُهم بالوصول إلى البيت الأبيض عام 2016 على حصان طروادة روسي، يجد نفسه اليوم في شد حبال مع أولويات تحدي روسيا داخل مؤسسات واشنطن الحاكمة في سياق يناقض استراتيجيته الانتخابية وتغزله المستمر بنظيره الروسي فلاديمير بوتين. هناك ثلاثة أبعاد حالياً لهذه العلاقات الأميركية الروسية: الحسابات الانتخابية والداخل الأميركي، الصراع الثنائي بين البلدين حول النفوذ والترسانة النووية، وتنافس وتنسيق في مناطق النزاع في سورية وليبيا.

حسابات الداخل الأميركي
بعد اتهام الصين بنشر فيروس كورونا للسيطرة على الاقتصاد العالمي، اعتمد ترامب أخيراً استراتيجية انتخابية جديدة لصرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية الأميركية، وهي استراتيجية تقضي بالعودة إلى هوسه الأصلي، أي إعادة فتح ملف اتهام حملته بالتواطؤ مع روسيا خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة. وما ساعده على هذا الأمر تعيين موالٍ له لفترة انتقالية في منصب المدير المؤقت للاستخبارات القومية (ريك غرينيل)، الذي سرّب إلى قناة “فوكس” أن هناك وثائق جديدة تقول إن السلطات الروسية كانت تفضّل انتخاب وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون عام 2016 بدل الرئيس الأميركي الحالي. هذا الأمر دفع ترامب إلى القول “في الواقع روسيا أرادت أن تفوز هيلاري كلينتون. لا أحد كان أكثر صرامة مني حول روسيا، يمكنك التحدث إلى بوتين أو أي شخص آخر”. طبعاً ترامب لا يحاول فقط إعادة كتابة التاريخ وتقارير الاستخبارات، بل يمهد لسردية انتخابية تخدم معركته الرئاسية في ظل توجّه نائب الرئيس الأسبق جو بايدن إلى التركيز على التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا على الولايات المتحدة.

أبعد من ذلك، يستمر ترامب في حملة الانتقام من كل من حاول اتهامه بالتواطؤ مع روسيا خلال ولايته الرئاسية عبر إقصاء مسؤولين في الإدارة وفتح ملفات خصومه من خلال وزارة العدل ومجلس الشيوخ وإطلاق سراح أعضاء فريق حملته الذين اتهموا بالتواطؤ، مثل مايكل فلين (مستشار الأمن القومي الأسبق)، وبول مانافورت (مدير حملة ترامب الأسبق). لكن حملة الانتقام هذه تواجه ممانعة في مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية، إذ يرى الرئيس الجديد والمؤقت للجنة الاستخبارات، السيناتور الجمهوري ماركو روبيو، أن التركيز يجب أن يكون على منع روسيا من التدخّل في الانتخابات الرئاسية المقبلة بدل الدخول في حملة انتقام تعزز الانقسامات الداخلية. لكن تصميم ترامب على إنهاء حملة الانتقام لا تأتي فقط ضمن سياق تحشيد قاعدته الشعبية عشية الانتخابات بل ضمن سياق أوسع يحفظ إرثه السياسي، كما قال وزير العدل الأميركي وليام بار عند إسقاط التهم ضد مايكل فلين: “التاريخ يكتبه المنتصرون”. قرار ترامب جعل اتهام الديمقراطيين له بالتواطؤ مع روسيا المحور الجديد لمعركته الانتخابية يعني أن هذه الغيمة الروسية على الانتخابات الرئاسية الأميركية مستمرة في المدى المنظور.

العلاقات الثنائية وصراع النفوذ
لا يزال هناك هذا الانفصام بين ترامب من جهة، وإدارته والكونغرس من جهة أخرى، في ما يتعلق بروسيا. الشهر الماضي وصلت معدات طبية روسية إلى مطار جون كينيدي في نيويورك بعد اتصال هاتفي بين ترامب وبوتين، وذلك على الرغم من إعلان صريح حينها لوزارة الخارجية الأميركية بأنها حثت بعثاتها الدبلوماسية على طلب معدات طبية لاحتواء كورونا من البلدان التي يخدمون فيها، باستثناء روسيا. واللافت أن هذه المساعدات كانت من صندوق استثمار روسي يخضع لعقوبات أميركية منذ عام 2015. وفي خطوة أثارت تساؤلات داخل إدارته، أصدر ترامب الشهر الماضي بياناً مشتركاً نادراً مع بوتين في ذكرى التقاء القوات الأميركية والسوفييتية مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وذلك بعدما قامت واشنطن بصفقة ثلاثية مع موسكو والرياض لاحتواء الانخفاض الدراماتيكي في أسعار النفط. كما اتصل ترامب هاتفياً بنظيره الروسي مرتين خلال الأسابيع الأخيرة وصرح للصحافيين المعتمدين في البيت الأبيض بأنه أبلغ بوتين بأن التحقيق بتدخّل موسكو في الانتخابات الأميركية كان “خدعة”.

في المقابل، هناك رواية أخرى تخرج من إدارة أميركية هي في الفترة الحالية أكثر تشدداً حيال روسيا بغض النظر عما يقوله أو يفعله الرئيس في استراتيجيته الانتخابية. الإعلام الأميركي سرّب، الأسبوع الماضي، أن ترامب يخطط لسحب بلاده من اتفاقية “الأجواء المفتوحة” الدفاعية مع روسيا التي مضى على توقيعها 18 عاماً، في خطوة يفترض أن تمهد لانسحاب واشنطن من معاهدة “ستارت الجديدة” التي تحدد عدد الصواريخ النووية والتي ينتهي مفعولها في شهر فبراير/ شباط المقبل. وزير الخارجية مايك بومبيو طرح نيابة عن إدارة ترامب فكرة إدخال الصين ضمن هذا الاتفاق، وهو أمر غير ممكن في ظل التوتر الحالي بين واشنطن وبكين، كما أنه ليس هناك من حافز للصين للدخول في اتفاق كهذا في ظل ترسانتها النووية المحدودة. يبدو كما لو أن بومبيو وحلفاءه في الإدارة يستغلون موقف ترامب السلبي من الصين في محاولة لعرقلة اتفاق نووي جديد مع روسيا، في ما يبدو ترامب كأنه يحاول افتعال أزمة حول موضوع الاتفاقية لتبرير الحاجة إلى استمرار تواصله المباشر مع بوتين. لكن هذا الانسحاب لم يعلن رسمياً بعد وليس واضحاً ما إذا كان التسريب محاولة ضغط على موسكو لتتعاون بالسماح للطائرات الأميركية بالتحليق في مناطق تعتقد واشنطن أن موسكو تنشر فيها أسلحة نووية متوسطة المدى.

أبعد من ذلك، أعلنت البحرية الأميركية، الشهر الماضي، أن طائرة روسية نفذت اعتراضاً “غير آمن” لطائرة استطلاع أميركية في المجال الجوي الدولي فوق البحر الأبيض المتوسط، ما عرّض الطاقم الأميركي للخطر. كما هددت إدارة ترامب ألمانيا بعقوبات جديدة عليها في حال إتمام اتفاقها مع روسيا لبناء اتفاق أنابيب غاز “نورد ستريم 2″، الذي يمر عبر بحر البلطيق ويوصل الغاز الطبيعي مباشرة إلى ألمانيا. كما يجهز الكونغرس حزمة عقوبات جديدة على قطاع الطاقة الروسي كعقاب على التدخّل في الانتخابات الأميركية ولردع تدخّلات مستقبلية مشابهة. كل هذه الإجراءات تعكس المزاج العام في الإدارة والكونغرس الذي يبدو أكثر تشدداً حيال روسيا، لكن ترامب يلمّح بشكل دوري للسلطات الروسية بأن هذا لن يؤثر على دينامية علاقته وتواصله مع بوتين. هذا الانفصام يعني أنه لن يكون هناك توجّه محسوم في واشنطن حول التعامل مع روسيا قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، وأن نجاح ترامب في كبح جماح المؤسسة الحاكمة ينجح في بعض الأحيان لكنه يفشل في أحيان أخرى. عين ترامب تبقى على الصين، لكن إدارته ترى أن روسيا تمثّل تحدياً مشابهاً، إن لم يكن أكبر، على المستوى الاستراتيجي، وبالتالي على واشنطن تحديد أولوياتها في هذا التنافس المستمر مع بكين وموسكو.

مناطق النزاع في ليبيا وسورية
الدينامية الثلاثية بين أميركا وروسيا وتركيا لا تزال مستمرة في مناطق النزاع في ليبيا وسورية. القيادة العسكرية لأفريقيا في الجيش الأميركي (أفريكوم)، اتهمت، الأسبوع الماضي، روسيا بنقل 14 طائرة مقاتلة من سورية إلى ليبيا لتوفير دعم جوي لمجموعة “فاغنر” الروسية التي تدعم مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لكن السلطات الروسية نفت هذا الأمر. هذه الرسالة الأميركية إلى روسيا مفادها أن واشنطن تراقب في حال حاولت موسكو قلب موازين القوى في ليبيا كما فعلت في سورية. لكن المؤشرات الميدانية أن مجموعة “فاغنر” انسحبت من الخطوط الأمامية لمعارك طرابلس وأن موسكو لمّحت لحفتر بأنها مع وقف فوري لإطلاق النار وإعادة إطلاق المحادثات بين الأطراف الليبية المتنازعة. الغموض الأميركي حيال ليبيا انتهى في الفترة الأخيرة بحيث حصل تقاطع مصالح بين واشنطن وأنقرة ضمن مسعى إدارة ترامب المستمر لإبعاد تركيا عن روسيا، وبالتالي مال ميزان القوى لصالح حكومة الوفاق الوطني. الدخول الروسي الخجول على خط الأزمة الليبية لم يمنع من وقف نكسات حفتر العسكرية، وبالتالي تبرز مرونة روسية في ليبيا لا تكفي لإنضاج تسوية في أزمة تحولت إلى مسرح إقليمي ودولي بالغ التعقيد.

الرد الروسي قد يكون في سورية عبر تحريك جبهة إدلب مع تركيا مقابل إدارة التأزم مع أميركا. بعد توترات عسكرية روسية – أميركية في شمال شرقي سورية منذ بداية العام الحالي، بدأ الطرفان دوريات مشتركة في خطوة لمحاولة كسر حدة التوتر بينهما. يأتي هذا في ظل الضغط الروسي على رئيس النظام السوري بشار الأسد لزيادة موارد النظام عشية الدخول المتوقع لعقوبات قانون “قيصر” الأميركي حيز التنفيذ، الشهر المقبل. بعض الدول الخليجية والعربية التي تنظر في الاستثمار في سورية قد تفكر مرتين قبل تطبيع العلاقات مع دمشق إذا كانت واشنطن حازمة في تنفيذ قانون “قيصر”، وبالتالي هناك انتظار لمعرفة مدى جدية واشنطن في توقيت ورقعة هذه العقوبات. العرض الأميركي لروسيا هو رسم خريطة حل للنزاع السوري مقابل أخذ موسكو مسافة من النظامين السوري والإيراني، لكن هذا الرهان الأميركي على تعاون روسيا غير مضمون، والاستمرار في إدارة النزاع قد يكون السبيل الوحيد في المدى المنظور.