Take a fresh look at your lifestyle.

التغريبة الفلسطينية.. اللجوء مستمرٌّ إلى الذاكرة

ليس غريباً أن يتذكر كثيرون في فلسطين والعالم العربي مسلسل “التغريبة الفلسطينية”، وأن يصبح ملاذاً لللاجئين، في وقتٍ تنحو مسلسلاتٌ سعودية وإماراتية إلى الترويج للاحتلال الإسرائيلي، وتقلّبات سياسية أبقت على أغلب اللاجئين بلا استقرار، حتى يومنا هذا.

ورغم أن المسلسل أُنتج عام 2004 في سورية، إلّا أنَّ استعادته في مثل هذا اليوم، كفيلةٌ بأن تمنح الفلسطيني المُثخن بالأحداث لمسة وفاء، وتأخذه في رحلة حيث بداية القصة، يكون “المشهود فيه هو عين المشاهد، الشاهد نفسه”، بتعبير كاتب المسلسل وليد سيف، في مذكّراته “الشاهد والمشهود” التي أصدرها عام 2016.

يسرد المسلسل حكاية اللجوء الفلسطيني في “النكبة” عام 1948، والتي تصادف ذكراها اليوم الخميس، من خلال التركيز على عائلة صالح الشيخ يونس “أبو أحمد” الذي لعب دورَه الفنان السوري الراحل خالد تاجا، فيبدأ بناء الشخصيات وتركيبها في القصة منطلقاً من ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت تلك العائلة الريفية تعاني من سطوة الإقطاعيين ومُلّاك الأراضي من جهة، ومن الانتداب البريطاني وتضييقاته الرامية لتسهيل المخطط الصهيوني اليهود من جهة أُخرى، فيرصد المسلسل الحالة الاجتماعية في تلك الفترة، ويتتبّع ما لحقها من انقلاب الحال في “النكبة”، وصولاً إلى أحداث “النكسة” وما تبعها.

كانت الفروقات الاجتماعية وسطوة الإقطاعيّين على الفلّاحين البسطاء تذوب مع بزوغ الثورة، الثورة وحدها التي أعلت من شأن عائلة أحمد الشيخ يونس البسيطة على المختار أبو عايد والإقطاعي أبو عزمي، فالثورة في أصلها للذي يبذل ويُعطي لا للذي يأخذ. وفي هذا السياق، برز دورُ الابن الأكبر؛ أبو صالح (الممثّل جمال سليمان) بطبيعته الثائرة والقيادية، التي تتفاعل مع الأحداث الاجتماعية والسياسية بشكل أساسي، ويتحوّل بغتةً مع “الثورة الكبرى” (1936) من فلّاحٍ فقير مقهور إلى ثائرٍ يعطي تعليماته لوجهاء القرية.

الفجيعة والفقدان المستمر، هو الشعور المكثّف بلا ابتذال بعد أن يتخطى المسلسل انتصافه في حادثة “النكبة” التي شعر فيها الفلسطينيون بالخِذلان والقهر، وهم يسيرون على وقع أصوات المدافع وأخبار مجزرة “دير ياسين” تاركين وراء ظهورهم ممتلكاتهم ومتاعهم على أمل العودة بعد انتهاء الحرب، ويُعبّر عن حجم الكارثة المشهدُ الصامت للوالد أبو أحمد وهو يعلك طعامه باكياً، بلا أرض، وأولاده لا يزال مصيرهم مجهولاً.

وبرع المخرج السوري حاتم علي في تجسيد حالتَي الصدمة والضياع في عدد من المشاهد، منها: اختفاء حسن الذي قرّر وهو عائد من الجبهة إلى منزل العائلة لطمأنتهم أن ينخرط في جبهة أخرى بعد تقدّم القوّات الصهيونية، وغُيّب عن المشهد للتركيز على العائلة التي خرجت من منزلها مفجوعة تحت وقع القصف، وليظلّ المشاهد عالقاً مع عناصر المسلسل يتساءل: ماذا حل به؟ وتعلم العائلة بخبر استشهاده من أحد رفاقه الذي أوصلوا بندقيته بعد مدّة طويلة من انتظار عودته، فتبكي الأُمُّ وتمسح دموعها: “بس لو ودّعته”، ونفس تقنية التغييب عن المشهد طُبّقت في أكثر من حدث بالمسلسل.

ويأتي الوصف الصوتي لحال اللاجئ في المخيّم، بصوت علي – الشقيق الأصغر المتعلّم – الذي أدّى دوره تيّم حسن: “منذ اليوم سيكون على اللاجئ أن يعيش هذه المفارقات الحادّة المؤلمة، موزّعة دائماً بين حاجاته المادية المباشرة، وبين مطلبه الوطني العام، وما كان لهذين المطلبين الشرعيَّين، أن ينسجما في نفسه إلّا نادراً، سيطالب بتحسين أوضاعه، ومع ذلك سيواجه كلَّ خطّةٍ في هذه السبيل بالشك، خِشية أن يكون الثمن ذاكرته وقضيته ووطنه، سيكون عليه أن يشك في نيّات من يعرضون عليه شيئاً مما يريد، وسيبدو لغزاً غريباً ومحيّراً ومزعجاً لأولئك الذين لم يُعنّوا أنفسهم بفهم الدوافع العميقة والمسوغات الواقعية لكل تلك المفارقات والمشاعر المتطاحنة” .

كلاجئين، نعيش حياتنا اليومية من “التغريبة الفلسطينية” بتفاصيلها الطبيعية المكثّفة، فلا يملك أغلبُنا أرضاً يزرعها ولا بحراً يصطاد منه السمك، وكلّما هبّت ريح “أوسلو” التي تُشكّك بحُلمنا لعنّاها، وفي “صفقة القرن” بصقنا في وجه أميركا التي لم ترَ مشهد “رشدي” في نهاية المسلسل؛ عندما استخرج بندقية والده الشهيد التي دفنها وهو طفل، لم ينسَ دماء والده ولا الأرض.

ما لم يتناوله المسلسل الذي أُنتج في أواخر انتفاضة الأقصى، حال اللاجئين في “الضفة الغربية” التي أجهز الاستيطان على ثلثيها هذه الأيام، والمحاصرين بعد لجوء في غزّة، والمحاصرين والمعذّبين في لبنان طيلة هذه السنوات، وفي سورية حيث القتل والتشريد مستمرّ، وبقيتهم منثورون في الأردن وحول العالم يعيشون يُتم المكان والذاكرة بشكل يومي، ومَن بقي في الأراضي التي احتُلّت عام 1948 يقاوم حروب الأسرلة والنبذ الثقافي. “فمن يحمل عبء الذاكرة، ومن يكتب سيرة من لا سير لهم في بطون الكتب، أولئك الذين قسموا جسومهم في جسوم الناس، وخلفوا آثاراً عميقة تدل على غيرهم ولكنها لا تدل عليهم”. (نَص من المسلسل)

بعد 72 عاماً، لا يدرك كثير من العرب أن “النكبة” غمرت صُرتّهم، على شكل اقتتال طائفي وحروب في المنطقة، وتقسيمات مستمرّة، لتقف “إسرائيل” خلف المشهد وقد أصبحت الآن بصورة “الجارة الودود” لكثير من الأنظمة!

كمُهجّرين بالإكراه من قبل الولادة، فإن مشاهدة دراما تلفزيونية من هذا النوع تغدو طقساً تُفرك فيه جراح الواقع بملح الذاكرة، وفرصة لإعادة تصنيع الوعي على إثره.

* صحافي من فلسطين

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية