Business is booming.

فيلم "يوم وليلة".. إهانة الجيش الأسود في حربه على الوباء

يبدو أن مناشدة كوثر محمود، نقيبة الممرضين المصريين، الرئيسَ عبد الفتاح السيسي بأن يمنع فيلم “يوم وليلة” لم تؤخذ على محمل الجد.

وكما هي أحداث الفيلم الذي كان اسمه “يوم مصري” قبل تعديله إلى “يوم وليلة” تدور في يوم مولد السيدة زينب، اقتُطع من مولد كورونا يوم مصري آخر تحت عنوان “الجيش الأبيض”.. الجيش الذي أهانه الفيلم، وأهان تحديداً الممرضات اللواتي أظهرهن بائعات هوى، بينما كل واحدة منهن مشروع “شهيدة” في الحرب على الوباء، وفق وصف النقيبة. 

المولد التمريضي جعل النقيبة نجمة التلفزيونات المصرية ليومين، صرخت فيهما باسم 600 ألف ممرض وممرضة. وأخذها الحماس أكثر بالتأكيد على حزمة مطالبات لتحسين أوضاع “الجيش الأبيض” الاقتصادية. فلقب الجيش الذي فجأة ارتدى الثوب الأبيض هو مثل شهادة فخرية، نحتاجها معنوياً، لكنها لا توفر الخبز.

قبل الفيلم، ضحية هذا المولد، وبعده، فإن صورة الممرضة تحتاج إلى قراءة، ضمن ألبوم كامل من الصور النمطية التي تتعرض للاستباحة، مثل مدرس اللغة العربية، والبوّاب، والصعيدي، والفلاح، والبدوي، أو لتنميط الأحلام المتبادلة مثل: الكنغ (الملك)، البرنس (الأمير)، الباشا، البيه، الزعيم.

من الصعب على ممرضة مصرية (وعربية طبعاً) الوصول إلى مستوى الممرضة جيني التي تجاوزت عن مدح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لها، أثناء علاجه من فيروس كورونا، وقالت إنه لم يتلق عناية خاصة، بل عومل مثله مثل أي مريض.

الفارق كبير، ليس بين مؤهلات الممرضة فاطمة، وبين الممرضة جيني، بل بين صرخة النقيبة المصرية مستثمرة كورونا وفيلماً، اتهم ظلماً بأنه أهان التمريض، وبين ما يتوقعه المرء من فيلم بريطاني يظهر فيه خير وشر الناس، بمن فيهم رئيس الوزراء وممرضته. 

كانت جيني هادئة، وكوثر محمود غاضبة، وغضبها جلب تعاطفاً مع الممرضات بأثر رجعي، مستخدماً الفيلم المسكين شماعة.

فرصة سانحة
قد نتخيل جيني (أي جيني في الغرب) تشتم فيلماً، لأنه معادٍ للسامية، للمرأة، للمثليين. دائماً هناك فسحة لاتهام أي عمل فني أو كتابي بأن فئة معينة لم تظهر بالشكل اللائق. وفي حال نقيبة الممرضين المصريين جاءها الفيلم “على الطبطاب”، فرصة تعمق صرختها وتعطيها المعنى المراد.

في فيلم “يوم وليلة” الذي كتبه يحيى فكري وأخرجه أيمن مكرم تظهر الممثلة التونسية درّة، بردائها التمريضي الوردي، بينما الطبيب الذي دفع لها 600 جنيه ليخلو بها في مكتبه هو من كان يرتدي رداءً أبيض.

حصة الأطباء من “الجيش الأبيض” لم تتعرض لأي خدش. لم نسمع بأن نقيب الأطباء صرخ دفاعاً عن سمعة زملائه الذين “لطخ” الفيلم ثوبهم الأبيض. أليس الطبيب أيضاً مشروع “شهيد” في هذه الجائحة؟
وقد سجلت بالفعل وفاة طبيبة بفيروس كورونا، تلك الطبيبة التي رفضت قريتها دفنها، ذعراً من الوباء، بينما تبرع الفنان عمرو سعد بفتح مدافن أسرته، لاستقبال أي جثمان من الطواقم الطبية، في الوقت الذي وصفت فيه النقيبة السينما بالجملة “كفاية قرف بقى”.

حبل سري
في يوم الاحتفال الشعبي بمولد السيدة زينب، تدور قصص الفيلم، في مساحة واحدة ويوم واحد. قصص لا يلتقي بعضها البعض في لقطة متوسطة أو قصيرة. أما إذا ابتعدت بالكاميرا في صورة عريضة، في متناول عينك، ولا يرتبطون بحبكة واحدة، لكنّ بينهم حبلاً سُرياً.

القصة الأبرز بطلها أمين الشرطة، منصور الذهبي، الذي يؤدي دوره خالد النبوي، وهو موظف دولة فاسد، يستطيع عبر أداء مميز من النبوي، الملائم بقوة لدور أمين شرطة، وأب بالغ الرقة تجاه ابنته المصابة بمتلازمة داون، ومنتمٍ إلى أهل حارته، الذين لا يعرفون أنه من موقعه الأمني، يجني المكاسب من تفاهماته مع عصابات البلطجة، وأخذ الرشى مقابل خرق القانون لصالح دافعي المال.

الممرضة ميرفت
القصة الموازية بطلتها الممرضة ميرفت (درّة)، وهي تسكن في الحتة ذاتها التي يسكنها أمين الشرطة، بيد أن حكايتها تأخذ حبكتها بعيداً. فهي في بيت شقيقها، مع ابنها وبنتها. منفصلة عن زوجها، تصرف على الجميع، وتعاني من رفض زوجة شقيقها لها. هذه السيدة تتلقى الرشى من ذوي المرضى، كي تحسن رعايتهم التمريضية، وتسرق أدوية من مستشفاها الحكومي، لتبيعها، وتحصل على المال، ثم تقيم علاقات عابرة مقابل المال أيضاً.

لكن هذه الصورة إذا أخذت في بعد واحد، فستبدو متعسفة. ميرفت ضحية ظروفها.

المال هو الذي يدور في طرقه الفاسدة، على يد مواطنين مثل أمين الشرطة، والمراسلة التلفزيونية التي تتلقى خاتم ذهب رشوة من عمدة ينتخب بالوراثة دائماً في “أحلى” تجليات تداول السلطة ديمقراطياً.

هناك قصة محمود الذي يؤدي دوره أحمد الفيشاوي، وهو بلطجي صغير، يعمل عند كبيره بجاتي (خالد سرحان) الذي يمنحه مالاً قليلاً يسمى “الحسنة”، بينما يجني هو الكثير من علاقته مع أمين الشرطة.

وغير ذلك من القصص التي تظهر مثل أرخبيل في لوحة مائية واحدة، اختارت لها من الزمن اليوم والليلة، استعارةً من النموذج الضخم “ألف ليلة وليلة” في نسخته المحلية في مدينة القاهرة.

خارج الثنائية
وأهم ما يميز هذه القصص أن شخصياتها لم توضع بين ثنائيتي الخير والشر. لا يمكن النظر إلى فرج أسكوبار، (حمزة العيلي) فتوة السجن، من زاوية واحدة.

حنان مطاوع، المسيحية إيرين، لم يكن دورها كذلك مسطحاً. هي موظفة بيروقراطية، ومكسورة القلب، لأن الكنيسة لا تزال ترفض طلاقها، ومحتقنة من حشرها في أعين البعض داخل زاوية دينها. وفي حوار مع شقيقها البخيل، الذي يبدي هلعه من علاقة الشقيق الأصغر بشابة مسلمة، ترد: “أخويا راجل ويعمل ما بدا له. اللي عنده معزة يربطها”.

أدت حنان مطاوع دوراً مؤثراً برزت فيه أجمل بماكياجها الخفيف، لتلائم دورها وهي تكثر من شكليات التدين المسيحي، على عكس شقيقيها.

وكان يمكن أن يكتمل دورها دون ذلك المنولوج الطويل في سيارة الإسعاف مع والدتها. كان يمكن أن تتوجه بحديثها إلى أمها المسجاة دون اللجوء إلى نمط المنولوج التلفزيوني.

الجيش الأسود
كل حكاية في هذه الفسيفساء تصلح لاستخراج اتهام بتوجيه الإهانة: أمين الشرطة الفاسد، الإعلامية المرتشية، الممرضة سارقة الأدوية التي تقيم علاقات جنسية عابرة، الطبيب الذي يستغل حاجتها للمال، المسيحي الذي يقيم علاقة مع مسلمة، المسلم الذي ينظر إلى زميله المسيحي بوصفه كافراً.

هذه قضايا تخضع للنقاش بين وقت وآخر، أو كلما لاحت فرصة، كأن يحتج السفير الفيليبيني على فيلم “ولا في النية أبقى فلبينية”، فننتبه سريعاً: هنالك شعب آخر، لماذا نهينه؟ أو يهاجمنا الوباء فنسمع بأن هناك جيشاً أبيض ينبغي تقديره.

حتى من خارج الفيلم يمكننا إثارة زوبعة صغيرة حول المسمى الرسمي لكوثر محمود ذاتها، فهي “نقيب عام التمريض في مصر”. لماذا هذه الذكورية في تسميتها “نقيباً عاماً” بينما يمكننا لحاق تاء التأنيث ألقاب المناصب والأعمال حينما تشغلها امرأة؟ يتساءل البعض.

من بين ممرضي وممرضات مصر، بل من بين الشعب كله، هناك عشرات الملايين ممن تتراوح بشرتهم بين السوداء في أقصى جنوب مصر، حتى الدرجات الأقل وصولاً إلى درجة شيرين عبد الوهاب بين النساء، أو العندليب الأسمر بين الرجال، والبياض الخالص يحال على أقوام دخلت مصر حرباً وسلماً واندمجت.

مصطفى
من هو مصطفى الذي يظهر في فيلم “يوم وليلة”؟ مواطن مصري ذو بشرة داكنة، حرامي صغير، وقوّاد، (يؤدي الدور محمد أوتاكا) لكنه لا ينتمي بلون بشرته إلى نقابة. وقد تكون ممرضة من سلالته ذاتها تعطى شهادة فخرية بوصفها من الجيش الأبيض، وتصفع على قفاها لأنها من الجيش الأسود.

في مرتين ينال مصطفى حصته من الإهانة، بسبب لونه الذي خلقه الله.

الأولى: يدخل محمود (أحمد الفيشاوي) إلى المقهى مستاءً. يبادره مصطفى: نهارك أبيض، فيرد محمود: نهارك زي وشّك.

الثانية: يجلس محمود إلى طاولة كبيرِه بجاتي، مستجدياً، فيعِده هذا الأخير بتحسين وضعه، محتقراً صداقته مع مصطفى بالقول: سيبك من العبد الأسود.

استطاعت نقيبة التمريض، جر العاملين في الفيلم من مولد السيدة زينب إلى مولد الجيش الأبيض، وتقديم الاعتذارات، وبذل محاولات مثيرة للشفقة لتطييب الخاطر، وشرح أن العمل لا يسيء إلى مهنة التمريض.

لم تصدر النقيبة أي عقوبات على الكاتب والمخرج وممثل دور الطبيب الذي دفع أجراً للممرضة مقابل خدمة جنسية، فقد وجدت ضالتها في درّة التي أدت دور الممرضة، فحامت النقيبة من قناة إلى قناة تتنمر عليها، وعلى جنسيتها التونسية بالقول: “روحي تونس سيئي لتمريضك هناك، لأن هنا تمريضاً محترماً”.

لو كانت درّة ممثلة سوداء، لربما قالت لها النقيبة إن جيشنا أبيض “مش زي وشّك”؟ ما الذي يمنع ذلك؟ لقد مرّت في الفيلم ولم يكترث أحد.