Business is booming.

أزمة سياسية مفتوحة في البرازيل: حلفاء الضرورة ينقلبون على بولسونارو

بعد أقلّ من عامين على تبوئه سدّة الرئاسة في البرازيل، يواجه جايير بولسونارو، معركة لإسقاطه وعزله، بعدما خبا وهج شعبويته المفرطة، أمام انحدار مستوى السياسة البرازيلية، في الداخل والخارج. ويواجه الرئيس البرازيلي، اليوم، معركةً مفتوحة على مصراعيها ضدّه، وتنذر بتدحرج ملفات دسمة ككرة النار لإطباق الخناق عليه. هذه المعركة، وإن كانت تُذكر بأخرى فتحت ضدّ شبيهه في الولايات المتحدة، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن أكثر ما تعيده إلى الذاكرة، هو معركة “الدولة العميقة”، التي أحكم وزير العدل المستقيل منذ أيام، سيرجيو مورو، لسنوات، قبضته عليها، والتي أطاحت برئاسة ديلما روسيف في العام 2016. وقد يكون الرئيس اليميني المتطرف، بولسونارو، قد قضى على نفسه لسوء إدارة البلاد، الذي توّجه تعاطيه المستهتر مع أزمة تفشي وباء كورونا. لكن، وفيما رائحة الوباء تنذر بالأسوأ في هذا البلد، وسط ما ينشر من تقارير عن موتٍ صامت يغزو البرازيل، فإنه بالإمكان القول إن العقد الذي أبرمه تحالف اليمين، مع بولسونارو، قد انفرط، فيما تُقبل البلاد على مرحلةٍ فائقة الدقة، سواء أكان بالانقلاب الكامل على الرئيس والتخلص منه، أم حتى مع انتظار استحقاق انتخابات الرئاسة للعام 2022.

أزمة كورونا
وتغرق مستشفيات البرازيل، بحالاتٍ جديدة مُصابة بوباء كورونا، وكذلك مدافنها بأرقام الموتى، فيما تتحول أكبر دولةٍ في أميركا اللاتينية إلى بؤرة جديدة للوباء، الذي لا يزال بولسونارو يعتبره مجرد “إنفلونزا عادية”. وحذّر العاملون في الحقل الطبي، في ريو دي جانيرو، كما في المدن الأخرى، من خطر انهيار النظام الاستشفائي. كذلك نبّه الخبراء لعدم صحة الأرقام المعلنة، والتي بلغت 53 ألف حالة موجبة حتى يوم السبت الماضي، في ظلّ بطء الاختبارات. لكن الرئيس البرازيلي لم يحد قيد أنملة بعد، عن خطابه المقلل من خطر الفيروس ومن أهمية التباعد الاجتماعي، في بلاد يبلغ عدد سكانها 211 مليون نسمة. ويؤكد خبراء الأوبئة من جامعة ساو باولو، وجامعة برازيليا، وصروح علمية أخرى، أن العدد الحقيقي للمصابين وصل حتى الأسبوع الماضي، على الأرجح، إلى ما بين 587 ألفاً و1,1 مليون مصاب، مسلّطين الضوء خصوصاً على خطر تفشيه في الأحياء والمناطق الأكثر فقراً. ومتحدياً الدعوات لتشديد الإجراءات، أقدم بولسونارو الأسبوع الماضي على إقالة وزير الصحة لويز هنريكي مانديتا، وتعيين مقربٍ منه هو نيلسون تيش، المؤيد لفتح الاقتصاد. وعلى وقع مواصلته دعواته لإعادة فتح البلاد، ومعارضة الإغلاق الذي فرضه حُكّام المناطق، تصاعدت صرخات “بولسونارو قاتل” في كافة المدن البرازيلية، وكذلك التمرد السياسي من قبل حكام ولايات البرازيل الـ27.

لكن مشهد كورونا في البرازيل، والأزمة السياسية الناجمة عنه بين الرئيس والمعارضة، وبين الرئيس، وحتى دائرته الموالية التي كانت بدأت رويداً رويداً تبتعد عنه تحت وطأة ملفات حكومية كثيرة أخفق في معالجتها منذ وصوله إلى الحكم، لم يكونا الشعرة التي قصمت ظهر البعير في المواجهة المفتوحة اليوم بين بولسونارو و”حلفائه” من اليمين. ويأتي ذلك في الوقت الذي ظلّ فيه التأييد الأميركي للعهد الجديد في البرازيل، بعد الإطاحة باليسار، خالياً من مفاعيل التطبيق على الأرض، لرفد الاقتصاد بالدعم، والمساعدة في تطبيق الإصلاحات.

وبعد وقت قصير من طرد وزير الصحة، فجّر “الوزير السوبر”، كما يُطلق عليه في البرازيل، وهو وزير العدل سيرجيو مورو، مهندس حملة الحرب الشهيرة على الفساد في البلاد حين كان قاضياً، قنبلة استقالته، التي قال إن سببها المباشر إقالة بولسونارو لرئيس الشرطة الفدرالية موريسيو فالكسو لـ”أسباب شخصية وسياسية”. وجاءت هذه الاستقالة، التي أعلن عنها مورو يوم الجمعة الماضي، بعد أشهر من المشاحنات بين الطرفين حول فالكسو، وفي وقت كانت تتهاوى شعبية بولسونارو بشكل متسارع جرّاء تفشي كورونا، مع توقعات باستقالة أو إقالة المزيد من الوزراء (لا سيما وزير الاقتصاد باولو غوديس)، ما أدى إلى تهاوي الأسواق المالية المحلية.

معركة عزل؟

ودعا المدعي العام أوغوستو آراس، والذي تشير استطلاعات الرأي إلى أنه أكثر السياسيين الموثوق بهم في البلاد، إلى فتح تحقيق في اتهامات مورو لبولسونارو بالتدخل السياسي، فيما أصر الأخير على صلاحياته الرئاسية، ومنها إقالة رأس الشرطة الفدرالية. وقال كابيتاو أوغوستو، رئيس لوبي السلاح الذي كان أساسياً في بناء “تحالف اليمين” الذي أوصل بولسونارو إلى الرئاسة، لوكالة “رويترز”، إنها “بداية نهاية عهد الرئيس”، مؤكداً أن تحقيقاً برلمانياً بدوره سيجري فتحه، فور انتهاء أزمة كورونا، وهو ما بدأت فعلياً التواقيع لأجله، وأن “أول مسألة سيجري نقاشها داخل البرلمان، بعد تخطي أزمة الوباء، هي عزل الرئيس”.

وكان مورو، الذي يراه عدد كبير من البرازيليين كـ”بطل وطني”، اتهم الرئيس صراحة بالتدخل في تحقيقات للشرطة تتعلق بأبنائه، فلافيو وكارلوس وإدواردو. ولطالما ارتبط “آل بولسونارو”، ودائرتهم الضيقة، بصفقاتٍ وقضايا مشبوهة، وأخيراً باستهداف “أعداء الرئيس” بـ”أخبار مضللة عبر الإنترنت”. وليس معروفاً متى سينهي المدعي العام تحقيقه حول الاتهامات الموجهة لبولسونارو، وهو تحقيقٌ من المفترض أن يشكل النواة الأساسية في أي مسار محتمل للعزل، والذي يحتاج إلى أغلبية في مجلسي الكونغرس والنواب للتصويت لصالحه. وبحسب متابعين لأخبار الكونغرس، تحدثوا لصحيفة “فاينانشال تايمز”، فإن بولسونارو كان قد بدأ يفقد دعم الكونغرس، لكنه يسعى اليوم إلى استعادته وبناء تحالفاته في داخله، مضيفين أن رئيس مجلس النواب رودريغو مايا، الذي ينبغي أن يطلق عملية العزل، “سيتريث حتى يرى بولسونارو أكثر ضعفاً، قبل أن يتحرك”. هذا الأمر، أكده أيضاً ثلاثة مقربين من مايا، لموقع “بلومبيرغ”، علماً أن طلبي عزل كانا قد قدما للكونغرس منذ يوم الجمعة الماضي، على خلفية اتهام مورو للرئيس بارتكاب جرم التدخل بتحقيقات الشرطة الفدرالية. هذا ويقبع أكثر من 20 طلباً لعزل الرئيس قدّمها نواب، في درج مايا، بما فيها على خلفية سوء إدارة بولسونارو لأزمة كورونا.

وتقول إليان كانتاهادي، وهي معلقة سياسية في صحيفة “استادو دي ساوباولو” المحافظة، لصحيفة “ذا غارديان” البريطانية، إن “الحكومة تنهار، لكنني لا أراهن على العزل”، مشيرة إلى “تردد بعض السياسيين في عزل رئيسٍ ثالث في البلاد (بعد فرناندو كولور دي ميلو – 1992، وديلما روسيف). على الرغم من ذلك، فإنه بحسب رأيها “يصعب تخيل بولسونارو وهو يكمل فترة رئاسته لحوالي ثلاث سنوات أخرى، وسط كل هذه الفوضى”.

وصل بولسونارو إلى الرئاسة، بصدفةٍ كان عرّابوها ثلاثي الجيش ويمين الوسط ورجال الأعمال، لكنه يبدو اليوم، من حرائق غابات الأمازون، إلى قضايا الفساد، إلى شحن علاقات البرازيل الدولية بالتوترات، وصولاً إلى أزمة كورونا، وشعبويته المتراجعة، وكأنه أصبح عبئاً. وسط الدعوات له بالاستقالة الطوعية، والتي تخرج من اليسار واليمين، ومعركة عزل محتملة، تعيش البرازيل في أزمة عنوانها الفوضى السياسية، فيما يظلّ سيرجيو مورو أبرز المرشحين المحتملين للخلافة.

(العربي الجديد)