Business is booming.

لعبة كل يوم

كانت تفصلني أمتار قليلة عن المخبز الإسباني القريب من ساحة برونو بووتسي، عندما لمحتُها تعبر كورسو لودي قادمةً نحوي. الصدفة مرّةً أُخرى، أو ربّما أبعد من ذلك بكثير، فكّرتُ وأنا أراقبها بطرف عيني. في هذه الأثناء، أومأ لورنزو برأسه من الرصيف المقابل، ثم توارى بخفّة بين الأشخاص الذين يعبرون الشارع. كالعادة، كان يُخفي ابتسامةً ماكرة بين شفتَيه المطبقتين، أمّا عيونه فكانت تنطق بدعوة صريحة للنزول إلى الحلبة لكي نمارس ما كنّا نسمّيه اللهو الدموي.

“كيف أبدأ؟”، سألتُه وأنا أتصنّع ارتباك من أضاع سبيله. كان يقف الآن بمحاذاة كُشك بائع الجرائد.

“أيّ سؤال، ما عدا قياس حذائها!”، أجاب لورنزو بتهكّم واختفى ثانية في الزحام.

نفس العبث الذي جرّبناه مراراً، ها هو يدفعنا من جديد لنلقي بأنفسنا في أحضان التهلكة، ولكن هذه المرّة بأوراق شبه مكشوفة، ونهاية ربما ستكون مفجعة.

“عفواً؟… هل تسمحين؟”.

“نعم، تفضل!”.

أهذا كل شيء؟ انبهار وتحسّب؟ كلّا، يجب أن نصل إلى نتيجة أفضل، وألّا نكتفي بإيحاء مملّ أو حركة مزيّفة لا تعبّر عن نوايانا الحقيقية. أعتقد بأنني يجب أن أناقش هذا الموضوع مرّة أُخرى مع لورنزو، لأن الدافع وحده لا يكفي، ومفتّش الشرطة يريد أن يعرف دائماً أكثر فأكثر، بالأخص في الحالات التي يحسّ فيها القاتل بالالتباس، ويحيل الالتباس نفسه إلى شكوك لم يتمكّن من حسم أمرها، كما أخبرنا خلال استجوابه لنا في المرّة الأخيرة. ثم، إمعاناً منه في تطبيق كافّة الإجراءات البيروقراطية، وبّخنا لأننا نكذب بصفاقة، وأكّد في النهاية بأن العدالة تتمتّع بصبر كبير، ولابد أن نقع في قبضتها عاجلاً أم آجلاً!

في تلك الأثناء، ربّما بسبب توافق ضمني ما بين الصيّاد والطريدة، بدأت ملامح يواكينا تتّخذ شكل أيقونة جميلة ذات ألوان جذّابة. الحماقة لا بد أن تكون مدهشة، خاصة عندما تبدو الضحية أكثر انسجاماً ممّا نتصوّر.

“هل يمكنك أن تدلّيني على شارع مانطوفا؟”، سألتها وأنا أقترب منها وسط جموع العمّال والموظّفين.

“هل أنت أجنبي؟”.

“نعم، اسمي نزار، من سورية”.

“لاجئ، أليس كذلك؟ أية حرب هذه التي تخوضونها هناك في بلدكم؟! إنه لأمر مرعب حقّاً!”.

تردّدتُ قليلاً، ثم أجبت: “كلّا، أنا لست لاجئاً”.

“آه! لابد أنني أخطأت!”، قاطعتني، بينما عيناها التمعتا ببريق خافت.

” كلّا … كلّا … لم تخطئي، لقد كنت لاجئاً قبل سنتين، إنما الآن أملك إقامة رسمية وأعمل في دباغة للجلود في فيرونا”.

“آه، فهمت. وماذا تفعل في ميلانو إذا كنت تعمل في فيرونا؟”

“أنا على موعد مع صديق، ها هو… لقد وصل!”.

انضمّ لورنزو إلينا وبادرني قائلاً:

“ألم أقل لك بأن شارع مانطوفا قريب من الساحة؟ أنظر، كان يكفي أن تمشي عدّة خطوات إلى الأمام وتنعطف نحو اليسار…”.

“أقدّم لك لورنزو، صديقي، من الجنوب الإيطالي”.

“يواكينا منديس”، قدّمت نفسها، ثم أضافت: “أنتم أيضاً بدأتم تهجرون أراضيكم، أليس كذلك؟”.

“نعم، توجد بطالة كبيرة في صقلية. في الماضي، كنّا نهاجر إلى أميركا، أمّا الآن فالوجهة هي نحو الشمال، وإذا لم نجد عملاً هنا، نجرّب حظنا في ألمانيا أو هولندا”، أجاب لورنزو بمرح، “حسناً، ما رأيكم في أن نتناول طعام الفطور في هذا المقهى؟”. كان يُمثّل بشكل جيّد ولم يطرأ أيّ تعديل على دوره. يواكينا لم تُبدِ أي اعتراض، اتجهت مباشرة نحو المقهى، بينما نحن بقينا جامدين في مكاننا.

“أبهذه السهولة؟!”، تمتمتُ بانذهال. لورنزو لم يجب، ولا أعتقد بأنه كان يصغي إليّ.

“ماذا حدث؟ ألا تأتيان؟”، صاحت يواكينا، وولجت باب المقهى دون أن تنتظر إجابتنا. حدقتا عينيها كانتا قد اتسعتا وحاجباها ارتفعا ليلامسا ذؤابة شعرها الخرنوبي.

“كلّا… كلّا…”، اندفعتُ أنا، وتبعني لورنزو بهدوء.

“فلنذهب ونتحدّث في مكان آخر بعيداً عن ضجّة المقاهي”، قال لورنزو بعد أن جلسنا. في تلك الساعة، كان معظم الزبائن ينتظرون بشيء من نفاد الصبر تناول طعام الفطور والالتحاق بأعمالهم قبل أن تدقّ الثامنة. نحن أيضاً بدأنا نلتهم الكرواسان ونرتشف الكابوتشينو بسرعة لنتماهى معهم.

“أين؟”، سألت يواكينا، بعد أن ابتلعت لقمة كبيرة وتبعتها برشفتين من الكابوتشينو.

“في شقّتنا، طبعاً. البناية عندنا تصبح خاوية تماماً بعد الساعة الثامنة”، أجاب لورنزو وهو يحدّق مباشرة في عينيها الرماديتين، ودون أن ينتظر ردّها، نهض واتجه نحو صندوق الدفع. أكان يعرف رأيها؟ أم أنه قرأ أفكارها؟ فجأة، أصبحت حواسي رهينة فضول جارف: فلنر ماذا سيحدث هذه المرّة.

كان الضباب يلف الشوارع، وأنوف العابرين، وأنوفنا طبعاً، بدت مستسلمة بإذعان بليد للسعات الهواء البارد. يواكينا، التي تمشي بجوار الحائط، كانت تقف بين لحظة وأُخرى لتردّ على الهاتف، أو تبحث عن منديل في حقيبتها. كانت ترتدي معطفاً طويلاً من الجلد وتلف رقبتها بلفاع سميك من الصوف، ولكن كلّ ذلك، على ما يبدو، كان غير كاف للاحتماء من البرد القارس.

قبل أن نصل إلى البيت، اشترى لورنزو من إحدى البقاليات المجاورة ثلاث علب من الجعّة وكيساً كبيراً من البطاطس. في تلك اللحظة، رأيت وجهه الآخر، وأعتقد بأن الرعب هو الذي دفعني إلى ذلك الصمت المريب. لم تكن تلك ملامح إنسانية، إنما قناعاً يجمع في قسماته كلّ ما يمكن تصوّره من بشاعة مقزّزة وقسوة تفوق أبعاد كل شرّ محتمل.

الشقّة التي تقع في الطابق الثاني من مبنى قديم، كانت مؤلّفة من غرفة نوم وغرفة معيشة وردهة طويلة تؤدّي إلى المطبخ الذي يُطلّ على مرج تتناثر على جنبتيه أشجار الحور والدلب وسياج من شجيرات الغار. كانت النوافذ موصدة بعوارض خشبية، والمنفذ الوحيد كان الباب الخارجي الذي أقفله لورنزو بحرص بعد دخولنا. التحرّيان اللذان يرصدان حركاتنا منذ التحقيقات الأولى، كانا يجلسان في زاوية المرج، متنكّرين بألبسة عمّال صيانة الطرق. راقبناهما من النافذة لبعض الوقت ونحن نطلق تعليقات لاذعة بحقّهما، ثم جلسنا بصمت على الكنبة.

أدار لورنزو جهاز التلفاز وألقى بنفسه على إحدى الأرائك بعد أن تناول علبة جعة من الكيس الورقي. كان واضحاً من أنه سيحدّد مسار اللعبة هذه المرّة أيضاً، رغم بعض تلميحاته العابرة من أنّ دوري كان سيحين في وقت أقصر مما أتصوّره. وبنفس الصوت الخالي من أي تعبير، بدأ يردّد على مسامعنا مخاوفه القديمة من أن نشي به إلى الشرطة.

“إنه مجرّد احتمال، ولكنّنا في صقلية نتحسّب كثيراً!”. كانت هذه أول إشارة إلى قرار تصفيتنا الذي يبدو أنه اتّخذه بعد أن رأى التحريّين في الأسفل، وكان قد كرّر أكثر من مرّة، منذ دخولنا إلى البيت أنه، عندما ترى الشرطة تحت بيتك، فهذا يعني بأن أحد ما قد وشى بك. وعبثاً حاولنا، أنا ويواكينا، أن نحيده عن رأيه، بل ازداد إصراراً، وفي غمرة النقاش، أخذ يتكلّم بلهجة زعيم مافيا، مُقلّداً في حركاته ونبرة صوته مارلون براندو في فيلم “العرّاب”.

أمام هذه المفاجأة الغريبة، انتابنا الذهول، ولم نعد نتكلّم إلاّ عندما يطرح علينا الأسئلة، مع ذلك، كان يبدو أكثر قلقاً وإحراجاً من ذي قبل. المكان المغلق، حسب تصوّري، كان لا يسمح له إلّا باختيارين: إمّا أن يقضي علينا، أو أن يُطلق سراحنا. كان من المحال التفكير أنه سيحتفظ بنا كسجناء دون أن يصادف متاعب كثيرة، أوّلهما وصول القضية إلى الشرطة بسبب اختفائنا المفاجئ، وثانيهما حصر التهمة به لكونه صديقنا المقرّب. هو كان يتظاهر بأنه لا يولي أي اهتمام لهذا الأمر، وربّما لا يفكر به مطلقاً.

كان هذا احتمالاً مربكاً أكثر من أيّ شيء آخر، لأن تفكيره في تلك اللحظة كان منحصراً فقط حول تطوير المأزق والوصول به إلى نقطة اللا عودة. في الحقيقة، كنّا قد بدأنا نسأم من تلك اللعبة: ثلاثة عاطلين عن العمل يمارسون نفس اللهو كل يوم لكي يقاوموا السأم. من جهة أخرى، كان يبدو أن يواكينا أيضاً قد أدركت ذلك منذ اللحظة الأولى، وربما تتصوره الآن باندفاع كوينتين تارانتينو، ولا تدري فيما إذا كان اتجاهه هذه المرة سيكون ساخراً أم دموياً سافراً.

ربما كانت تعرف – أو أنها لم تكن متيقنة تماماً – أنه سيقتلها فوراً، أو، فيما لو أراد أن يشبع غريزته الدموية، أن يعذّبها لأيام بحالها، وربّما لأشهر طويلة حسب مقدرتها الجسدية على التحمّل. برنامج سادي كان سيتخلّله أصناف مرعبة من عذاب طويل وأليم، كما في العصور الوسطى، بينما أنا سأكون الشاهد الوحيد على موتها، هذا إذا كان الأموات يستطيعون أن يدلوا بشهادتهم بطريقة ما! كان يشاع بإدراك، أو عن قصر نظر، أن موت الغرباء لا يثير أي اهتمام، وفي أفضل الأحوال سيبقى مقيداً ضد مجهولين والجثة ستحال إلى مقبرة البلدية أو إلى المستشفى الجامعي، سانتا ريتا سابقاً.

بعد ساعة تقريباً من تعذيب قاس، اعترفت يواكينا بأنها بوليفية الأصل (حتى يوم أمس كانت تدّعي بأنها أرجنتينية)، وأنها قصدت ذلك المكان بحثاً عن مصنع مهجور أو شيئاً من هذا القبيل، لكي تبقى قليلاً مع نفسها وتفكّر في مستقبلها، لأن الإرهاق النفسي لم يعد يترك لها مجالاً لتفعل حتى أقلّ الأشياء تفاهة. ولكي تثبت ما تقوله، أخرجت من حقيبتها بعض الأوراق وألقتها على الطاولة:

“أنظروا”، قالت وهي تشهق، “إنها ردود مبهمة من شركات ومكاتب تبحث عن مرافقات للمسنّين. هنالك أيضاً توصيات من النقابات والجمعيات الخيرية … ثم أن أهلي ينتظرون هناك على سفوح جبال الأنديز، حيث يعيشون في قرية بائسة على ارتفاع 4000 متر فوق مستوى البحر … إذا كنت أنا لا أعرف كيف أتدبّر أمري، فكيف يمكنني أن أساعدهم؟!”.

ضحك لورنزو بسخرية من هذا التبرير، وجزم بأن الأغبياء فقط يمكنهم أن يفكّروا بهذه الطريقة، لأن الوقت هو ملكية إلهية، وبالتالي لا يمكن الالتفاف عليه، إلا إذا كان الأمر يتعلق بهرطقة مبتذلة.

“هل بإمكاننا الهرب؟”، أضافت بنبرة شاكية بعد برهة من الوقت وهي تنظر نحوي بتوسل.

طبعاً، لا شيء كان يمنعنا عن ذلك سوى الباب المقفل، وأية محاولة، حتى ولو أنها محاكاة هزلية لمشاهد سينمائية معروفة، كانت ستواجه بردّ فعل شرس، و يواكينا كانت ستدفع الثمن فوراً. فكما أسلفت، كان لورنزو قد اختارني لأن أكون شاهداً على موتها، دون أن يذكر أي شيء عن الاشكالية التي يمكن أن نقع فيها سوية، فيما لو اضطررت أن أشهد ضده في المحكمة، ففي النهاية، كما كان يكرّر مراراً، كنا شركاء في السرّاء وفي الضرّاء، والمفتش كان يعرف ذلك جيداً.

المشكلة الأخرى التي كانت تقلقنا، هي طرق الذاكرة المسدودة، ففي هذه الحالة، كان الأمل يبدو ضئيلاً جداً في اللجوء إليها كمنفذ محتمل لتفادي الكارثة. ولكن بعكس توقعاتي، لاحظت بأن لورنزو بدأ يتذكر كل شيء عنها، ابتداء من اللحظة التي التقينا بها لأول مرة في ناد ليلي يرتاده المهاجرون بالقرب من “بياتزا ماتشاكيني”، وانتهاء بعملية السطو على ميني ماركت في شارع بادوفا.

في تلك الأثناء، بعد أن أنهى لورنزو كل الترتيبات التي تسبق اللحظات الأخيرة، أدركت بأننا تجاوزنا بالفعل كل الحواجز التي كانت تمنعنا من التوغل في غياهب عالم غالباً ما كنّا نقترب من دروبه ونستشف أسراره بخوف وحذر شديدين. ولكن، في نهاية الأمر، ما حدث كان يبدو لنا قصة اعتيادية، من تلك القصص التي يقوم ببطولتها المهاجرين في أيام الشتاء الباردة دون أية براهين يمكن أن تثبت ادانتهم، ولحسن الحظ، هذه المرة أيضاً، لم نكن نحن من اقترف تلك الجريمة البشعة.

“أجل، لحسن الحظ”، أجاب لورنزو وهو يتأمل بفضول احترازي جثة يواكينا الممدّدة على أرض غرفة المعيشة، ولا أدري كيف وجدت نفسي أنا أيضاً ممدّداً إلى جانبها. أذكر فقط ومضة قوية دفعت رأسي بعنف إلى الوراء وملأت فمي بالدم، وأعتقد بأنه سنحت لي لحظة، ربما أقل من عشر الثانية، لأتمتم: “ولكن كيف يمكنني أن أشهد على موتها الآن؟!”.

* كاتب سوري مقيم في ميلانو