Business is booming.

صندوق النقد يحمي مكتسباته

لم يمضِ أسبوع على نشر مقالي السابق، الذي ذكرت فيه أن “صندوق النقد ينتظر الإشارة من مصر” لتقديم قرض جديد، حتى أعلنت الحكومة المصرية عن تقدمها، والبنك المركزي، للصندوق بطلب حزمة مالية جديدة، طبقًا لبرنامج أداة التمويل السريع، لتعزيز قدراتها على مواجهة أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

وأعلن مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، أن الخطوة التي اتخذتها الحكومة استندت إلى نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي، وأنها اتخذت للحفاظ على استمرار “المكتسبات” التي حققها الاقتصاد المصري، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها كل دول العالم، مشيراً إلى أن المباحثات مع الصندوق بشأن هذا الطلب وصلت إلى مرحلة متقدمة، خاصة في ضوء “المكتسبات” التي تم حصدها خلال الفترة الماضية.

وفي الوقت الذي أكد فيه طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، أن “الأموال أتت إلينا من كافة المناحي وأصبحت لدينا مرونة لتعويض الخسائر”، وقالت هالة السعيد، وزيرة التخطيط، إن “الاقتصاد المصري كان في أفضل حالاته قبل أزمة انتشار الفيروس، وحتى شهر مارس / آذار الماضي، أيد الاثنان فكرة التوجه للصندوق للحصول على قرض جديد.

من ناحيته، أكد محمد معيط، وزير المالية، أن أزمة وتبعات انتشار الفيروس تطلبت مزيداً من الإنفاق الحكومي، وأثرت على الإيرادات، مشيراً إلى أن “الحفاظ على مكتسبات الإصلاح الاقتصادي حول المحادثات مع الصندوق باتجاه طلب الدعم التمويلي.

وأكد بيانٌ رسميٌ صادرٌ عن مجلس الوزراء نفس المعنى، موضحاً أن تمويل الصندوق في هذه المرحلة “يعد مهماً جداً للحفاظ على المكتسبات والنتائج الإيجابية التي تحققت في السنوات الأخيرة”.

وسارعت كريستالينا جورجيفا، رئيسة صندوق النقد الدولي، يوم الأحد الذي هو عطلة أسبوعية، ومن منزلها التزاما بأوامر البقاء بالمنزل، بإعلان تأييدها تقديم القرض لمصر بعد دقائق من إعلان رئيس الوزراء المصري، “دعماً لسياسات الاقتصاد الكلي القوية التي تتبعها الحكومة المصرية، وحماية للمكتسبات الكبيرة التي تحققت في ظل الاتفاق السابق”. 

لم يكن واضحاً لي فور سماع الأخبار عن أية مكتسبات يتحدثون، وهم يتجهون نحو الحصول على قرض جديد، يشبه ما اتفقنا عليه قبل ثلاث سنوات، وأطلقت عليه وكالات الأنباء العالمية “حزمة إنقاذ”، بينما اعتبرته وسائل الإعلام والحكومة المصرية “شهادة ثقة” في الاقتصاد المصري.

لم أستطع الإجابة على سؤال ابني طالب الجامعة “إذا كان التوجه مرة أخرى للاقتراض يعتبر تأكيداً للمكتسبات الكبيرة التي تم تحقيقها، فلأي طريق يفضي فشل السياسات والإخفاق في تحقيق تقدم اقتصادي حقيقي، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحصول على قرض من الصندوق بقيمة 12 مليار دولار!”.

هاتفت صديقي الذي يشغل منصباً هاماً في البنك المركزي المصري لأسأله عن ماهية “المكتسبات” التي يتحدث عنها الجميع، فأشار إلى معدل النمو، ورصيد احتياطي النقد الأجنبي، ومعدل التضخم. وعرض الصديق بعض الأرقام التي تبدو في ظاهرها الرحمة ولا يعكس باطنها إلا كل صنوف العذاب التي يتعرض لها أكثر من تسعين في المائة من الشعب المصري.

حدثني صديقي عن معدل نمو يقترب من 6.5% خلال العام الماضي 2019، فبحثت في أكثر من مصدر ووجدت أن معدل نمو الناتج المحلي المصري لم يتجاوز 5% في 2019، وأنه تزامن مع زيادة الديون الخارجية بنسبة 16%، لتصل بنهاية شهر سبتمبر / أيلول الماضي إلى أكثر من 109 مليارات دولار، بعد أن كانت 94 ملياراً قبلها بعامٍ واحد.

ورغم أن ما تم الحصول عليه من قروض أجنبية خلال الفترة كان كفيلاً، حتى لو تم منحه للمواطنين في صورة مدفوعات مباشرة فقط ولم يستخدم في أي مشروع اقتصادي، بتحقيق معدل نمو أكبر مما تم تحقيقه، إلا أن الصورة التي يتم تصديرها من خلال الإعلام وتصريحات المسؤولين تبدو مختلفة. 

بالفعل، حققنا معدل نمو لا بأس به (ظاهرياً)، إلا أن ارتفاع الدين الخارجي بأكثر من ثلاثة أضعافه لم يكن يعني إلا زيادة نصيب كل مواطن مصري من هذا الدين.

وفي نفس الاتجاه، يتسبب معدل الزيادة السكانية في مصر، والذي يتجاوز 2%، في انخفاض معدل نمو متوسط دخل الفرد لأقل من ثلاثة في المائة، ويقل المعدل كثيراً عن ذلك لو أخذنا في الاعتبار السياسات الاقتصادية المتبعة، التي لا ينتج عنها إلا زيادة غنى الأغنياء، ونزول الملايين تحت خط الفقر، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي المصري للإحصاء والبنك الدولي.

أما رصيد احتياطي النقد الأجنبي، فقد ارتفع من 26 مليار دولار في نهاية عام 2016، الذي شهد توقيع الاتفاق مع صندوق النقد قبل نهايته بعدة أسابيع، إلى 45 ملياراً بنهاية العام الماضي وقبل خسارة 5.4 مليارات دولار في شهر مارس / آذار الماضي، بفعل انتشار وباء كورونا وجهود احتوائه، بزيادة حوالي 19 مليار دولار.

بينما ارتفع الدين الخارجي خلال نفس الفترة بأكثر من 40 مليار دولار، تمثل أكثر من ضعف الزيادة في رصيد الاحتياطي، وهو ما يؤكد ارتفاع الاحتياطي بالقروض، مع إهدار قدر لا بأس به منها فيما لا نجد له أثراً على أرض الواقع، اللهم إلا سد العجز في ميزان المدفوعات.

أما التضخم الذي انخفض أخيراً إلى 7%، فما زال أعلى من أي معدل نمو تم تحقيقه خلال الفترة الماضية، ولو تجاهلنا تأثير الأوقات التي تجاوز فيها 30%، والشهور التي استقر خلالها فوق العشرين في المائة، فإن ارتفاعه فوق معدل نمو الناتج المحلي لا يعني إلا انخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي وتراجع مستوى معيشته.

في النهاية، أدركت أن المكتسبات التي يحاول الجميع الحفاظ عليها بتوجه مصر نحو الصندوق مرة أخرى لم تكن بأي حال مكتسبات لمصر، وإنما هي مكتسبات للصندوق، الذي سيحصل على كل مليار دولار جديد يقدمه لمصر على أكثر من 40 مليون دولار من الفوائد السنوية، فعرفت أنهم كانوا جميعاً على حق، وتحيا مصر.