Business is booming.

الخبير الأممي عبد الوهاب الهاني يعلّق على إلغاء عقوبة الجَلد في السعودية واستبدالها بعقوبتي السجن أو الغرامة

بقلم الخبير الأممي عبد الوهاب الهاني

إلغاء عقوبة الجَلد في السعودية واستبدالها بعقوبة غير بدنَّية السِّجن أو الغرامة، تطوُّر مهم في القانون الجزائي الإسلامي.

يوم الجمعة أوَّل أيَّام رمضان 1441 لهجرة خير الأنام، وفق 24 أفريل 2020 للميلاد، تم إلغاء عقوبة الجَلد، في آخر إحدى معاقلها في الممكلة العربيَّة السُّعوديَّة بعد أكثر من قرن ونصف من إلغائها في تونس الإصلاح الدِّيني..

العقوبات البدنيَّة كانت أبرز جدالات حركة الإصلاح عل خلاف كبير مع إخواننا فقهاء الحجاز وكامل الجزيرة العربيَّة أساسا، ثمَّ مع رافعي شعار “تطبيق الشَّريعة” في العصر الحديث من روَّاد مجموعات ما يصطلح عليه ب “الإسلام السِّياسي” وأساس “حركة الإخوان المسلمين” وتفريعاتها، خاصَّة في تحارب الحكم في السُّودان أساسا..

حيث اعتبرنا نحن السَّادة المالكيَّة في تونس الجامع الأعظم جامع وجامعة الزَّيتونة المعمور وإخواننا في القرويِّين لفاطمة الفهريَّة القيروانيَّة في فاس في المغرب وفي الأزهر الشَّريف في قاهرة المُعز لدين الله الفاطمي التُّونسي أن عقوبة الرَّجم عقوبة غير إسلاميَّة بتاتا، واعتبرت الزَّيتونة مند منتصف القرن التَّاسع عشر أنَّ قطع يد السَّارق لا يراد بها البتر المادِّي بل المعنى المجازي الَّذي يعني العقوبة الَّتي تمنعه من العوْد للسَّرقة وكذا بالنَّسبة لعقوبة الرَّجم..

حتَّى قال الشَّيخ محمود أبو زهرة شيخ الأزهر الشّريف وتلميذ الشيخ الجليل سيدي محمد الخضر الحسين الزَّيتوني النَّفطي التَّونسي الإمام الأعظم شيخ الجامع الأزهر أنَّ عقوبة الرَّجم مثلا لا أساس لها في الإسلام غير ممارسة قصيرة في حالات معدودة قبل نزول الآية التي نسختها، وأنَّها تتناقض مع روح العقوبة في الإسلام..

واعتبر أغلب المُجدِّدين من المدرسة المقاصديَّة العقلانيَّة “المغاربيَّة” (المغرب الكبير ومصر، والباب العالي في الأستانة إستنبول بتأثير من حركة الإصلاح) أنَّ “الحدود” ليست العقوبات بل حدود الجرائم الَّتي يعاقب عليه الشَّارع، على عكس المدرسة الحرفيَّة “المشرقيَّة” السَّلفيَّة الوهَّابيَّة والإخوانيَّة في عدد من تلويناتها.. “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا”، و “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا”.. بمعنى “لا تقربوها” و “لا تعتدوها”، وهو تحديد الحد الَّذي بتجاوزه تحصل الجريمة وليس بمعني العقوبة..

وقد فرَّقت أمم الإسلام كما أمم العالم بين “السياسة الجنائية” لتحددي الجريمة و”السِّياسة االعقابيَّة” لتحديد العقوبة المستوجبة في حال تجاوز “الحد”.. وهو ما تفطَّن إليه المشرِّع الإسلامي في تونس منذ زهاء 173 عاما منذ فقرنين إلَّا الرُّبع..

تخليص الشَّريعة الإسلاميَّة السَّمحاء من اجتهادات فقهاء أكثر المدارس الإسلاميَّة تشدُّدًا شرط من شروط الإصلاح الدِّيني والقانوني والانطلاق الحضاري في عالمنا الإسلامي..

وقد كانت لجنة الأمم المتَّحدة لمناهضة التَّعذيب دأبت، بحرص من العبد الفقير الخبير الأممي عبد الوهَّاب الهاني وبخط يده وبريشة قلمه ومُثابرة متابعته، على توصية الدُّول بضرورة مراجعة قوانينها الجنائيَّة للاستعاضة عن العقوبات البدنيَّة (عدد من الدول الإسلاميَّة السَّلفيَّة والوهَّابيَّة والدول وريثة القانون الجنائي الاستعماري البريطاني وبعض التقاليد الآسياوية) بعقوبات بديلة تحفظ المجتمع من الجريمة وتحفظ كرامة المُدانين وسلامتهم الجسديَّة، لتيسير إدماجهم في المجتمع بعد قضاء العقوبة وإصلاحهم..

فالقانون الدُّولي لا يتدخَّل من هذا المنظور في السِّياسة الجنائيَّة للدَّولة وإنَّما في السِّياسة العقابيَّة لأنسنة العقوبة.. الخروج من حصر الإسلام العظيم في الاجتهادات الأكثر تشدُّدا في موضوع العقوبات البدنيَّة سيسمح بفتح باب الاجتهاد في مقاصد الدِّين الحنيف وتحريره من رواسب الاجتهادات البشريَّة الماضية، ويعيد معاني الكرامة والحرِّيَّة والتَّحرُّر والأخلاق والتَّآخي والتَّضامن جوهرا لمقاصد الشَّريعة السَّمحاء، وسيساهم في إعادة بناء فلسفة القانون والفلسفة الجنائيَّة والفلسفة العقابيَّة في الفقه الإسلامي، انطلاقا من روح الدَّين الحنيف ومقاصده النَّبيلة..