في كتاب "ما دام في الثورة التونسية نساء": هذا ما أرّخته الفقيدة لينا بن مهني عن يوم 14 جانفي وعن شهيد الرقاب ووالدها وأمها وجدتها

الأخبار
Editorial Department28 يناير 2020
في كتاب "ما دام في الثورة التونسية نساء": هذا ما أرّخته الفقيدة لينا بن مهني عن يوم 14 جانفي وعن شهيد الرقاب ووالدها وأمها وجدتها


ساهمت الفقيدة لينا بن مهني في كتاب :”ما دام في الثورة التونسية نساء” للاعلامي المنصف بن مراد بالنص التالي: 

بقلم لينا بن مهني
مدونة وناشطة حقوقية

ما دام في الثورة نساء…
 
“شامخة، طائرة، متعالية على أوجاعها، متسامية وهادئة كثورة شعبنا، أفلتت والدة  شهيد الرقاب  هنيهة مني ثم سرعان ما عادت  وهي تكاد تبسم، على وجهها إشراق و في عينيها بريق، مسكتني من يدي، ضمتني  مرّة اخرى الى حضنها، بلت ريقي بشربة ماء و قادتني دون ان أدري إلى حيث كان الشهيد مسجى و قالت : «أريدك أن تصوريه  وأن تدفعي بصوره إلى كل الدنيا! لير العالم بطشهم  ولير كيف نصعد مبتسمين ! لا، أبدا، ولدي لم يمت، ولدي تزوج حلمه  ومضى  نحو الخلد مزهرا»!
صورت ولامست شفتاي ـ مودّعة ـ جثمان الشهيد، بل الشهيد وهو يبسم… وجفت في حلقي العبرات ولم تدمع عيناي…
يحب والدي أن يقول و يكرّر القول إنّ شارع الحبيب بورقيبة كان يوم 14 جانفي 2011 شارع البنات أولا… لا أدري إن كان ذلك صحيحا و لكنه يؤكد بوثوق: «نصف المتظاهرين أو يزيد كانوا نسوة  وأغلب النسوة كن في عمر الزهور العاتيات» … وإذ أمضي في معاكسته قائلة مع أمي إنّ حقيقة الأمر غير ما رَآه هو فحسبه الواقع لانه على الدوام نصير النساء يغالب يأسه منّي ولا ينفك يغالطنا: «ليكن! ولكن هل بوسعك، وانت لا تجانبين الصدق، أن تنكري  أنّ المرأة كانت غالبة في الصفوف الأولى وأنّ صوت الشابات كان أعلى؟!» .

وتقاطرت إلى ذاكرتي الصور تزاحم الصور… صلابة جسدها إلى نافذة «اتحاد الشغل»  تخطب في الناس فيشتد جاشهم / تلك المرأة التي جاءت من عملها البغيض تلتوي ساقها وينخدع حذاؤها وهي تهرب من هراوة الشرطة وعصي الميليشيات، فيسودها  سند في سخاء شعبنا كله أيام التنادي ، وتظل تصرخ وجع الآخرين لا وجعها محتجة: «كيف تقتلون أبناءنا في سيدي بوزيد؟»/ راضية تشهر كسوة حمة في وجه العسس قدام عرينهم  وعلى مسمع من وزيرهم الجديد وفي لبها أن تحتضنه  يخرج من قبو التعذيب الممنهج فينضم الى الطوفان المجيد / تلك المرأة وقد جاءت جدة تصحب ابنتها و الحفيدة في تحد ظاهر و سخاء عمر لا عن قلة ادراك أو بفعل سهو / عمتي التي كست منذ أن حجت رأسها ولكنها لم تجد له من الداخل فظلت يسارية الهوى  لا تتخلف عن وقفة أو مظاهرة أو جدال… تنام تحت الرذاذ  بالقصبة ولا تسهر حانية علي وعلى بنتيها الطالبتين للعلم / تلك الشابة التي حماني زوجها خلال الأيام العسيرة تفتح أبواب غرف فندقها للجميع تحميهم وتقرهم وتذود  عنهم عتاة القمع  هائجين انخلع صاحب الفضل عليهم ولم ينخلعوا…/ المدونات وقد غلبت أعدادهم المدونين يحتفين بالثورة ويخلدن الشهداء وسط الشارع ، صمتا خاشعا وشموعا متلألئة كالأرواح وشيئا قليلا من غناء شجي/ صمود أمام طلائع  جحافل الطالعين علينا من الكتب الصفراء،  جاؤوا يفسدون علينا حزننا المتطلع و يبغون علينا اذ يبتغون أن ينسد أمام عيوننا  الأمل / ليلتها ـ أذكر الان كل ذلك جيدا ـ أحسست  شهيد الرقاب واقفا  وسط الحلقة شامخا  يبتسم في صمت وفي عينيه تحد وتطلع و شيء كالشكر  فانهمرت دموعي رذاذا بلل خاطري وهدأ لوعتي/ فاتن وهي تتحول، تترك تدوينات الأكل ولذائذ الحلوى وتنزع أثوابها الفاخرة  ليسهل المشي والجري وتندفع!

ولا تنفك الصور تتابع الصور، تناديها، تبزها، تنضم إليها، تؤازرها، تدفعها، تحتضنها  وتتكئ عليها: أول مظاهر للنساء نزلن الى الشارع  يقوّمن مسار الثورة ، يذدن عن مواطنتهن كاملة وإنسانيتهن لا لَبْس فيها / والهمج يتقيؤون في وجوه أمهاتهم، أخواتهم، بناتهم «إنّ الزمن مطابخكن … وتوشحن بالسواد المطلق، وحافظن على….»/ تلك اليافعة جاءت من مدرستها  تودع الشهيد، تردد الشعارات، تبكي، تنشد بحماس  تطاول الاحزان  ترنو الى قمر  تراه يظلل الجثمان المحمول على الأكف الغاضبة نورا على نوره… / مباركة مباركة كزيتونة عتيقة ، مقبسين نار ونور، تحوّل فاجأها «تسونامي» تنخلع له أفئدة الطغاة  الفاسقين السفاحين  مغتصبي الدين والفقه والمتاجرين بكل شيء بائعي البضائع المهربة  والعطور المغشوشة  وسراب الجنة…
تلك الفاضلة  تقتحم صفوف المحامين  قبل مسيرتهم و تخطب فيهم تقول جَهْرًا  بل تصدح وكأنها  لم تنقطع، حياتها، عن القول و الخطب فتفضح على الملإ و أمام عسس الجائر ما كان شجعان قلة  يتهامسون به في مجالسهم المختارة وأصابعهم تنقر أزرار هواتفهم  لتطفئها / حرائر  تونس و هن ينزلن كل ليلة الى بطحاء باردو / حرائر  تونس وهن يسرن من باب سعدون حتى باردو  فيهلع العتاة و تنخلع قلوبهم  فيكادون يفرنقعون  وعن حبيبهم بل آلهتهم السلطة  ينزاحون أو يكادون / سلمى وسلمى وكريمة ونادية النائبات المستعصيات تعوّدن المبيت في العراء  أو في خيمة تكاد لا تنتصب / الجمعيات تغزوها النساء، تجتاحها وتنوّرها  ضحكات أمل وبسمات مغالبة  ورقص تحد: هذه جمعية  اكثر من نصف أعضائها نساء، وهذه جمعية  ترأسها نساء ، وهذه جمعية  كان قدرها ان تتلاشى لولا النساء: هند تصد حكم الإعدام، ورجاء تعد الطعام للمعتصمين ، وفايزة تناور الرقيب  وتتحول مدونة، وفاتن تُمارس طبعا على الرصيف، و«قابي»  تنافح المتغطرسين وتدخلني رغما عنهم الى المحكمة / «روزي» ترفع العلم الوطني في وجه طيور الظلام / نزيهة وصديقاتها يهرعن من فراش النوم  لينصرنني وقد انصب علي جلادو الأحرار بجربة يبتغون إذلالي.

وجه أمي تخفي إشفاقها علي وغالبيتها لا تريد أن تبينه رغم أنني لم أتوخ الحذر فآليت في الاندفاع  تصر على ان تكون في كل وقفة ومظاهرة وكل احتجاج، تهب الى «المسعدين» سعيدة بأن خلصنا منه «سجينة فكرة» وهي لا تشاركها الفكرة … تلك البنية تمنع عن مدرستها وتقف مزهرة صحراء هزيلة لكن بديعة تذود عن حقها في أن تدافع عن الفنان ولو بالضرب مثله / وجه جدّتي عاجزة وهي تدعو لي وتبتسم  وخالي يقول إنّها آمنت بحقوق النساء  منذ نعومة أظافرها ولذلك ظلْت  تهتف لبورقيبة حتى بعد أن خلع.
وجه جدّتي الاخرى تصارع المرض وتمضي نحو قدرها هي تغنيني عن «السياسة» لا تريد لي السجن الذي ارتاده  ابي، أحس بالفخر في نبرة صوتها فامازحها. أقول: «كنت ام السجين المكافح وستغدين جدة الشهيدة» فتصطنع الغضبة لا تغضب / أمي وهي تهب نمرة غضبى تنتزع من مخالب هراوات الحاكم الغاصب شبابا يختطفون لينزع منهم التوق والفعل / عمتي رشيدة وهي تصرخ في وجه الجلادين في عرينهم  فيرتدون ولا تهدا.
نساء تونس تظاهرن وسرن طويلا، ولم تثنهن عن الاحتجاج لا الرياح القاحلة ولا الأمطار المتهاطلة ولا البرد ولا الحر ولا الكلاب المسعورة…
نساء تونس انخرطن في الفعل السياسي و الفعل الإبداعي، وأقنعن في الإذاعات والتلفزات والمدونات والصّحف… نساء تونس أدركن بفعل الثورة  أنهنّ قوة القوة وأنهنّ قادرات على زعزعة العروش وكبح جماح المتغطرسين…

نساء تونس أبدعن، و نوعن، و تحدين ولم ينفككن  يتحدّين كل يوم في كل مجال: الطب والجامعة ووسائط للاتصال وتحدي الإعاقة، واجتراح الأمل من الإحباط، وشدة البأس و… المعاودة !

نساء تونس لم يصنعن الثورة! نساء تونس ظهرن على حقيقتهن المبهرة وهنّ يسهمن في صنع الثورة!
ومادام في الثورة النساء فالثورة وإن خبت لحين، ستمضي حتى غايتها”.