الاعلامي محمد اليوسفي يوجه رسالة الى رشيدة النيفر

Editorial Department29 ديسمبر 2019
الاعلامي محمد اليوسفي يوجه رسالة الى رشيدة النيفر


السيّدة رشيدة النيفر المستشارة المكلفة بالإعلام و الاتصال برئاسة الجمهورية:

تحيّة تليق بمقامك…

يسرني في بداية هذه الرسالة المفتوحة أن أتوجه لك بأصدق وأطيب عبارات التهاني بمناسبة تكليفك بالإشراف على ملف الإعلام والاتصال ضمن فريق الرئيس قيس سعيّد وإن كان هذا بشكل متأخر نسبيا حيث لم تتوفر لي الفرصة للقيام بذلك مباشرة ، معربا عن تمنياتي لك بالتوفيق والنجاح في هذه المهمة الوطنية الجسيمة وأنت أهل للمسؤولية فتاريخك كمناضلة نقابية صلب جمعية الصحفيين ومسيرتك كمدافعة شرسة عن قضايا الحقوق والحريات فضلا عن مسارك الأكاديمي كأستاذة قانون بالجامعة التونسية يؤكد كل ذلك .

أمّا بعد…

لقد لاحظت في الفترة الأخيرة تزايد وتيرة الغضب والاستياء في صفوف العاملين بالقطاع الإعلامي وخاصة لدى الزميلات والزملاء الصحفيين-وأنا واحد منهم- فارتأيت أن أوجه لك هذه الرسالة المفتوحة.وإني على يقين تام بأنّه سيتم تقبلها برحابة صدر وروح ديمقراطية صرفة تنمّ عن إيمان عميق بأهمية المقاربة النقدية والتشاركية في وضع لبنات سياسة اتصالية واضحة وناجعة لرئاسة الجمهورية تتماشى مع تحديات المرحلة الراهنة داخليا وخارجيا.

وكلّ هذا من المهم أن يتم بعيدا عن نظرية المؤامرة والصيد في الماء العكر التي لا يمكن لأيّ كان من الديمقراطيين أن ينافس فيها عرّابي الدعاية الفجّة والممجوجة مثلما كان الحال في زمن حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي وسطوة وكالة الاتصال الخارجي سيئة الذكر وأنت شاهدة على العصر باعتبار أنّك كنت صحفية بجريدة لابراس التي كانت توصف بالحكومية وقتها.

إنّ المتابع الموضوعي للأداء الإعلامي والاتصالي لمؤسسة رئاسة الجمهورية التي تعدّ واحدة من أهم مؤسسات الدولة بل ربّما أهمهما من الناحية الرمزية والسياسية فالرئيس قيس سعيّد هو اليوم المسؤول الأوّل عن احترام الدستور ووحدة وسلامة تراب البلاد باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، يستشعر حجم النقائص والأخطاء التي تتطلب وقفة تأمل ومراجعات حقيقية هادئة لا متشنجة عوض انتهاج سياسة الهروب إلى الأمام على شاكلة البيان الذي صدر مؤخرا ردا على ما تداولته وسائل إعلام محليّة ودولية بخصوص تصريحات وتأويلات أشيعت بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تونس وقد تضمن عبارات ومصطلحات لا تستجيب لمقومات الاتصال السياسي الرسمي فهو كان أشبه بتدوينة فايسبوكية موتورة صادرة عن أحد النشطاء الشوفينيين من المريدين أو التابعين لجهة حزبية أو لطرف أيديولوجي ما.

السيّدة المستشارة المحترمة رشيدة النيفر…

لا أعتقد أنّه من باب الكذب أو الادعاء بالباطل أو التشويه الذي يراد منه أن يتم الهاء الشعب التونسي لصرف نظره عن قضاياه الحقيقية كما ورد في بلاغ رئاسة الجمهورية ، أن ينتفض جلّ الصحفيين المحترفين العاملين في مجال الإعلام السياسي-عددهم لا يقدر بـ1400 كما سبق أن ذكرت بل هم أقل من ذلك بكثير مع العلم أنّ إجمالي عدد الصحفيين يقدّر بزهاء 3000 صحفي محترف في مختلف المجالات والتخصصات وفق إحصائيات اللجنة المستقلة لإسناد بطاقة الصحفي المحترف – احتجاجا على السياسة الاتصالية التي تتبعونها منذ تولي الأستاذ قيس سعيد مهامه كرئيس للجمهورية في قصر قرطاج.

إنّ ما حصل يوم الندوة الصحفية التي لم يتسن فيها لكثير من الصحفيين الحصول على المعلومة الرسمية وفقا لقاعدة المساواة المنشودة التي أشرت إليها في أحد حواراتك الإذاعية، كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس بعد أن بلغ السيل الزّبى. وهو يبرز بوجه سافر لا مراء فيه حدود وقصور سياستكم الاتصالية التي لا أسس منطقية لها وهي بعيدة كل البعد عن الأشكال المعتمدة في الديمقراطيات العريقة والدول العظمى مثلما هو الحال مثلا في الايليزي أو البيت الأبيض أو الكرملين. هنا بالذات لا أظنّ أنّه يمكن أن نعيد اختراع العجلة كما يقول المثل الغربي الطريف والمعبّر في هذه الوضعية.

كما أنّه لا يمكن وضع البيانات الأخيرة الصادرة في نفس الغرض عن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين التي كنت رئيسة لها في صيغتها الجمعياتية السابقة والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري التي كنت في يوم من الأيام عضوا فيها في خانة سوء الفهم والتقدير فقد جاءت واضحة وضوح الشمس منددة بخطورة سياسة التعتيم التي سقطت فيها مؤسسة رئاسة الجمهورية في ظلّ فشل تنظيمي رافق أوّل ندوة صحفية كبرى، زيادة عن عدم وجود رؤية واضحة تجاه المشهد الإعلامي وكيفية التعامل مع الصحفيين وغياب سياسة اتصالية تكفل لكلّ المؤسسات الحق في المعلومة انطلاقا من واجب دستوري مناط بعهدتكم.

فهل من منطلق التجني أو حشر النفس في ما لا يعنيها أن تطلق الهايكا صيحة فزع محذرة من خطورة الانزلاق في مطب التغطيات والمواكبات الإعلامية المنحصرة في زاوية أحادية من شأنها أن تعيدنا إلى تجربة الإعلام الموجه، داعية إياكم إلى عدم حجب المعلومة لكي لا يغذي ذلك انتشار الإشاعة مع ضرورة ألا يقتصر دوركم على مستوى الخطاب والوعود باحترام حرية الإعلام فقط دون تنفيذ ذلك في الممارسة اليومية وعلى أرض الواقع فضلا عن تنبيهكم بشكل لبق من مغبة شيطنة كلّ أشكال النقد وكلّ رأي مخالف؟

لقد سبق أنّ أشارت الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال التي ترأسها بعيد الثورة الزميل الصحفي القدير والمناضل الحقوقي كمال العبيدي في تقريرها الختامي الذي ساهمت في إعداده الزميلة الصحفية المحترمة ريم قاسم التي أضحت ضمن الفريق العامل إلى جانبك في قصر قرطاج ، إلى أهمية الاستفادة من تجارب الأنظمة الديمقراطية في ميدان الاتصال العمومي الرسمي بشكل يتناسب مع مجتمع ديمقراطي من خلال الاعتماد على فريق من الباحثين والجامعيين والخبراء من أهل الذكر.

وفي هذا الإطار يمكن لكم الاستئناس بما ورد في الباب السادس من هذا التقرير الهام الذي تضمن جملة من التوصيات التي من شأنها أن تساعد على تطوير عمل مصالح الإعلام والاتصال برئاسة الجمهورية في الوقت الحالي. وهو في تقديرنا يمكن أن يمثل برمته منطلقا لحوار جدي تبادر به مؤسسة رئاسة الجمهورية بخصوص مسار إصلاح الإعلام وتدعيم الحريات الصحفية في خضم المشروع الديمقراطي الذي نحن بصدد بنائه علاوة عن علاقة الآنف ذكره بأجهزة الإتصال في مؤسسات الدولة ربطا بالجمهور باعتباره الطرف الوازن في هذه المعادلة وذلك تكريسا للحقّ في المعلومة بناء على الشفافية ولا شيء غيرها.

السيّدة المستشارة المحترمة رشيدة النيفر…

إنّ الإقرار بوجود خلل ما في سياستكم تجاه وسائل الإعلام والصحفيين ومن خلفهم الجمهور/الشعب، ضروري حتّى يتسنى التفكير جماعيا في سبل تدارك ذلك. فالمسألة الاتصالية بالنسبة لرئاسة الجمهورية ليست شأنا صحفيا محضا بل هي شأن سياسي وطني على إعتبار أنّ أيّ خطإ أو تقصير يمكن أن يؤثر سلبا على علاقة بلادنا بالخارج. كما يمكن أن يحدث بلبلة في الداخل بعد أن يتم استثمار الفراغات والزلات من قبل كل من يروم بثّ الأخبار الزائفة أو تحريف الوقائع لغاية في نفس يعقوب طالما اتّسم أداء مصالح الإعلام والاتصال برئاسة الجمهورية بالانتظارية والارتجال والتخبط أحيانا ومحاولة ابتداع أشياء لا يمكن ابتداعها. صحيح أنّ المؤامرات توجد في كل زمان ومكان إلا أنّها لا تعدو أن تكون سوى جزء من التاريخ فهي لا يمكن قطّ أن تكون التاريخ كلّه. ولهذا يجب على كلّ مسؤول في الدولة أن يعي أهمية مراجعة نفسه قبل أن يطلق سهام الاتهامات العشوائية على الآخر المجهول .

لقد تابعت الحوارين الاذاعيين اللذين قمت بهما مؤخرا وشدّ انتباهي أسلوبك في الخطاب الذي ينطوي على شيء من الغطرسة المبطنة وخاصة المنزع التبريري غير العقلاني للسياسة الاتصالية والاعلامية لرئاسة الجمهورية التي على ما أظن ليست بأكملها من بنات أفكارك بل في جوهرها هي تعبر عن نسق تفكير الأستاذ قيس سعيّد في هذا المجال. لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار أنّنا اليوم أصبحنا نتعامل مع رئيس للدولة وليس مع مرشح رئاسي اختار تجنب الظهور في وسائل الاعلام وممارسة نوع من الغموض حول تصوراته المستقبلية وبرنامجه الانتخابي وقتها. المسألة هنا لا تتعلق بشخص بل هي تهم مؤسسة من مؤسسات الدولة في علاقتها بالسلطة الرابعة وبالعالم الخارجي الذي يراقب تطورات تجربتنا الديمقراطية وبالجمهور أيضا الذي من حقه المطالبة بالمعلومة الحينية.

لا غرو في القول أنّ السياسة الاتصالية الحالية تضعنا إزاء سؤال محوري وهو فعلا يبعث على الحيرة والقلق والخوف من القادم : كيف يمكن لمؤسسة رئاسة الجمهورية أن تنجح اتصاليا في مخاطبة الرأي العام المحلي وطمأنة العالم الخارجي الذي نحن في أمس الحاجة للتعاون معه والاستفادة منه ماليا واقتصاديا وهي العاجزة إلى حد الآن عن حسن إدارة التواصل مع وسائل الإعلام والصحفيين عموما ؟.

إنّ دور المستشار المتخصص في مجاله أن يقنع المسؤول السياسي بالخيارات الصائبة والممارسات الفضلى التزاما بالنهج الديمقراطي وبمنطق الدولة لا أن يكون مفسرا ومبررا لأشياء لا تبرر ولا تفسر. فلا معنى اليوم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لمؤسسة رسمية تلغي خطة الناطق الرسمي لتعلاّت واهية غير مقنعة بالمرّة. كما أنّه من غير الصائب حصر علاقة الصحفيين ووسائل الإعلام في زمن تسري الإشاعة كالنار في الهشيم بالتعامل البيروقراطي البطيء الذي يتطلب ربما الانتظار لساعات أو لأيّام للحصول على معلومة رسميّة في علاقة بأيّ موضوع كان. هكذا لم يعد من الغرابة أن يتحوّل دور المستشار المكلف بالإعلام والاتصال إلى مكذّب رسمي للإشاعات الفايسبوكية التي ازدهرت تجارتها في تونس لاسيما بعد الثورة.

من المهم في القريب العاجل أن يتم استخلاص العبر من الأخطاء والنقائص التي سجلت خلال الفترة السابقة من أجل الانطلاق نحو تصويب وتقويم السياسة الاتصالية والإعلامية لمؤسسة رئاسة الجمهورية شكلا ومضمونا انطلاقا من البلاغات التي تصدر بالصفحة الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” باللغة العربية والتي تتطلب الاستعانة بمدقّق لغوي ،علاوة على صياغة متينة ورصينة تتماشى مع طبيعة الصبغة السياسية والدبلوماسية لواحدة من أهم مؤسسات الدولة التونسية عراقة وثقلا اعتباريا في التاريخ المعاصر. علاوة على ضرورة وضع مقاربة جديدة في توقيت المدّ بالمعلومة وكذلك التواصل مع الصحفيين ووسائل الإعلام الذي لا يعدّ الذهاب إليها والحضور فيها في كنف التماهي مع التعددية والتنوع في المقاربات التحريرية ضربا من ضروب إضاعة الوقت. فهذا جزء من العمل الاتصالي لمؤسسة الرئاسة والمشرفين عليها. وهو شأن لا يقتصر فقط على المستشار الإعلامي بل يجب أن يشمل بقيّة المستشارين حسب المواضيع والاختصاصات كلّما اقتضت الحاجة ذلك.

يوم 13 نوفمبر 2018، كنت قد نشرت وقتها مقال رأي نقدي في الجريدة الأسبوعية “الشارع المغاربي” تضمن عنوانا فرعيا” السبسي وحرية الإعلام: خطان متوازيان لا يلتقيان”. كان هذا المقال ردّا على تجاوزات وتهجمات قام بها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي تجاه عدد من الزملاء الصحفيين من بينهم الزميل الصحفي الألمعي حسّان العيادي رئيس التحرير المساعد في صحيفة “المغرب” أثناء ندوة صحفية عقدت بقصر قرطاج. لم يكن طبعا هذا المقال الأوّل أو الأخير الذي أنشره موجها فيه النقد للسلطة الحاكمة سواء في القصبة أو قرطاج.

إنّ المغزى من هذه القصّة برمتها ليس التبجح بمواقف مبدئية بل هو لاستحضار شهادة تاريخية تهم السيّدة سعيدة قراش المستشارة والناطقة الرسمية السابقة باسم رئاسة الجمهورية التي وجهت لها الدعوة بعد أيام من نشر هذا المقال لكي تكون ضيفتي في البرنامج الحواري السياسي الذي أقدمه بإذاعة ديوان اف ام. رحبت قراش بالاستضافة وكانت في الموعد المحدّد. قبل الدخول إلى الأستوديو لإجراء الحوار في ظروف المباشر ، نظرت إليّ مبتسمة قبل أن تقول بشكل ينطوي على روح ديمقراطية عالية وكياسة تذكر فتشكر:” هوكة سي محمد حتى وإنت تهاجم في الرئيس وتسلخ فيه بإبرة هانا نجيوك للبرنامج متاعك خاطرك مهني وتفرض الاحترام واللي تعمل فيه هاكة حق من حقوقك ما نجموش ناقشوك فيه.”

أتمنى ألا نشهد في عهد الرئيس قيس سعيّد تراجعا يقلّ عن هذا المستوى من سقف الحريات الصحفيّة والاحترام لحقّ الصحفيين في ممارسة دورهم النقدي كسلطة مضادة تعكس نبض المجتمع وانتظاراته وذلك مقارنة بزمن الرئيس الباجي قائد السبسي رحمه الله المحسوب على المنظومة القديمة بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى سياسي ومدلول تاريخي. ألا تشاطرينني الرأي أنّ الكاتبة النسوية المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي كانت على حقّ حينما اعتبرت أنّ الإنسان الذي يرفض النقد لن يستطيع قطّ الترقي والسعي نحو الأكمل؟ .

وفي الختام ، تقبلي منّي سيدتي الكريمة خالص عبارات الاحترام والتقدير.