Take a fresh look at your lifestyle.

صور تنتهك خصوصيّة أطفالنا

في سياق موجة تُلحَظ في العالم الافتراضيّ، كثر هم الأهل الذين يظنّون أنّه من البديهيّ نشر صور أولادهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ، فيتحوّل الصغار بالتالي إلى مادة مباحة للجميع
صورة. اثنتان. ثلاث. أربع… تتعدّد اللقطات التي تُظهر ابنة الأعوام الثمانية على حساب والدتها الشخصيّ على موقع "فيسبوك". ظريفة تبدو الصغيرة التي اتّخذت وضعيّات مختلفة، مع كثير من الدلال بالقرب من حوض سباحة في أحد المنتجعات السياحيّة في بيروت. إلى جانبها، مجموعة أخرى من الصور تُظهر شقيق تلك الفتاة الذي لم يتعدَّ العاشرة من عمره، وإن كان الناظر إليه يظنّه للوهلة الأولى أكبر سنّاً بسبب كيلوغراماته الزائدة. ويبدو الصغير شرهاً وهو يتناول وجبة سريعة في مطعم المنتجع نفسه، علماً أنّه يظهر ممتعضاً بعض الشيء من تلك اللقطات الفوتوغرافيّة بخلاف شقيقته الصغرى. فتكثر شارات الإعجاب أو "اللايكات" وكذلك التعليقات على مجموعتَي الصور اللتَين تأتيان مجرّد عيّنتَين لما نشهده يوميّاً من مبالغة في هذا السياق على الشاشات التي أدمنّاها أو نكاد نفعل.
"لا بد من التوقف عن نقل ثقافة الصورة لأطفالنا". هذا ما تشدّد عليه الاختصاصيّة الصحيّة الاجتماعيّة رولا لبّس، الخبيرة في مجال حماية الأطفال وعدالة الأحداث والمديرة السابقة لمكتب حماية الأحداث في جبل لبنان (وسط)، محذّرةً من "تبعات خطرة لنشر صور الصغار على مواقع التواصل الاجتماعيّ كيفما اتّفق". وتقول لبّس لـ"العربي الجديد" إنّ "الأمر يبدأ من غرفة التوليد، عندما ينشر الوالدان أو أحدهما صوراً لطفلهما حديث الولادة. فنسأل: لماذا يتوجّب علينا مشاهدة الصغير وقد خرج للتوّ من رحم والدته؟ لماذا يرغب الوالدان في نشر صوره تلك على مواقع التواصل الاجتماعيّ؟ الموضوع مستفزّ. أنا كصديقة للعائلة أو واحدة من المعارف، بما أنّ أصدقاء فيسبوك – على سبيل المثال – قد يكونون في أحيان كثيرة مجرّد أشخاص التقينا بهم مرّة واحدة (وأحياناً افتراضيّين فحسب)، لماذا يقحمانني في شأن خصوصيّ؟". وتشدّد لبّس: "لماذا الواحد منّا يقحم هؤلاء الأصدقاء/ المعارف في خصوصيّاته، ويدخلهم إلى غرفة نومه وإلى غرفة نوم طفله وإلى جسد ذلك الطفل وخصوصيّته؟". بالنسبة إليها، "الأمر يتعلّق بالطفل من جهة وبالمشاهد من جهة أخرى، بالتالي يمكن الحديث كذلك عن خدش حياء المشاهد".
وتتابع لبّس: "كلّما كبر الطفل، كثرت صوره على شكل ألبومات ترتبط بمناسبات مختلفة. فنراه يبتسم أو يبكي، ونتابع نموّه وعلاماته وإنجازاته وكذلك إخفاقاته. كيف لا وأهله يرمون إحباطهم وآمالهم المتعلّقة بصغيرهم على فيسبوك مثلاً؟ نحن لسنا في حاجة إلى معرفة كلّ ذلك والتورّط في شؤون عائليّة". وهنا يأتي "حقّ الطفل" بحسب ما تؤكّده لبّس، مضيفة أنّه "كائن قائم بحدّ ذاته، ليس منذ لحظة إبصاره النور فحسب، إنّما منذ لحظة تكوّنه، وله بالتالي حقوق. ومن تلك الحقوق الحياة والمأكل والمشرب والمأوى والحبّ والحنان والخصوصيّة… وأنا، من واجبي، كأمّ أو كأب، حماية جسده وليس اقتحامه وعرضه. من حقّه علينا عدم التصرّف بجسده مثلما نرغب نحن ولا بصوره، ومن حقّه عندما يكبر الاعتراض. والاعتراض قد يعني رفع دعاوى قضائيّة على الأهل لأنّهم نشروا صوراً لم يكن هو يرغب في جعلها في متناول الجميع. ربّما الصور لا تعجبه وتسبّب له حرجاً أو غير ذلك، وهو لم يكن يرغب في أن يراه أحدهم بحالة أو بأخرى". وتلفت لبّس هنا إلى أنّ "الصور المنشورة في العالم الافتراضيّ لا تختفي أبداً وربّما تُتداول في غير محلّها، وهنا يكمن خطر آخر يتمثّل في احتمال تعرّض الطفل لتنمّر في وقت لاحق، عند اكتشاف أقران له من المتنمّرين صوراً معيّنة، خصوصاً أنّنا في زمن يكثر فيه ذلك السلوك بدرجة مخيفة".
وتسأل لبّس: "بصفتي أمّاً أو أباً، كيف أحمي طفلي؟"، قبل أن تجيب ببساطة: "من خلال عدم نشر صور له قد تسبّب له الإحراج في وقت لاحق. وعليّ أن أدرك أنّه لا يحقّ لي نشر صوره عشوائيّاً لأنّه شخص آخر. كونه ابني لا يعني أنّني أملكه. وهذه هي مشكلة الأهل، تحديداً في الشرق. هم لا يستطيعون التسليم بأنّ الطفل كائن منفصل عنهم، له حقوقه الخاصة به، والدليل على ذلك أنّ ثمّة صلاحيّة قضائيّة بانتزاع طفل من والدَيه في حال كان يتعرّض لتعنيف ما، حتى لو كان يبلغ من العمر يوماً واحداً". تجدر الإشارة إلى أنّ لبّس لا تمانع نشر الصور بشكل قطعيّ، غير أنّها ترى "وجوب التنبّه لما يُنشر، والتساؤل عن تأثيره على المدى المتوسط وكذلك البعيد قبل الإقدام على الأمر".
ليست الخصوصيّة وحدها أكثر ما يقلق لبّس، بل كذلك "هؤلاء المتربّصون وراء الشاشات في انتظار ضحيّة ما. وهذا ليس مجرّد كلام نظريّ، وهو أمر لمستُه خلال عملي على مدى 14 عاماً في مكتب حماية الأحداث. بالتالي، في حال أردت حماية ابنتي أو ابني، عليّ أن أعلم أنّ مشتهي الأطفال/ المعتدين جنسيّاً على الأطفال والمتاجرين بأعضاء الأطفال والمتاجرين بالبشر وبالأطفال، هؤلاء جميعاً متّصلون بشبكة الإنترنت ويفتّشون عن ضحايا محتملين. فأنا أقدّم لهم ابنتي أو ابني، عندما أعرض صورهما واسمهما واسم مدرستهما وعناوين الأمكنة التي يتردّدان إليها". وتشرح أنّه "عندما ألتقط صوراً لهما تحت لافتة المدرسة أو في الحافلة التي تقلّهما من البيت إلى المدرسة وأنشرها على فيسبوك مثلاً، فأنا بذلك أفضحهما وأقدّم معلومات لهؤلاء الأشخاص المنتظرين هكذا فرصة للتقرّب منهما. والطفل عادة عندما يناديه أحدهم باسمه، يظنّ أنّه مقرّب من العائلة، وقد يركب سيارته أو يرافقه أو غير ذلك". وتكمل لبّس أنّ "الحوادث ذات الصلة كثرت خلال الأعوام العشرة الأخيرة، ليس فقط لأنّنا صرنا نتحدّث أكثر حول هذا الموضوع، بل لأنّ الإنترنت فتحت الباب واسعاً أمام مجرمين محتملين".
في سياق متّصل، الحضانات والمدارس متورّطة كذلك في نشر صور الأطفال على صفحاتها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعيّ وعلى مواقعها الإلكترونيّة. وتقول لبّس إنّ "تلك المؤسّسات إلى جانب النوادي والمياتم والجمعيّات التي تبحث عن تمويل ما، تستخدم صور أطفالها بغرض الدعاية، وهذا أمر غير جائز". لكنّها تشير إلى أنّه وبتكليف من الجهات المختصّة، "صارت الحضانات بمعظمها تطلب من الأهل التوقيع على موافقتهم أو تمنّعهم عن استخدام صور أولادهم ونشرها، غير أنّني لا أعلم إلى أيّ مدى ما زالت تلك الصور تُستخدم بخلاف رغبة الأهل، علماً أنّ هؤلاء وعلى الرغم من تحفّظهم على الأمر، يبدون سعداء بنشر صور أولادهم في أوقات كثيرة". ولبّس التي تُعِدّ سياسات خاصة بحماية الطفل لعدد من المدارس اللبنانيّة، تؤكّد: "لو كنت من هؤلاء الأهل (في المدارس أو الحضانات) كنت سأوقّع على الامتناع وألاحق توقيعي، لأنّه لا يمكن غضّ النظر عن ذلك. من خلال خبرتي، ما يجعل المعتدين يصلون إلى ضحاياهم هو النقص في حمايتهم… هي ثغرة أو ثغرات في إجراءات الحماية في المدرسة أو المنزل أو على الصعيد الشخصيّ". 600 516 - صور تنتهك خصوصيّة أطفالنا

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية