Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

لويس كارول في بلاد العجائب

إنه الكاتب الإنكليزي، لويس كارول، مؤلّف "أليس في بلاد العجائب"، الكتاب الذي لفّ العالم بأسره، فقرأه الأولاد على مرّ العقود، (والفتيات الصغيرات تحديداً)، وما زالوا يفعلون، أيا كانت جنسياتهم وثقافاتهم. وأليس، بطلة القصّة، بنتٌ حقيقيةٌ وجدت وتدعى أليس ليدل، وهي إحدى البنات الثلاث لعميد الكلية، حيث كان لويس يعلّم الرياضيات. ألهمته الرواية في أثناء نزهة صيفية في مركب، وطلبت إليه من ثم أن يكتبها في مخطوطةٍ مزيّنةٍ بالرسوم، أهداها إياها وتمّ نشرها لاحقا. كانت علاقة لويس بأليس الصغيرة قوية جدا، فقد تعلّق بها واستمرّ يراسلها بعد أن شبّت ومنعته والدتها من رؤيتها بسبب مشاعر اعتبرتها غريبة، حتى أنه حين كتب عمله الشهير الثاني "عبور المرآة"، أقرّ بأنه فعل وهو يفكّر بأليس نفسها ومن أجلها. بيد أن أليس لم تكبر في وجدان لويس كارول ومخيّلته، بل بقيت ابنة العشر سنوات التي عرفها، حتى بعد أن شابت وبلغت عمراً عتياً، وهذا ما يبدو جلياً في مراسلاته إليها وفي يومياته الخاصة ورسوماته وصوره (كان مصوّراً محترفاً) التي اقتصرت على تصوير الفتيات الصغيرات بشكل شبه حصري، وهو ما دعا بعضهم إلى اعتباره دليلاً على هوس كارول المرضيّ بالطفلات، وتعلّقه غير الصحّي بفترة الطفولة التي تمثّل بالنسبة إليه الجنّة التي يفقدها الإنسان، ويستمرّ يبحث عنها أبدًا.
لذا، لا بدّ من استحضار طفولة كارول ربما، أو بالأحرى تلك الفترة التي كان فيها طفلا، هو المولود عام 1832، في الحقبة الإنكليزية الفيكتورية، حيث كانت معايير التربية متزمتةً وصارمةً، وحيث كان العقاب، على اختلاف أنواعه، من الوسائل المعمول بها لتنشئة أجيال بأكملها. لا بدّ وأن كارول الذي لم يتزوّج في حياته قد عرف تلك الأجواء، فقد كان والده كاهن رعية صغيرة، ميّالا إلى ممارسة ألعابٍ لغويةٍ كانت سارية حينها، حيث يتم التلاعب بالكلمات، لتخرج معانٍ عبثية، وكان هو كبير 11 طفلا معظمهم من الفتيات. وكانت والدته سيدةً صارمة، متطلّبة، وأجواء البيت على برودة وقسوة المجتمعات البرجوازية والمتديّنة خصيصا، بدليل أن سبعة من الأطفال كانوا يعانون من التأتأة، بمن فيهم لويس الذي عانى من تلك الإعاقة طوال حياته، ولم يكن لسانه يصطلح إلا بحضور صديقاته الصغيرات. لقد كان الجلْد والضرب وقمع العواطف والمشاعر، وكذلك كبح جماح كل شغف، كله، دارجاً في تلك الحقبة، وهو ما كان يدفع الصغير لويس إلى بذل كل طاقاته لتسلية أخواته ووالدته التي أُنهكت بفعل الولادات الكثيرة المتقاربة، ففارقت الحياة وهي في السابعة والأربعين من عمرها.
ولكي يتناسى وينسى الشقاء والبرودة اللذين عرفهما صغيرا، حوّل لويس صورة الأم نموذجية، وصنع من طفولته البائسة فترة رائعة ومثالية، سيبقى يحنّ إليها دوما، ففي إحدى قصائده، يقول: "سوف أهب بطواعية كل الثروات/ والثمار المرّة لأفول الحياة/ لأكون طفلا صغيرا من جديد/ خلال يوم صيفيّ وحيد".
حقده على والدته وغضبه عليها، وإن لم يكن يعيهما، يظهران أحيانا في كتاباته، فعقاب الأعمال البريئة الطائشة التي يرتكبها الصغار أحيانا قد يكون الموت، كما هو الحال في "أليس في بلاد العجائب"، حيث تمثّل "ملكة القلب" "غيظاً أعمى وغضباً لا هدف له"، كما عرّف بها لويس، وهي الملكة التي تمثّل، ولا ريب، وجها من وجوه والدته. على العكس من ذلك، تجسّد الفتيات الصغيرات، في نظره، حلمَ العفّة والبراءة الذي لا يستتبع التعلّقُ به، أيَّ غضب أو عقاب من الأهل، كما أنه يجنّب وضعَ سلوك الأمّ موضع الشكّ والمساءلة.
أخيراً، لا ريب أن لويس كارول وعى انحرافَ مشاعره تلك، وكره ميلَه إلى الفتيات الصغيرات دون سواهن، وضبطه، وإن لم يستطع مقاومته كلية. ومع هذا، فقد عرف كيف يصوّرهن ويخاطبهن وينظر بأعينهنّ، لذا تراه يخبر قرّاءه بأن الأمر لا يتعلّق البتة بتعلّم كيفية التأقلم مع عالم الكبار، كما هي الحال في كتب الأطفال الأخرى، وإنما بتعلّم كيفية مقاومته. 600 70 - لويس كارول في بلاد العجائب

قد يعجبك ايضا