Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

مساوئ الحكم العسكري

في 12 مايو/ أيار 2013 صرَّح الفريق عبد الفتاح السيسي، قائلاً: "الجيش لو نزل الشارع.. خلاص، اتكلموا عن مصر كمان تلاتين أربعين سنة، إحنا أصحابه وإحنا نعرفه"، وهذا كلام ظاهره صحيح. والتجربة المصرية، كما في دول أخرى، أظهرت أن الجيش إذا ما تدخل في الشؤون السياسية، وتمكن من تولي السلطة، يصبح من العسير جداً إرغامه على التخلي عن الحكم. رغم أن رجال الجيش دائماً ينكرون رغبتهم في التدخل في السياسة أو تسلُّم الحكم، وأنهم إذا ما تدخلوا فإنما لإزاحة حكومة لا يؤيدها الشعب وتنصيب حكومة أخرى تؤيدها الجماهير.
لكن الواقع يؤكد أن رجال الجيش لم يكونوا مستعدين قط للتخلي عن الحكم، أو البعد عن السياسة! وبدا أن الحكم العسكري يميل إلى البقاء إلى أجل غير مسمى، وأنهم لن يسلِّموا الحكم لسياسيين مختلفين معهم في الآراء، ولن يسلِّموا حتى بعض الملفات المهمة، أو الوزارات السيادية، لمن لهم وجهات نظر مخالفة، أو لأصحاب رؤى لا تتفق بالضرورة معهم. لأن ذلك يعني نقصاناً في الميزات الاعتبارية والاقتصادية لهم، وعقبة أمام التغيير الاجتماعي الذي يطمحون إليه.
وهذا البقاء تتحتم معه انقسامات داخل الجيش، وصراعات بين قيادته، ينتصر فيها – ولو مؤقتاً – الجناح الأكثر تطرفاً وتشدداً، والمصمم على حكم البلاد حكماً دكتاتورياً، لا يسمع غير صدى صوته، ولا صوت يعلو على أمره، ولا تردد أو مناقشة في تنفيذ الأوامر مهما كانت وخيمة العواقب. ويمسك بخيوط تلك اللعبة ضابط قوي، يبدأ بالانتقام من الضباط المنافسين له، والمختلفين معه، إما بإحالتهم على التقاعد، أو بتصفية المتهمين منهم بالعصيان.
ويبدأ الحكم العسكري بمرحلة انتقالية صغيرة يُصدَّر فيها بعض المدنيين، كما في انقلاب مصر 2013، أو بمشاركة مدنيين، كما في انقلاب السودان 2019، أو بمجلس ثوري في القديم، ثم ينتقل سريعاً إلى حكم الفرد، والدكتاتورية العسكرية. وتعتقد هذه القوة العسكرية الحاكمة بضرورة التغيير الاجتماعي السريع الذي يعمل على تقبّلها شعبياً، وهذا الاعتقاد من ضمن الأسباب التي تدفع بهم إلى الحكم الفردي، وكبت المعارضة السياسية، وتعمل أيضاً على تكتيل الشعب خلف أهدافها التي ترفع نخبتها وإعلامها بنودها. وهنا تنشأ هوّة كبيرة بين القادة والشعب، فضلاً عن الهوّة الخلقية والتعليمية.
وهذا خلاف الديمقراطيات الغربية، حيث يعمل ارتفاع مستوى المعيشة، ونشر التعليم، والحريات السياسية على تضييق الهوّة بين الحكام والشعوب.
والسبيل الوحيد إلى تخليد الحاكم العسكري ذاته، والهيمنة على مقدرات الأمور، هو القبضة الحديدية والإجراءات القمعية التي تجعل من العسير على الشعوب أن تقنع الجيش بالانسحاب من الحياة السياسية، والتخلي عن السلطة. ومع مرور الوقت تتكشف مساوئ الحكم العسكري الفردي، وتزداد نقمة الشعوب عليهم، وتزداد رغبتهم في عودة الحكم المدني، وهكذا تستمر أزمة شرعية الحكم العسكري، مع كل فشل في حل المشاكل المزمنة التي ادعى الانقلابيون أنهم جاؤوا لحلها، بعدما فشل المدنيون في حلها. وبالتالي تظل مشكلة استقرار النظام السياسي على أساس التأييد الشعبي تكبر وتقوى، وتسقط الشرعية القائمة على أساس الضغط والقمع. والسياسة تسيء إلى الجيوش، والسلطة تفسد، والتجربة العربية تثبت ذلك. يقول اللورد أكتون: "السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تُفسد بصورة مطلقة".
وهناك قول لخبير عسكري: "للقائد العسكري هدف واحد. فإذا تولى السلطة أصبح له هدفان. ووظيفته كجندي لا بد من أن تخضع دائماً للاعتبارات السياسية".
وتظهر تباعاً مساوئ الحكم العسكري كلما طال على سدة الحكم، ومنها الوصول إلى الحكم الفردي، الذي يكره عمل المؤسسات، وإعداد البرامج، ويستهين بالدراسات وتبادل الآراء، ويرفض قبول الرأي الآخر. ومن المساوئ إحاطة الحاكم نفسه بهالة تتضخم فيها ذاته، ويصغر أمامه كل أحد، ويرى العمالقة أقزاماً، ويقول ما قال الخديوي توفيق للقائد أحمد عرابي عندما طالبه باسم الأمة بأن يمنح الشعب دستوراً: هل أنتم إلا عبيد إحساناتنا؟! وتدفعه على الاقتصار على حلقة صغيرة من المنافقين والمداهنين، وهكذا ينقلبون إلى طغاة مستبدين. والطاعة من طبيعتهم، وكذلك عدم مناقشة الأوامر أو ردها، التي لا تشجع على تحمّل المسؤولية، وتقتل الإبداع، وحرية التعبير عن الرأي، وتفرض الخضوع والعبودية، وكل صفة تكفل تربية أجيال جديدة تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها، أو تصنع حياة ديمقراطية حرة. كذلك تنتقص الإنسانية معهم، وتُهدر حقوق الإنسان التي ميزه الله بها، وكفلتها له الدساتير والمواثيق الدولية كافة، من حقه في إبداء رأيه، وحرية المعارضة، والاجتماع، وصون كرامته، وحرية الانتقال، وعدم التعقب. ومن خصائص الحكم الفردي المطلق السرف الشديد على شخصه وأسرته والمقربين منه، فينفق على قصوره، ورحلاته، ومشاريعه، وشهواته، ما يعادل ميزانية دولة، وما يكفي لحل كثير من المشكلات في التعليم والصحة والصناعة وغيرها. كذلك يكثر المنتفعون من نظامه، والمفسدون الذين تكبر كروشهم، على حساب ملايين لا تجد ما يسدّ رمقها، ويُطعم صغارها.
وأخطر مساوئ الحكم العسكري صعوبة إقناع العسكريين بتفويض السلطة إلى المدنيين، أو مشاركة دائرة أوسع في اتخاذ القرار! وبالتالي يكون إسقاط الدكتاتورية العسكرية من طريق المقاومة المدنية صعباً جداً، أو يكاد يكون مستحيلاً. إلا إذا نزعت مؤسسة الجيش حمايتها عن الحاكم، أو انعدم ولاء الجيش للنظام، أو في حالة انتشار الاضطرابات المدنية على نطاق واسع وكبير يعجز معه النظام الحاكم عن السيطرة عليه مع حيادية الجيش. أو يقوم الجيش نفسه، أو أحد قادته بقيادة هذا التغيير، ولكن في هذه الحالة يكون استبدال حاكم عسكري بآخر، بمعنى تغيير الممثل والدور واحد.
لقد جربت الشعوب العربية الحكم العسكري ما يزيد على نصف قرن، والواقع العربي تحت هذا الحكم معروف لجميع هذه الشعوب ولغيرها، والأرقام التي تخرج من المؤسسات الدولية عن هذه الحقب، وحال تلك الشعوب مخيف ومرعب ولا يبشر بخير، من حيث ارتفاع الدين الخارجي والداخلي، وارتفاع نسبة الفقر، وتدني المعيشة، والتدهور المستمر في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والصناعة والزراعة والمياه والبطالة وانتشار الأمراض المزمنة الفتاكة، وارتفاع نسبة الجريمة، والانفلات الأمني، وتوحش طبقة الرأسماليين وتضخم ثروتهم، وكذلك الهزة المجتمعية التي أصابت أخلاق المجتمع وقيمه بشرخ كبير يحتاج علاجه لوقت طويل.
لذا، يجب الإصرار على التحول عن هذا السبيل، إلى طريق الديمقراطية والاختيار الحر، وإعلاء شأن الدستور، وحكم الشعب لنفسه بنفسه عبر صناديق الانتخابات. وكل ذلك يتطلب ظروفاً ملائمة ومناخاً لإتمام هذا البنيان لدولة ديمقراطية مستقرة، يتمتع فيها الفرد بكامل حريته. وتقع المسؤولية على عاتق رجالات الصفوة الممتازة في كل بلد، ونخبه الاجتماعية الواعية التي تقوم على هذا البنيان وحفظه من كل الثورات المضادة حتى يستوى على عوده، ويشبّ عن الطوق. وذلك يحتاج إلى بذل الجهود، ورفع الوعي، وتوحيد الصف الوطني على اختلاف مشاربه، والتعاون البنّاء بينهم، وتقديم مصلحة الوطن على كل مصلحة شخصية أو حزبية أو طائفية، والزمن جزء من العلاج.

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية