Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

كل هذه الاستقالات في “النهضة” التونسية

قدّم زياد العذاري، أخيرا، استقالته من الأمانة العامة لحركة النهضة، ومن كل الهياكل القيادية فيها، وذلك بعد استقالة القيادي لطفي زيتون من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي. وتلتها بعد أسابيع استقالة القيادي، زبير الشهودي، من الهياكل القيادية للحركة، وهو الذي شغل مدير مكتب رئيس الحركة أكثر من ثلاث سنوات. وتعد استقالة العذاري الثانية من الأمانة العامة لحركة النهضة بعد الثورة، إذا أخذنا بالاعتبار استقالة حمادي الجبالي منها، ومن الحركة برمتها أواخر سنة 2013. لا تقدّم قيادات "النهضة" تفاصيل دقيقة عن أسباب هذه الاستقالات، مكتفية عادة بتصريحات مقتضبة، تشير إلى اختلافٍ في تقديرات الوضع السياسي وتوجهات الحركة، ثم ما يلبث المستقيل أن يختفي من المشهد السياسي. ربما شكلت استقالة القيادي السابق، زبير الشهودي، استثناء، حين دعا الغنوشي إلى "لزوم بيته والمحراب"، مشيرا إلى تجاوزاتٍ تحدث في الدوائر المقرّبة للغنوشي . وعدّت تلك التصريحات التي أوردها صاحبها على صفحته في "فيسبوك" خروجا عن حدود أخلاقيات الاستقالات التي رسمتها الحركة. ولذلك جوبهت بموجة إدانة من قواعد "النهضة"، ثم لاذ الرجل بالصمت، وتوارى عن المشهد السياسي.
أما زياد العذاري فقد نشر نصا مطولا، شرح فيه أسباب استقالته، ولكنه لم يقدّم حججا دقيقة سوى احترازات شخصية عن خط الحركة السياسي، وتحديدا سلسلة الأخطاء التي يعتقد أن "النهضة" ارتكبتها في ترشحها لمناصب الحكم. ملمحا إلى أنها بهذا تغفل دقة المرحلة، وحاجتها الماسّة إلى أوسع توافقات ممكنة، حتى لو دفعها ذلك إلى التنازل عن حقوقٍ منحتها إياها صناديق الاقتراع. لا يحمّل الرجل طرفا بعينه مسؤولية هذه الأخطاء، ولكن القارئ يستطيع أن يفهم، في سياقات داخلية لم تعد خافية، أنه يحمّل الهياكل الحالية المسؤولية، وتحديدا مجلس الشورى والمكتب التنفيذي، وهما أعلى هيكلين للحركة.
مرّت حركة النهضة خلال الخريف الحالي بموجة من التصريحات المتشنجة لقياداتها، والتي حمّل بعضُها بعضا آخر المسؤوليات، بل وتقاذفت، في سابقةٍ غير مألوفة، اتهاماتٍ على خلفية ما أثاره الترشّح لقوائم مجلس النواب ومناصب أخرى من خلافاتٍ حادّة، غير أن بعض التصريحات، وحتى الاستقالات المشار إليها، استندت إلى أطروحات ترى أن الحركة أساءت التقدير في الخطة الاستراتيجية التي صاغتها لخوض الانتخابات. ولعل أهم ما يؤاخذ بعض منهم عليه الحركة تسرعها في فك الارتباط مع الرئيس الراحل الباجي السبسي وخطه السياسي، انحيازها إلى رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، في نزاعه معه. ترشيحها عبد الفتاح مورو للانتخابات الرئاسية، و"معاداتها المجانية" نبيل القروي وحزبه قلب تونس، وأخيرا، كما ورد في نص العذاري تلميحا، تصلبها مع شركائها السياسيين أكثر من اللزوم.
قد لا تكون لاستقالة زياد العذاري من منصب الأمانة العامة لحركة النهضة تداعيات خطيرة على المدى القصير، فقد نجحت الحركة في امتصاص الصدمة، خصوصا أن الرجل لا يمثل ثقلا تنظيميا، فهو لا يعد من القيادات التاريخية وزعامات الجيل المؤسس، على الرغم من أنه لوحق في أواسط التسعينيات، وطرد من الدراسة، قبل أن يستأنف مساره العلمي بنجاح، فقد كان توليه منصب الأمانة العامة مفاجأةً، رأى فيها بعضهم إرضاء لجهة الساحل التونسي التي فقدت ممثلها في الحركة حمادي الجبالي. ورأى فيها آخرون تصعيدا لوجوه شابّة تفلت من جلباب الشرعية السجني، ولكن مروره في الأمانة العامة ظل بلا أثر واضح، سواء في أطروحات الحركة أو بنيتها التنظيمية، ما جعله واجهة فحسب، حسب مقرّبين عديدين له، إذ ظلت القرارات الكبرى خارج إدارته وإرادته.
ومع ذلك، تتالي الاستقالات في حركة النهضة، وخروج العديد من القيادات الحالية على واجب التحفظ الذي تربت عليه، وأصبح علامة بارزة للحركة في مناخ حزبي سمتُه التفكك والانقسام والخلافات، قد يؤشر على أزمة هيكلية حادة، تشهدها "النهضة"، أبعادها معقدة ومترابطة: التوجهات والخط السياسي بعد الثورة تحديدا، هياكل الحركة وآليات اتخاذ القرار على نحوٍ يعمّق الديمقراطية الداخلية، ويحسن إدارة الخلافات والتوازنات بين "مواقع" وأجنحة لا تخلو من بعدٍ جهوي، وآخر جيلي، ومشروعيات متنافسة: شرعية السجن، شرعية الاستقامة، شرعية الكفاءة. وأخيرا تداعيات فصل السياسي عن الدعوي. ومن يعتقد أن كل هذه الاستقالات، مع هذا الصخب الذي أخرجته القيادات إلى العلن بشكل حازم وقطعي، هي مجرد نزوات شخصية واهم. وعلى من يعتقد أن الأزمة تقتضي إجراءات تصحيحية وتصورات استراتيجية قبل فوات الأوان أن يستمع لهذه الأجراس التي تُقرع، خصوصا في ظل تفرّغ زعيم الحركة للشأن البرلماني، واستعداد الحركة لعقد مؤتمرها في الأشهر القليلة المقبلة. 600 1 - كل هذه الاستقالات في "النهضة" التونسية

قد يعجبك ايضا
error: جميع الحقوق محفوظة © رصد التونسية