“شيعة” على مين؟

يهتف منذ أيام مناصرو حركة أمل وحزب الله الذين يخرجون إلى الشوارع لترهيب المحتجين والاعتداء عليهم في بيروت أو صور (جنوب لبنان)، أو بعلبك (شرقاً)، بشعار "شيعة شيعة"، يرفعون أعلام حزب الله وحركة أمل وشعارات حسينية. ما الذي يحاولون قوله تحديداً؟ إعلان عن هوية؟ وهل هناك من لديه مشكلة مع هذه الطائفة؟ أو هناك من لا يعرف من هم هؤلاء المناصرين حتى استدعى الوضع هتافاً من هذا النوع؟ إعلان مظلومية؟ وهل هذه الطائفة في لبنان مظلومة سياسياً أو مضطهدة دينياً؟ يندُر وجود من لديه مثل هذا الرأي اليوم خلال العقد الأخير، حتى من داخل هذه الطائفة نفسها، بل على العكس من ذلك. منذ أحداث 7 مايو/ أيار 2008 (اجتياح حزب الله وحلفائه بيروت)، هناك تباه بفائض قوة مستمر، حتى أنه مع كل تطور لا يعجب الثنائي يتم التلويح بـ"7 أيار" جديد وبالقمصان السود. أكثر من ذلك، يتولى زعيم حركة أمل نبيه بري رئاسة مجلس النواب منذ عقود. وبحكم التوزيع للرئاسات الثلاث، فإن هذا المنصب من نصيب هذه الطائفة إلى أجل غير مسمى. وصول رئيس الجمهورية ميشال عون إلى قصر بعبدا كان بفضل حزب الله، ويسدّد العونيون فاتورته بانتظام منذ ذلك الحين. حكومة تصريف الأعمال الحالية كانت عملياً حكومة حزب الله، وإلا لما استمات دفاعاً عنها ورافضاً استقالتها، ولا استشاط غضباً بعد استقالة رئيسها سعد الحريري. حصة الطائفة من التوظيفات في مؤسسات الدولة مصانة، ولا يجرؤ أحد على المساس بها.
فما الذي يحاولون قوله من خلال هذا الهتاف؟ أن لهذه الطائفة موقفاً موحداً من الانتفاضة الشعبية، يرفضها ويعاديها أو أنه من غير المسموح وجود من يغرد خارج هذا السرب؟ محاولات عزل الطائفة ووضعها في موقف المعادي للانتفاضة مجرّد أكذوبة، يحاول من يسعون إلى أن يكونوا المتحكّمين بخيارات هذه الطائفة والمتحدثين الحصريين باسمها ترويجها بين أنصارهم لا غير. أما هم فيدركون، أكثر من غيرهم، زيف هذا الادعاء. جولة بسيطة في بيروت، في ساحتي رياض الصلح والشهداء، كفيلة بإظهار العكس، فكيف إذا اتجهت الأنظار إلى صور وكفررمان جنوباً أو بعلبك شرقاً. في هذه المناطق مشاهد مبهرة عن صمود المحتجين في وجه الترهيب الموجه ضدهم، نصرة للانتفاضة ومطالبها الاجتماعية والاقتصادية قبل أي حديث سياسي، حتى أن كثيرين منهم يجاهرون بأنهم من مؤيدي المقاومة. وفي هذه المناطق أيضاً التلخيص المكثف لحقيقة زيف الادعاءات المستخدمة للتحريض على الانتفاضة. هناك لا قطع للطرقات، لا انتقادات مباشرة، ولا أي تحرّك يمكن تصنيفه في خانة الاستفزاز، بل مجرد تجمعات ونقاشات حول الانتفاضة تحت شعار "سد الذرائع". ومع ذلك، الاعتداءات (أو الغزوات) لا تتوقف. هناك تظهر المعركة بوضوح بدون أي رتوش أو محاولات اختباء وراء شعارات. يخوض حزب الله وحركة أمل معركة الحفاظ على مكتسباتٍ سياسيةٍ ومالية لهما حصراً، تحضر فيها لازمة الدفاع عن الطائفة ومنع انكسارها أداة يجيدان توظيفها إلى حدودها القصوى، لتحشيد أنصارهما ودغدغة عواطف المناصرين لا أكثر. وبالتالي، فالمواجهة لم تكن المواجهة يوماً مع أولئك الأنصار، بقدر ما كانت مع من يتولى تحريضهم ووضعهم في المكان الخطأ في مواجهة أبناء الوطن الواحد والطائفة الواحدة.
كلما طالت الانتفاضة، صمد المحتجون في الشوارع، سقطت محاولة توتير جديدة، تزداد العدائية للانتفاضة والتهديدات الموجهة للمشاركين فيها، حتى لو تطلب ذلك المتاجرة بدماء ضحايا واستخدام أدوات ترهيب جديدة، لكن ذلك كله لن يغير من حقيقة معادلة أن الكلفة لما يقومون به ستكون كبيرة جداً داخل الطائفة قبل أي مكان آخر. 600 780 - "شيعة" على مين؟

قد يعجبك ايضا