Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

العالم يأكل بعودي قصب

يتساءل الشهيد غسان كنفاني في كتابه الذي ظلَّ مغموراً عشرات الأعوام (ثمَّ أشرقت آسيا) والذي صدر ضمن المجلد الخامس من الأعمال الكاملة عام 2015: تُرى هل يحتاج المرء إلى أربعين يوماً من الترحال، وعشرين ألف ميل، وثمانين ساعة في الطائرات والقطارات، كي يكتشف الحياة التي تدبّ في ربوع آسيا؟ مع أن نابليون بونابارت تمنى ذات يوم أن تظل آسيا نائمة، ولكن القدر الذي كان يخشاه أكثر من أي شيء آخر قد جاء يسعى، ثمَّ أشرقت آسيا. وها هو أحد أفراد أهل الصين السيد وانغ ين شانغ يقول لغسان كنفاني حين التقاه أثناء رحلته إلى الصين عام 1965: سأوجز لك شعوري بجملة واحدة، بعد نصف قرن على الأكثر سترى العالم يأكل بعودي قصب.
نعم كانت كلمات هذا الصيني صادقة وحقيقية تحمل رؤية ثاقبة، كم كان السيد وانغ ين شانغ فطناً، فها هو العالم يسير في ركاب الصين، أو الصين تسير في ركاب العالم. وقد جاء في الحكايات أن الشاعر الصيني الأعظم (لي باي) كان تلميذاً كسولاً لا يحب الدراسة ويهرب من المدرسة أغلب الأوقات. فحدث مرة أن مرّ برجل فقير ينحت قضيباً من الحديد شديد الغلظة والخشونة. فسأله عمّا يصنع فأجاب: أصنع إبرة. فارتاع الشاعر (لي باي) وسأله: كيف تصنع إبرة من قضيب حديدي؟ فقال: أنحت كل يوم مقداراً صغيراً منه. وأصبر عليه أياما وليالي حتى يصير بقطر الإبرة. فرجع (لي باي) إلى منزله وقد تغير تفكيره كلياً. وانكبّ على الدراسة حتى صار من أعظم شعراء الصين.
أهل الصين من أصبر الشعوب على العمل والكدح، فهم كالنمل في السعي والكفاح. والمثل العربي يقول: أكسب من نمل، لأن ليس في الحيوان أكثر دأباً في الجمع منه. واليوم يمكن القول إن أهل الصين أكسب شعب على وجه الأرض، فهم يكسبون رزقهم بكدحهم وسعيهم وعرق جبينهم. وينتجون كل شيء ويطعمون نفوسهم التي تجاوز تعدادها المليار نسمة.
ومن المتوقع أن تصبح الصين سيدة هذا العالم بحضارتها التي عنيت بالمعرفة الفلسفية والفكر المنظم وأنتجت فلاسفة عظاماً ومدارس فلسفية كبرى، كذلك أنتجت علوماً وصناعات، والصين أم المخترعات التي قامت عليها النهضة الحديثة. وأعتقد من وجهة نظري أن أهل الصين يستحقون هذه السيادة وهم قادرون وسيصلون إليها. لأنهم يعيشون تراثهم الحيّ دون انقطاع. ويستمر ماضي الصين العريق في حاضرها المتجدد في سيرورة دائمة التطور والارتقاء.
وإن تحقق هذا الأمل في الخمسين سنة القادمة، فسيغير وجه العالم من خلال انتشار قيم حضارة مثقفة حكيمة. وسيكون هذا بديلاً ناجحاً من حداثة رعاة البقر وحكم ساستهم الذين ينفردون بفرض سلطتهم على أهل الأرض. وبهذا يتحقق حلم ماو تسي تونغ الذي سجله في إحدى قصائده الجميلة عندما حلق بالطائرة للمرة الأولى فوق الصين. كتب يقول: عندما يكون مصير الصين بأيدي أهلها، ستشرق الشمس الساطعة من الشرق، تضيء كل وجه الأرض تنظف كل بقايا الحكم الماضي.
ينتمي الصينيون إلى العرق المنغولي، وهو أحد الأعراق الثلاثة الكبرى للنوع البشري. وقد سموا باسم العرق الأصفر فتوهّم الناس أنهم صُفر الوجوه. وحقيقة الحال أن ارتباطهم بالصفرة يأتي من تقليد البلاط الصيني الذي كان اللون الأصفر غالباً على أزيائه الرسمية.
يتكلم أهل الصين لغة تنتمي إلى عائلة اللغات الصينية التبتية، وتتألف اللغة الصينية من مقاطع قصيرة تدل على المعنى بنفسها أو تتحد مع غيرها لإيجاد معنى جديد. والغالب أن يتحد مقطعان والأقل من ثلاثة. وهي تركيبة خاصة لا تقبل التصريف بتاتاً. إذاً، كيف يكتب الصينيون الأسماء الأجنبية؟ لو أرادنا مثلاً كتابة اسم كارل ماركس بالصينية ليلفظ كما هو في الأصل لما وجدنا المقاطع التي تصلح لذلك، ولا بد بالتالي من تقطيع الاسم وقد اختزلوه فراراً من التطويل إلى (ما – كو- سا) مكتفين باللقب دون الاسم.
وقد ذكر العلامة البغدادي هادي العلوي – رحمه الله – أن بعض الصينيين لما سمعوا بالاسم الذي يبدأ بالمقطع (ما) ونظروا إلى صورة كارل ماركس تصوروه النبي محمداً. وصاروا يسمونه بما يعني محمد الكث اللحية. وهذا لأن (ما) هو أيضاً المقطع الأول من اسم النبي محمد عندهم. وصورة ماركس بوجهه الأسمر المدور ولحيته الضخمة تشبه إلى حد ما صورة أحد الحكماء العرب.

قد يعجبك ايضا