Rassd Tunisia - 1er site d'information en Tunisie

حصيلة مشاغبة طويلة مع المخرج “الشاب” يوسف شاهين (1)

ـ مافيش مقارنة بين المصير وصراع في الوادي.. المصير أعلى بكثير! ـ لما خدت جايزة كان أول حاجة قلتها لنفسي: تبقى حمار كبير لو افتكرت نفسك نجم وكوكب ـ الجمهور ضاع مني في أفلام كتير بسبب اللعبكة لكن خلاص اتعلمت ـ كان ممكن العصفور يبقى أحلى لولا إن لطفي الخولي كان على قده ولو أخرجته دلوقتي هاغير حاجات كتير فيه

خرجت من مكتب الأستاذ مسرعاً، وجلست على أول مقهي صادفني في شارع شامبليون بوسط البلد، وبعد أن تأكدت من أن جهاز التسجيل التقط حوارنا بأكمله دون أي مفاجآت الكترونية غير سارة، شرعت في كتابة مقدمة للحوار، كانت تملأني وقتها، وأعتبرها الآن تلخيصاً لإنطباعاتي الأولية عقب مشاغبتي معه، التي دامت ثلاث ساعات، كانت من أجمل ساعات حياتي المهنية.
كتبت يومها سطوراً تقول: ” شاب يوسف شاهين لكنه مازال شاباً، وظني أنه سيظل على الدوام شاباً في فنه وفكره وطقوس حياته، تمسك الخشب وأنت تراه طيلة مشواره دائماً يمشي على قلق، باحثا عن تجربة سينمائية جديدة حتى لو اختلف الكثيرون معها، لا يرتكز كما جرت العادة في بلادنا إلي تاريخه المشرف الذي لو وزعته على مخرجي مصر لكفاهم وفاض وغطى، لم يستسلم ولا مرة للأقاويل المكررة عن أزمة السينما ومشاكل الانتاج، بل حفر لنفسه سكة خاصة في الإبداع والإنتاج والتوزيع والتمويل، دون أن يكتفي بالولولة والعويل و"حدف الطوب" علي الذين يعملون فيصيبون ويخطئون، ولا ننسى أن سكة يوسف شاهين فتحت الباب لكثيرين غيره لكي يجدوا من يعينهم على وصول كلمتهم للناس كما يرونها مهما اختلفنا معها. كل هذا لا تستطيع أن تنكره على يوسف شاهين الذي ظل في الوقت نفسه المخرج المصري الأكثر إثارة للجدل والنقاش، والأكثر شهرة محلياً وعالمياً برغم أن أغلب المصريين لسنوات طويلة، لم يتمكنوا من مشاهدة أهم أفلامه التي مُنِعت طويلا من العرض السينمائي والتلفزيوني، إما لأسباب رقابية أو بسبب التحالف الصامت لموزعي السينما ومسئولي التلفزيون، الذين وصموا أفلامه مسبقاً بتُهم الغموض والإلغاز والتعالي على الناس، وهي تهم طاردت يوسف شاهين سنين طويلة، إلي أن جرب شاهين النجاح الجماهيري في فيلمه (المهاجر)، فاختار لنفسه بعدها طريقاً جديداً في التعبير السينمائي، ليكسب جمهوراً جديداً حسب رأيه، ويخسر بعض محبي سينماه القديمة بكل مالها من خصوصية وتميز".

كنت عن نفسي واحداً من أولئك الذين خسرهم شاهين بطريقته الجديدة في التعبير، وكنت لا أزال حين كتبت سطوري تلك، مندهشاً مما قاله لي في دفاعه عن تلك الطريقة، خصوصاً حين قام بتقديم نقد ذاتي شديد اللهجة لأغلب أفلامه التي أحببتها، وعلى رأسها فيلمه الأجمل في رأيي (عودة الإبن الضال)، الذي بلغت حداً من الهوس به أنا واثنين من زملاء الدراسة الجامعية، جعلنا نشاهده مرة كل يوم، طيلة ذلك الأسبوع من شتاء 1993، حين تم عرضه في سينما كريم 2 صغيرة الحجم والواقعة بشارع عماد الدين، والتي كانت شركة أفلام مصر العالمية قد قامت بتأجيرها، وكانت تعرض فيها من حين لآخر أهم أفلام شاهين، التي لم يكن لدي المحرومين من جهاز الفيديو من أمثالنا، سبيل للفرجة عليها.
عندما ذهبت للقاء شاهين في ذلك اليوم من أيام شهر يوليو 1999، كنت متوتراً جداً، ليس لأنني سألتقي أخيرا بالمخرج الذي أحببت أغلب أفلامه، ولكن لأنني بعد ما كنت أسمعه عن عصبيته الشديدة، كنت أخشى أن تغضبه أسئلتي المشاغبة، فلا يكتمل الحوار الذي كنت قد التزمت بإجرائه أمام مسئولي مجلة لندنية وصحيفة خليجية، وكان ما سأحصل عليه وقتها من نشر الحوار لديهما بالإضافة إلى نشره في مجلة (المصور) القاهرية التي كنت أعمل فيها، كافياً لدفع المتأخر من إيجار الشقة المتواضعة التي أقيم فيها والتي كنت مهدداً بالطرد منها، بل وكان يضمن لي دفع الإيجار مقدما لمدة ستة أشهر على الأقل، ولذلك كان لا بد من أن أجد طريقة ما لتوجيه كل أسئلتي المشاغبة له، دون أن ينفجر في نوبة غاضبة كتلك التي رأيتها بنفسي قبل أعوام، حين جاء إلينا في ندوة استثنائية بكلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1994، كانت حدثاً استقطب كل محبيه من طلبة جامعة القاهرة، وبعد أن قرأوا عليه سؤالين من الأسئلة التي اشترط منظمو الندوة أن تكون مكتوبة لضمان التحكم فيها، قال غاضبا "دي أسئلة يسألها احمرة مش طلبة في كلية إعلام.. أنا مش عايز أسئلة عبيطة.. عايز أسمع الولاد دول وهما بيتكلموا وإلا هاقوم أمشي"، ليتغير شكل الندوة تماما بعد ذلك، ويتحول إلى حوار حي شديد الروعة والتلقائية، زاد من محبتي له.
أذكر يومها أنني ظللت أحوم بعد الندوة حوله، وهو يسير في جنبات مبني الكلية الجديد مع بعض الأساتذة الذين يعرفونه على المبنى، وكان يبدو متبرماً وراغباً في مغادرة المكان بسرعة، وانتظرت حتى خرج من باب المبنى وكاد يصل إلى سيارته المركونة بالقرب من مبنى كلية دار العلوم، لأتقدم نحوه هو ومرافقيه، وأنا أمد يدي بكتاب من كتب دراستي الجامعية وقلم، وأطلب منه بصوت مرتبك أن يوقع لي على الكتاب، فقال ساخراً: "الحاجات العبيطة دي يعملوها الممثلين مش أنا"، وابتعد مع المصاحبين له نحو سيارته، في حين ظللت واقفا في حالة ذهول، لأنني سمحت لنفسي بارتكاب ذلك التصرف الطفولي، وشاكراً الله لأن صديقاً وحيداً كان الشاهد على تلك "الحلقة المتينة"، وقد كلفني وجوده دفع حساب عدد من "مشاريب القهاوي" خلال الأيام التالية لضمان سكوته التام. لذلك، عندما التقيت بالأستاذ بعد ذلك الموقف بخمسة أعوام، وبرغم أن أشياء كثيرة كانت قد تغيرت، وأهمها أنني لم أعد المعجب المفتون بشاهين، بل أصبحت في موقع الصحفي، الذي يفترض به أن يوجه له أسئلة ناقدة لفيلميه الأخيرين (المصير ـ الآخر)، إلا أنني كنت حريصاً على أن يكتمل الحوار حتى نهايته، لكي لا تتحول تجربة اللقاء الصحفي الأول معه، إلى تجربة أشد إحراجاً من تجربة الحصول على توقيعه وأنا طالب.
ليلتها، قام الصديق خالد يوسف، والذي كان وقتها لا يزال مساعده الأول وشريكه في كتابة أفلامه الأخيرة، بتقديمي إلى الأستاذ الذي كان يجلس في مكتبه الصغير، الذي لفت انتباهي أنه كان خافت الإضاءة، كما كان شديد العملية والبساطة، مقارنة بمكاتب شديدة الزخرفة والبهرجة، دخلتها من قبل لإجراء حوارات مع فنانين أصغر سناً ومقاماً، قام خالد يوسف بمشاغبتي قبل أن آخذ فرصتي في مشاغبة أستاذه، حيث قام بتذكير شاهين بمقال كنت قد كتبته في صحيفة (الدستور) أسخر فيه من فيلم (المصير)، كان يحمل عنوان "حل يوسف شاهين الراقص لمشكلة التطرف"، قبل أن يقول لي ضاحكاً: "طيب أسيبك تبدأ حوارك مع الأستاذ بعد ما هدّيت النفوس"، ثم غادرنا نازلاً إلى مكتبه في مقر شركة أفلام مصر العالمية الذي لم أدخله إلا في ذلك اليوم، ومع ذلك لا زلت أذكر جيداً كيف كان بمثابة خلية نحل مكتظة بالعاملين الذين أصبحوا بعدها من أهم العاملين في السينما المصرية.

زادت توريطة خالد من توتري، خاصة أن الأستاذ لم يعلق عليها ولو حتى بابتسامة، بل ظل يدخن بشراهة كعادته، وهو ينتظر مني أن أبدأ الحديث، وبدلاً من أن أبدأ بسؤال مباشر، قررت لتلطيف الأجواء أن أبدأ الحوار منطلقا من مشهد جاء في أحد الأفلام التي أحبها كثيرا لشاهين، فقلت له: أستاذ يوسف في عبارة باحبها في فيلمك (اسكندرية كمان وكمان)، لما سألت تلميذك عمرو عبد الجليل: "إيه الديمقراطية يااد؟"، فجاوبك: "اللي تقول عليه يا أستاذ"، فبصراحة هل ده هو تعريف الديمقراطية عندك، عشان آخذ بالي من أسئلتي، ولّا ممكن أمارس الديمقراطية كما أفهمها؟
تنفست الصعداء عندما ضحك بقوة قبل أن يقول: طيب قل لي إنت فاهمها إزاي الأول؟ أجبته: إني أسأل اللي عايزه وتجاوب إنت عليه زي مانت عايز، فقال ضاحكاً: تمام، بس يكون اللي انت عايزه فعلاً، مش اللي عايزينه اللي غسلوا مخك. ومع أن رده كان غريباً ومستفزاً، إلا أنني لم أكن أمتلك رفاهية الرد بشكل ربما أغضبه، فقررت توفير ذلك للأسئلة، وقلت مبتسماً: ماحدش فاضي يغسل مخ حد دلوقتي يا أستاذ يوسف، وبعدين حتى لو حد حاول يغسل مخي مش هاسمح له المفروض يعني. رد ضاحكاً: ده كلام كبير هيخضّني، طيب ياللا صلي ع النبي وقول كل أسئلتك، بس بشرط لو شتمت، هتنشر شتيمتي زي ما قلتها. ومع أنني كنت أعلم استحالة نشر الشتائم الشاهينية في أي صحيفة تصدر من المحيط إلى الخليج، حتي لو كنت أنا رئيس تحرير الصحيفة ومالكها، إلا أنني قلت له بحماس: "طبعا ده حقك"، وبدأت ساعات المشاغبة التي أثمرت عن هذا الحوار الذي أتركك مع نَصّ ما جاء فيه:
– أستاذ يوسف، هاسألك في الأول عن انطباع جالي بعد مشاهدة آخر فيلمين ليك واللي تصادف إنهم نجحوا جماهيرياً مقارنة بأفلامك السابقة، انطباعي إنه ربما النجاح الجماهيري أسعدك، فقررت بعدها التخلي عن سمات التركيب وتعدد مستويات قراية الفيلم، اللي كانت بتتميز بها أفلامك، لتلجأ في الفيلمين إلى المباشرة والتبسيط، وهو ما يمكن أن يكون قد أوقعك في رأي البعض في المباشرة ومش هاقول التسطيح خاصة في فيلمك (الآخر)؟
أخذ الأستاذ نفساً عميقاً من سيجارته وكأنه أدرك رغبتي في استفزازه منذ أول سؤال برغم لجوئي لصياغته بشكل مهذب، وقال بهدوء لم أتوقعه:
يعني ما دمت بتسألني أنا، اللي انت بتوصفه إنه أسلوب مباشر، أنا مش شايفه كده خالص، بالعكس باحس إني زمان ماكنتش بأعرف أحكي زي ما بحكي دلوقتي، مرّات كتير الفيلم بتاعي من كتر ما كان بيبقى "ملعبك" كنت باضيّع الجمهور مني، دلوقتي تعلمت تكنيك إني أقول كل اللي أنا عايزه عن تناقضات الشخصية بطريقة تخليها توصل للناس، الوصول للناس مهم، هو أنا بعمل الفيلم عشان ماما؟ ماما هتقول لي الفيلم حلو؟ إنت عامل الفيلم للجماهير يبقى لازم يوصل للجماهير، الغلطة زمان عندي كانت إني مش عارف أكتب باسلوب بسيط يقول على كل التناقضات الموجودة في الشخصية، الكتابة هي اللي ماكانتش مضبوطة، لكن الواحد بيتعلم لما تتفاعل مع الجمهور مش معناه إنك تديهم كل اللي عايزينه.
وجدت في إجابته فرصة لتعلية نبرة مشاغبتي فقلت له: "لكن هذه البساطة كما تصفها يا أستاذ يوسف، بتقود أحياناً إلى وجود صورة سطحية، يعني على سبيل المثال لا الحصر، شخصية مارجريت اللي لعبت دورها نبيلة عبيد واللي المفروض بتمثل رمز لأمريكا، ظهرت في الفيلم بالشكل التقليدي لشخصية الشرير بتاع فريد شوقي والمليجي في أفلام زمان، شريرة على طول الخط بترتكب كل الموبقات وتلقي جزاءها في النهاية، وما ظهرش عُمق التناقضات والتركيب اللي حضرتك بتقول عليه واللي كان لازم يظهر في شخصية زي دي؟.

شعرت أنه كان موزعاً في تلك اللحظة بين الرد بشكل غاضب على ما قلته، وبين الدفاع عن الإتهام الذي قلته، وبدا ذلك في إجابته التي قال فيها:
بالعكس خالص، إنت في آخر الفيلم مش بتشوف مارجريت شريرة، بتشوفها غلبانة في مخها، قبل النهاية بتقعد جنب ابنها وتحكي أسباب تعلقها بيه وإزاي اتعذبت عشانه، هي مش شريرة زي فريد شوقي في أفلام زمان، ولا هي سطحية خالص زي ما بتقول، ولعلمك مدام نبيلة عبيد عملت الدور بشكل حقيقي كويس جداً، تحس بتناقض معاها، ومابتعرفش تكرهها وبتفهم اللي جواها، وتفهمك إن تعقيدها مش معناه إنها مولودة كده، وزي ما قلت لك كتابتي للشخصية دي باعتبره أحسن من كتابتي لشخصيات أفلامي اللي فاتت كلها، واللي خلاها ما توصلش للجمهور زي ما وصلهم فيلم (الآخر).
قلت له: الحقيقة رأيك فاجأني يا أستاذ يوسف، هل من المعقول أن أفلامك الرائعة السابقة زي "حدوتة مصرية وعودة الابن الضال واسكندرية ليه" لم تصل للجمهور بسبب التعقيد في الكتابة، إنت كده بتتفق مع اللي اتهموك طويلاً بالغموض والفشل في الوصول للجمهور؟
رد بحماس: طبعاً التعقيد في الحكي في أفلامي وقف حاجز قدام الجمهور إلى حد ما، مشكلة كبيرة إنك تبقى مش عارف تحكي، أنا لما أروح أقرأ كتب فلسفة لما تزيد المصطلحات الفلسفية الخاصة زي أنطولوجية وغيرها، ألاقي نفسي بافتح القاموس، وأقطع التسلسل اللي كنت ماشي معاه، ده مش المفروض يحصل في السينما، أنا كمخرج أهم حاجة عندي أخليك قاعد ع الكرسي ومش متضايق من حاجة ومش كل شوية تفوت عليك كلمة وماتفهمهاش.
قلت وأنا أغالب دهشتي: يعني التغير اللي في آخر فيلمين مش صدفة زي ما افترضت، وإنما نقدر نعتبره مراجعة للنفس؟
رد قائلاً: شوف، أنا باعتبر إن البني آدم لحد آخر يوم في حياته بيتعلم حاجات كتير، ولازم يتعلم إنه يبقى أحسن، عمري ما اعتبرت نفسي عندي عبقرية الكتابة، لكن كنت لابد أكتب أفلامي، لأنه ما كانش في حد في الوقت ده، بيدي وقت كافي لكتابة السيناريو، أمّال أنا ليه بس بأشتغل مع شباب في السيناريو على طول، علشان الشباب بيدّوني وقتهم، لأن السيناريو بيستغرق سنة وأحيانا سنة ونص، ولما يبقي الكاتب نجم كبير مابيدينيش من وقته غير ساعة في اليوم، يعني هاعمل فيلم كل 4 سنين، ودلوقتي كمان في أيامنا دي، الأحداث بقت أسرع بكثير وأصعب في ملاحقتها، يعني فيلمي بيستغرق عمله سنتين، فلازم أتوقع كفنان الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية للناس هتبقى إيه بعد سنتين، ولازم وأنا باعمل الفيلم أبقي مشترك معاهم في اللي بيحسوه، للأسف زمان ماكنتش قادر أوصل في الكتابة بشكل بسيط عشان أقول اللي عايزه، أنا رأيي دلوقتي إني بقيت باكتب أحسن. في الأول خالص كنت باعتمد علي حاجات مكتوبة جاهزة، وكل دوري إني أحاسب من إن السيناريست اللي بيشتغل معايا، وأحياناً كانوا بيبقوا أسماء كبيرة، إنه مايبوظش الرواية أكثر من اللزوم، بالعربي يعني ما يخرفش "يضحك". بعدها لقيت ده مش نافع، وقلت أتعلم السيناريو بعمق أكتر، وعملت تجارب كثيرة جداً، وأول تجربة تقريبا في فيلم "العصفور" كان فيها حوالي 13 شخصية، وكنت باضيّع الأمور أحيانا بسبب التركيب الشديد، لأنك برغم فكرتك عن فن السيناريو، برضه بتلاقي نفسك لايص في كتابة الفيلم.
سألت مندهشاً: طيب وكاتب السيناريو اللي كان معاك في الفيلم، الأستاذ لطفي الخولي كان بيعمل إيه؟
أجاب بتلقائية على عكس ما توقعت: كان على قده.
ثم بدا لي أنه شعر أن إجابته أكثر صراحة من اللازم، خاصة أن لطفي الخولي كان قد توفي قبلها بعام، فقام بتغيير الموضوع قائلاً: "شوف هأقول لك حاجة، إنت تلاقي دلوقتي ناس يقولوا لك فين الأفلام القديمة وفين ممثلين زمان، مع إن الأفلام القديمة كانت متنيِّلة ومسروقة من أفلام تانية أمريكي وفرنساوي، وكانت بس بتتكلم عربي، وقعدنا فترة طويلة كده، حتى مسرحنا الكوميدي المتميز كان كده. أنا عايز حد يبرهن لي فين الفيلم اللي اتعمل زمان وكان أحسن من دلوقتي".

قررت أن أعود به إلى المنطقة التي تجاوزها في الحوار، لأسأله مجدداً: طيب ده يدفعني إني أسألك يا أستاذ يوسف، ليه اخترت السكوت على كتاب السيناريو "اللي على قدهم"؟
فأجاب بهدوء، وقد بدا لي منذ تلك اللحظة أنه ارتاح تماماً لسير الحوار، وأنه سيتقبل طرح أي سؤال عليه:
طيب ما أنا كنت كمان على قدي، بدأت الاحتراف وعمري 22 سنة، حتى ماكانش عندي تجارب كافية في الحياة، حتى وجع القلب في الحب الطفولي لا يعطيك مادة كافية لأنك تكتب دراما، كنت حاسس بالمناخ السياسي ومش عارف أحلله، ده خد مني وقت.
ـ قلت: لكن رؤيتك في فيلم مثل "عودة الأبن الضال" كانت شديدة الجمال ووصلت لناس كتير جدا شافوه عند عرض الفيلم في السينما وأخيراً في القنوات الفضائية اللي انتشرت في السنين الأخيرة؟
رد بتحفظ: أيوه يعني وصلت الرؤية بعد كام سنة؟
أجبته: طيب لنفرض إنها وصلت بعد سنوات طويلة.. ليه لأ؟
رد بعصبية وهو يشعل سيجارة جديدة: طيب أعمل لك إيه، ما في حاجة إسمها التعود، ما أنا بدأت في الأول أقول إني مش هاخد الممثل كنجم أو كوكباية، أنا آخذه كممثل يعمل أي دور لو عنده موهبة، فلقيت الجماهير بتزعل لما انت بتغيّر من شكل النجم أو الكوكباية، اللي بيعمل كوميدي تقريباً مش مطلوب منه يعمل غير كده، ودي كانت بتضايقني لأنك بتحول المبدع إلى نمط، وتم تعويد الناس لغاية دلوقتي وإلى حد كبير، إنهم يدخلوا الفيلم يشوفوا النمط اللي بيعمله الاسم اللي بيحبوه، ويتضايقوا لو عمل حاجة غير كده، في فيلم كوميدي اتعرض مؤخرا، اتحكى لي إن الناس كانت بتموت من الضحك على حاجة معينة البطل بيقولها، وبعدين كل واحد يقول للتاني:"هو كان بيقول إيه؟"
بعدها صمت قليلاً، ثم بدا أنه لم ينس ما قلته له بخصوص نجاح فيلم (عودة الإبن الضال)، فعاد للحديث عنه مجدداً:
وبعدين ما تنساش إن أنا في ( عودة الابن الضال) كان معايا صلاح جاهين، وده راجل عبقري ولديه مميزات كثيرة منها إحساسه بالدراما.
قلت له: طيب ده عن فيلم عودة الإبن الضال، طيب بالنسبة لفيلم العصفور، هل لو أعدت الآن إخراج ( العصفور)، هتغير كتابته وإخراجه؟
أجاب: ـ آه.. العصفور كنت هاحتاج أغيرّه، لأني ما كانش عندي كل الحرفة، وماكنتش يمكن أقول كل اللي قلته، ويمكن كنت أقوله كله بطريقة تانية.
قررت رفع درجة المشاغبة فقلت له: أستاذ يوسف بمناسبة مراجعتك لطريقتك في كتابة السيناريو في أفلامك السابقة، في رأي لعدد من منتقديك ربما يلخصه رأي زميلك وصديقك المخرج الكبير توفيق صالح اللي قال لي في حوار عملته معاه، إن يوسف شاهين يمتلك أجمل وأهم عين سينمائية في تاريخ السينما المصرية، لكنه للأسف لا يجيد كتابة السيناريو؟
اندفع قائلاً: بُصّ توفيق صالح واقف من سنين عند حتة، وفي احتمال يكون فاكرني واقف زيه.
ثم صمت قليلا قبل أن يضيف بهدوء:
أولا، توفيق أنا أحترمه جداً وهو من أوائل الناس اللي عرف يعمل اللي بيسموه بالواقعية، وكان أكتر واحد مُسيّس فينا من أيام الجامعة، واحنا كنا لسه بنحلم نعمل أفلام رقص زي أفلام جين كيلي، بس دلوقتي من مواقفه، يبدو إنه مش مُنصف للآخرين، أنا باتعلم كل يوم وأرجع أقيِّم نفسي وأحاول، لو بصيت في (الآخر) هتلاقيني ماشي علي خطوات (أنتيجون) اللي عايزه تقتل أبوها وتقف ضده بأي شكل، وحاولت أقول ده ببساطة من خلال قصة حب.
– قلت: جميل إنك لا تسعى لتزويق نفسك يا أستاذ يوسف، وده يخليني أتشجع أسألك عما قرأته في إحدى حواراتك اللي بتعترف فيه إن تكوينك الثقافي ضعيف؟
قاطعني: بلاش ضعيف دي.. قول مش متكامل.
هززت رأسي مبتسماً وأضفت: وقلت كمان إن فهمك للسياسة كان فيه سطحية؟
قاطعني من جديد: بلاش تقول سطحية برضه، تقدر تقول كان فيه حساسية أكتر من اللازم، بس ما تقدرش تنكر إن مشاعري السياسية كانت قوية من الأول خالص، شوف (باب الحديد) مثلا تلاقيه أول فيلم مصري اتكلم عن النقابات، وريني أي فيلم مصري من حتة الواقعية اللي بيتكلموا عنها، قام بتقديم واقعية زي (باب الحديد)، وفيه دراما كويسة في نفس الوقت، يعني تقدر تقول إن الاستعداد الداخلي عند الواحد بيتطور مع العلم والممارسة، لما أحلل (باب الحديد) دلوقتي اللي عملته في ذلك الوقت بحاستي فقط، بأتعجب إزاي كانت الحاسة مضبوطة مع إنك يعني كنت لسه كمخرج بتغلط كتير.
قلت مستوضحاً: يعني عايز تقول إنك كمخرج شاب كان عندك فطرة ثم تطورت إلى وعي بشكل تدريجي؟
أجاب بحماس: آه، تقدر تقول وعي بشوية زيادة، بس لحد النهارده، لا أنا ولا انت ولا نجيب محفوظ ولا أي حد تكامل، خد أي عمل فني أوفكري تلاقيه مش متكامل، ييجي ناقد شفاف ويقول لك عليه آراء وما أعرف إيه، بس استحالة هتلاقيه متكامل.
عدت ثانية لمشاغبته مستغلاً هدوءه الذي بدا لي استثنائيا: بصراحة يا أستاذ يوسف، بمناسبة نجيب محفوظ، أعتقد أنك كنت أفضل سينمائياً، عندما كنت تعمل مع كتاب سيناريو مثل صلاح جاهين ونجيب محفوظ وعبد الحي أديب…؟
قاطعني بحماس: بس عمري ما عملت معاهم (المصير)، عمرنا ما وصلنا إلي درجة تكامل في السيناريو قد المصير، كنا أقل شوية، كلنا كنا كده.
قلت له مستغربا: يعني رأيك أن "المصير" كان أرفع وأعلى من صراع في الوادي مثلا أو من صراع في الميناء؟
أجاب بحماس: آه آه.. أعلى من ناحية التمثيل والسيناريو والإخراج.
قلت بحماس وكنت قد اندمجت في الحوار بشكل نسيت معه الإيجار واجب الدفع: لكن اسمح لي أن أرى العكس تماماً، وأقول لك كمشاهد إن المستوى زمان كان أفضل لأنك كنت تتعامل مع أنداد ليك، وكان يحدث بينكم اختلاف يعود إيجابيا على العمل، لكن مع تلميذك خالد يوسف بتاخد راحتك في الكتابة وبتعمل زي ما انت عايز من غير ما يعارضك؟
رد غاضباً: لا.. مش صحيح أنا باسمع له كويس جدا، واحنا الإتنين بنسمع مع بعض لناس تانية، إنت عارف السيناريو ما بيتكتبش، بيتعاد كتابته علي الأقل عشرين مرة، سمعنا كل الآراء من كل الفئات والجهات، لكن المشكلة إن كل دول بيقروا، مش بيشوفوا، وده ينفع في الأدب مش في السينما، مافيش حد في الدنيا بيعمل اللي هو عايزه، دي كلمة هايفة جدا اللي انت قلتها. أنا دلوقتي ماباعملش فيلم وبس، باعمل الفيلم عشان فيه داعي، لازم أحسه، ولذلك هتلاقيني مضطرب وقلقان جدا، في الفترة اللي أنا فيها عشان عايز أعرف إيه هو مغزى فيلمي اللي جاي، وبعدين بعد ما أعرف المغزى اللي عايز أقوله، بابقى عايز أعرف هل أعمله دراما أو كوميدي، بالنسبة لي مش مشكل، أنا حرّيف حرّيف.
ثم يبتسم الأستاذ فتهدأ الأجواء بعد أن كانت قد توترت قليلاً، ويضيف قائلاً:
لكن المشكلة إيه هو المغزى اللي عايز أنبه الناس إليه، زي في (الآخر) لما قلت حاسبوا من كلمة العولمة اللي بنقولها دلوقتي برغم إن فيها خراب بيوت ومنها بيتي أنا. دي كانت تجربة شخصية، لما طلّعت الحكومة قانون شركات السينما اللي رأس مالها 200 مليون جنيه، وأنا شركتي بدأت رأس مالها بمبلغ 14 ألف جنيه، وأنا اللي باعمل كل سنة الأفلام اللي بتروح المهرجانات مش بس ليا وكمان للشبان الصغيرين، تقوم تيجي الحكومة تفطّسني، وتدي امتيازات للناس اللي مالهاش دعوة خالص بالسينما، اللي بيعملوا شرابات والبسة، أو يعملوا اللي يعملوه، إنما ما يجيش حد منهم يخبّط على الطرابيزة في اجتماع مع المسئولين، ويتكلم عن السينما وأنا موجود، كان لازم ساعتها أنا أرد عليه ورديت في ساعتها، بس كمان رديت في فيلم (الآخر) عشان فكرتي توصل للناس كلها وتفهمها، في أسئلة خطيرة جدا طرحتها في (الآخر) بس ما حطيتهاش في المقدمة، عشان طالب الجامعة في بالي، وعشان كده قدمت قصة الحب والتسلية والمزيكا الحلوة وصوت ماجدة الرومي، ده ماكانش تنازل، وإنما عشان أنا عايز أحضن الجماهير.
ـ قلت وأنا أعود به إلى مسألة موقفه من سيناريوهات أفلامه التي بدت لي شديدة الغرابة: ما هو رغبة احتضان الجماهير دي هي اللي البعض شايف إنها دفعتك للأسلوب المباشر والوقوع أحيانا في فخ التسطيح، خصوصا في آخر فيلمين؟
يرد بهدوء: بالعكس أنا مصمم على إني ما كنتش باجيد الحكي في الماضي زي ما أجيده الآن، وقلتها وباكررها تاني: تعقيد أفلامي في الماضي صرف الجمهور عنها أحيانا، زمان ما كنتش واصل لشكل بسيط في الكتابة، دلوقتي أنا شايف إننا بنكتب أحسن.
ـ يعني انت يا أستاذ يوسف تعتبر إنك حلّيت أزمتك في السيناريو اللي كانت واقفة بينك وبين الناس؟
رد غاضباً: ماحدش حلها، ولو حد حلها يروح لاستديوهات هوليود اللي بتعمل أفلام الملايين اللي بنقلدها وحش وهيدوله ملايين ساعتها.
قلت لأهدئ من غضبه: أقصد إنك بتعتبر نفسك تطورت، مش إنك تراجعت زي ما البعض شاف؟
رد بحماس ليبدو أنه لا زال متأثرا برأي توفيق صالح الذي ذكرته وقد كان بين الاثنين علاقة مركبة وخاصة يعرفها كل من اقترب منهما:
طبعا تطورت بدون شك، وده اللي أنا واخده على توفيق صالح، أنا عمري ما كان عندي غطرسة تخليني أقول إني فاهم كل حاجة، ده حتى بعد الجايزة الكبرى اللي خدتها في مهرجان كان بعد فيلم المهاجر، وأنا باخدها قلت لنفسي: لأ .. أنا سينمائي، إوعى أتضرب في نافوخي، وأفتكر نفسي إني كمان كوكب، أبقى ساعتها حمار كبير، وحلفت إني بعد عشرة أيام لازم أكون وصلت لمغزى الفيلم الجديد اللي هاعمله، وقعدت أشتغل فيه حوالي 18 شهر وعملت فترة دراسة ومراجع عشان أعرف أنا فين والعالم فين، رأي توفيق صالح في رأيي للأسف، باعتبر أنه رأي واقف في مكانه تسع سنين على الأقل، معقولة كل السنين دي فاتت ما عملتش حاجة، طيب ده حتى السوق والمهرجانات بيقولوا غير كده.
….
(غداً: يوسف شاهين يتحدث بصراحته المعهودة عن محمود المليجي ويوسف إدريس وصلاح جاهين ومحسن محيي الدين ونجيب محفوظ).

قد يعجبك ايضا
error: Content is protected !!