المصريون وعاداتهم الرمضانية

لكل شعب من الشعوب الإسلامية طقوس خاصّة يتميز بها في مناسباته الاجتماعية، خصوصاً المناسبات التي تتعلق بالعقيدة الدينية، التي تمثل أيضاً جزءاً من هوية الشعوب، وجزءاً من تاريخها وانتمائها. ومن أكثر العادات تميزاً استقبال شهر رمضان المبارك، ويعتبر الشعب المصري من أكثر الشعوب احتفاءً وتميزاً في استقباله وقضاء لياليه. هي عادات يتوارثونها جيلاً بعد جيل، تتأصل وتزداد بريقاً كلما مرّ عليها الزمان. وقد بدأت تلك الطقوس من الدولة الفاطمية، حين استقبل المصريون المعز لدين الله الفاطمي، القادم من ناحية الغرب ليلاً بمشاعل وفوانيس لتضيء له الطريق، لتتحول إلى عادة رمضانية تضيء الشوارع طوال شهر رمضان المبارك، وليتحول "الفانوس الرمضاني" إلى ضرورة في كل بيت، يستقبل بها الشهر الكريم، وربما لا تتم بهجة استقبال الشهر إلا به.
منذ مئات السنين، يرتبط شهر رمضان في القاهرة والمدن والقرى المصرية بالطعام والكرم والموائد الرمضانية، حيث يستعد المسلمون، قبل بدايته، بشراء الأصناف المختلفة من الخضروات واللحوم، وما يسمّى "ياميش رمضان" لصنع الحلويات، والعصائر التي تحرص مختلف فئات الشعب على أن تزّين بها موائدها، علاوة على الإنفاق المضاعف عن كل شهور السنة. إلى درجة أنّ العوائل قد تضطر للاستدانة أو الادخار فترات طويلة، لتكفي حاجتها الاستثنائية في شهر رمضان.
وتميزت الأحياء في القاهرة بما تعرف بموائد الرحمن لتكون سمة شوارعها، وخصوصاً في الأحياء القديمة والتاريخية منها، ويتميز حي الحسين أكثر من غيره من الأحياء في التنافس عليها، في سهرات تمتد إلى صلاة الصبح، تجمع العائلة والأصحاب والمحتاجين وغير المحتاجين في سكينة تليق بالشهر.
أما عن حركة الأسواق، فهي سمة مصرية أصيلة، حيث تنشط الحركة التجارية خلال الشهر على كل المستويات التجارية، فأما في الريف المصري الذي ارتبط عيد الفطر فيه بموسم الزواج، ينافسه في ذلك موسم الحصاد، فتنشط حركة المشتريات للأثاث ومقتنيات العروسين الخاصة، وأما في أنحاء البلاد فتنشط تجارة الملابس إلى جوار مستلزمات الولائم، حيث يمثل "فانوس رمضان" و"ملبس العيد" شعيرة من الشعائر عند الصغار في تلك الفترة من العام. وظلت تلك العادات لازمة لحياة المصريين، لا يغيرها طارئ، بل ربما تتنازل الأسرة عن بعض حاجاتها الضرورية لاقتناء كل ما يخص هذا الشهر وما يستتبعه من عيد الفطر حتى خمس سنوات مضت.
في الأنظمة الاستبدادية الشمولية والحكم العسكري تتداعى الحياة الاقتصادية، ويتأثر مستوى الدخل بشكل مباشر، فتهبط قيمة العملة ويثبت الدخل وترتفع الأسعار بشكل جنوني، لا يقدر على مسايرته متوسطو الدخل فضلاً عن محدوديه. ومنذ اليوم الأول للانقلاب العسكري المصري عام 2013، والمصريون في حالة انتظار أن تتحسن الأوضاع التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
وفي كل عام، يعد النظام المصريين بمزيد من الإجراءات الصارمة لتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فلا يجد المواطن البسيط مردوداً لتلك الإجراءات سوى مزيد من الفقر، وتقلص الخدمات المقدمة من الحكومة له حقاً أصيلاً له كمواطن، وتبدلت اهتمامات المواطن، ليكتفي بسداد رمقه أو سداد جزء من حاجاته الضرورية ربّاً للأسرة. ومنذ ذلك التاريخ، بدأ البسطاء بالتخلي عن معظم عاداتهم المرتبطة بمناسبات عامة، ليتحول "اقتناء الفانوس ولبس العيد" الذي ينتظره الصغار مجرد حلم فوق طاقة العائلة، حيث تخرج الأم أو الأب بأبنائهما ليعودا بالقهر وفراغ اليد، ويصير الحصول على دجاجة أمنية لا يقدر عليها الموظف الحاصل على درجة جامعية!
ويكفي أن تسير في أيٍّ من شوارع القاهرة أو سائر أنحاء البلاد، لتقرأ البؤس حيّاً في عيون الناس، فمظاهر الفقر تكاد تصرخ لتناشد الإنسانية بأن هناك شعباً ظلمه العالم، حين تآمر على أول تجربة ديمقراطية ليأتي بانقلابي يستنزف طاقات الناس، ويستنزف أحلامهم البسيطة، ويقضي على أيّ أمل بالتغيير في المستقبل القريب. فما الذي أفسده هذا النظام في قاهرة المعز لتصير المشاحنات بين الناس سمة شوارعها؟ وما الذي أعطى تلك الأنظمة الجرأة لقتل فرحة الناس بشهر عبادة ينتظرونه كل عام؟ ومن الذي يحاول تغيير هوية تلك البلاد، وتحويل شعبها المتمسك بتقاليده، لشعبٍ لا هوية له ولا تاريخ، ليصير كل همّه كيف يستكمل يومه من أن يجوع أبناؤه؟

قد يعجبك ايضا