عن ألم الفقد

رحلت وسبقته إلى الدار الآخرة بثلاثة أيام، على الرغم من أنّ المرض أقعده قبلها بسبع عشرة سنة، اختارها الله عز وجل لتسبقه وترحل عن الحياة الدنيا وتغادر دار البقاء، ويكون الرحيل بلا رجوع، يتسلل الحزن إلى أفئدة مثقلة بجراح لم تلتئم طيلة هذه السنوات، تاركة لوعة لا توصف وحرقة تعتصر القلوب ستبقى ترافقنا ما دمنا أحياء. لكن قضاء الله سبحانه وتعالى نافذ في خلقه لا محالة، كما هي الحياة حق، الموت والفراق أيضاً حق، لا يستطيع كائن من كان من المخلوقات أن يؤخره ثانية واحدة من الأجل المؤكد والمحتوم. رحلت أمي صبيحة يوم التاسع عشر من رمضان 2013، كنت إلى جانبها تلك الليلة، ولم أتوقع أن الساعات القادمة ستضعني وتتركني على مفترق الفجيعة وبداية طريق الأحزان، بعد قضاء أيام وليال بجانبها وجانب أبي الممدد منذ سنوات على سرير المرض.
كانت تُخفي أوجاعها وتُشعرنا بأنها بخير وسليمة، وأن حركة أطرافها طبيعية، كانت توحي إلينا بأنها ليست مريضة رغم إصابتها بشلل نصفي لتكون رفيقة أبي وشريكته في نفس المرض والمعاناة، كله مُقدر بعلم الله سبحانه وتعالى.
بدّلتُ لها المصل قبل نومي مع شروق شمس ذاك اليوم، نظرت إليها وإلى أبي بعينين متعبتين ذابلتين، أرجو العطف والرضا منهما، ثم أيقظت أختي لتستكمل العناية بهما.
استلقيت على جنبي واضعاً رأسي بمحاذاة قدميها، كي أنام وأحلم في جنّة، لطالما سمعت أنا وغيري عنها (الجنة تحت أقدام الأمهات)، وهل كثيراً عليها أن أضع رأسي قرب قدميها؟ وهي التي كانت تنكسر وتحنو عليّ وعلى إخوتي، إذا تعثّر أحدنا بباب البيت وتهبّ مسرعة نحونا، ونسمع منها كلمة (يمّا)، ما أحلاها من كلمة، وما أجمل جبينك يا أمي، وخديك وكفيك كأنما ينام فيهما القمر، ما أجمل المبيت عند قدميك.
اطمأن إليها وتركها كأنها عروس فاتها أن تستيقظ من نومها، ولم يخيّل إليه أنها ستكون الساعات الأخيرة والمصل الأخير، ولحظات الوداع الآتي، وأنها لحظات الغيبوبة التي تسبق الموت. أخذني النوم ولم أعِ أن أختي توقظني بعد وقت قليل، لا أصدق ما تقول، لا أعرف أين أتوجه، أنظر إلى أمي ثم إلى أبي، تجمّدت يداي وتسمّرت قدماي وأختي تبكي وتشير نحو أمي. اقتربت من أمي وأمسكت يدها، شعرت بأن رعشة الموت هي التي كانت تسري فيّ، ناديت (يمّا، يمّا، يما اا)، ناديت بملء حزني ورجائي، هذه أول مرة أنادي عليها ولا ترد عليّ أمي، ولا تكلمني، أحاول إيقاظها وحثها على التمسك بالحياة ولو للحظة، لكن دون جدوى. أيقنت حينئذٍ أنه الموت هادم اللذّات ومفرق الجماعات، جاء دون استئذان، ذاكراً قول اللّه سبحانه وتعالى: "ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".
أحسست حينها بدوار شديد، وأن البيت والمكان والكون بدأ يتْشح بالسواد، أنظر إلى أمي بذهول وحيرة، ثم أنظر إلى وجه أبي الذي شعر بأن شيئاً قد حدث. أشار بيده إلى أختي أن تقترب منه ليسألها بصوت منخفض: كيف أمك؟ وكيف حالها؟ خذوا بالكم منها، ثم أغمض عيناه وهمس بكلمات لم أفهم حينها ما هي؟
رحلت رفيقة عمرك يا أبي من دون أن تودعك، رحلت قبلك ولم تودعنا، وبدأت تتداعى الصور وتختلط الدموع مع الذكريات، لقد توقفت النكات والضحكات والمشاكسة بينكما، وصدقت أمي حين كانت تمازحك لتسمع صوت ضحكتك قائلة: سيأتي يوم تقضي علينا فيه وتبقى وحدك، كان يضحك كثيراً عندما يسمع منها تلك الكلمات، فيجيب: أنت اسبقيني وسألحق بك مباشرة، ولن أبقى دونك!
في عزاء اليوم الثالث وقبل أن يجف تراب قبر أمي، كانت المصيبة والفجيعة الأخرى. عندما جاء موعد وفاة أبي، وأسلم روحه إلى الباري عز وجل، حينها تذكرت تلك الكلمات التي همس بها، ولعلها كانت أمنيته أن يلحق بأمي ورفيقة عمره، بل ويُدفنا أحدهما بجانب الآخر في قبرين متجاورين، أرجو الله أن يكونا في روضات الجنة في عليّين مع الصدّيقين والشهداء والصالحين.
ست سنوات مضت على رحيلهما، وفي ثنايا القلب والعقل تتجّمع ما تناثر من ذكريات، تسيل الدموع بحرقة على فراقهما، ويرجوها أن تبرّد نيران الحزن في جوفي.
أمي، أبي، أتيتكما بحزن لا ينتهي وبشوق إلى عطفكما لا ينقطع، شوق كم غسل جروحاً وضمّد آلاماً في حياتنا.
رحيلكما هو جرحنا الأبدي وغيابكما كملح في جروحنا. أمي، أبي، تحاصرنا النظرات والكلمات والذكريات المحفورة في الوجدان، والأحداث كثيرة تتزاحم مع بعضها البعض، تأبى النسيان.
تغلبنا الدموع ويعتصر قلوبنا الألم، كلما جاءت ذكراكما على الألسنة التي لا تملّ الحديث عنكما أبداً.
إنها رحلة الموت التي لا تنتهي إلا بانتهاء الدنيا، رحمكما الله يا والديّ وجعلكما رفقة الشهداء والأتقياء، ورحم الله أمواتكم رحمة واسعة، و"إنا لله وإنا إليه راجعون"، "ولا حول ولا قوة إلا بالله".

قد يعجبك ايضا