كَرِمالٍ جافّةٍ ناعمة

"هذا ليس حسابا رياضيا أو رياضيات، فلا تتوقف عنده"… يقول الطبيب المعالج لشاعرٍ يسأله أن يحدّد له الوقت المتبقّي له من الحياة، إذ ما زال لديه مزيد من الكتب ليعمل عليها، ويريد أن يعرف ما تبقى له من الوقت لينظمه، وينجزها كلها، لكن الوقت المتبقي لا يمكن حسابه بالأيام والساعات والدقائق. الوقت خارج العملية الحسابية، فهو ليس معادلةً يمكن استنباط نتائجها. الوقت مرتبط بالكينونة الشخصية، بكل ما تعنيه هذه الكينونة، ليست فقط الكينونة المادية، بل الأهم الكينونة النفسية، مقدار رغبتنا بالحياة على الرغم من الألم، قدرتنا على المقاومة حتى الرمق الأخير. الإصغاء إلى صوتنا الداخلي، وما يوحي إلينا به، والكلام، بطبيعة الحال هنا، عن الوقت المتبقي في حالات تشخيص أمراضٍ مستعصية، لم يعد العلاج يجدي معها، غير أنه ينطبق أيضا على وقتنا في الحياة عموما، بغض النظر عن أسباب الموت الذي ينتظرنا جميعا، إذ لم ينج أحد منه على وجه الأرض، منذ ابتلعت الأفعى عشبة الحياة التي ذهب جلجامش في رحلته الطويلة الشاقة ليبحث عنها! تبدو رحلة جلجامش تلك هي الحياة بحد ذاتها، بكل ما لاقى فيها من صعوباتٍ ومخاطر ومغامراتٍ مرهقةٍ وجميلة، غير أن الحزن كان يسيطر عليه طوال رحلته، الحزن الخفي الذي لم يعرف مصدره حتى نهاية الرحلة، حتى لحظة اكتشافه أن لا جدوى من الرحلة كلها، ما يبحث عنه لن يوجد أبدا.
"لم يترك الموت لقلب فرحا"، يقول شاعر آخر عانى مرضا لم تنفع معه محاولات العلاج، ولم يعد يمتلك القدرة على المقاومة، فوطّن نفسه على الرحيل وهو نائم في غرفة العناية المشددة التي أدخله إليها الأطباء لمجرد الاطمئنان والمراقبة، لا لشيء آخر، لكنه رحل تلك الليلة، كما تمنّى دائما أن يرحل: وهو نائم، "لم يترك الموت لقلب فرحا"، ما معنى الحياة إن لم يكن للفرح نصيب كبير منها؟
حين قرأت نص الشاعر أمجد ناصر "قناع المحارب"، والذي قيل عنه إنه رثاء ذاتي، (لم أقرأه هكذا)، فكّرت بما يلي: ماذا لو كان كلٌّ منا يعرف تاريخ رحيله، ما الذي كان سيحدث؟ وكيف سيكون حال البشرية وقتها؟ أكاد أزعم أن لو شيئا كهذا كان موجودا لتغير تاريخ البشرية عن بكرة أبيه، يعيش كل منا وهو يظن أنه يعيش إلى الأبد، وأن الموت الذي يأخذ الجميع لن يجرؤ على الاقتراب منه، جميعنا في مكان ما داخلنا نفكّر على هذه الشاكلة. لهذا نسلك سلوك الباقين إلى الأبد، نسعى إلى السيطرة على كل شيء، نسعى إلى التملك، نسعى إلى القوة، وكأننا بذلك نسعى إلى السيطرة على الزمن وعلى المستقبل. ولأجل هذا السعي نفسه، نرتكب كل الشرور الممكنة، نحاول قتل الآخرين، وكأن قتلهم يطيل في زمن بقائنا على قيد الحياة، وكأن قتلهم يجعلنا نمتلك الزمن الحاضر والمستقبل، نخوض الحروب الفردية والعامة، نكره المختلف عنا، نفعل كل ما يثبت لنا أننا سادة الوقت والزمن، لا مجرّد عابرين في سيرورة الوقت، لنفسح المجال لآخرين عابرين مثلنا.
لو أن كلا منا يعرف تاريخ رحيله، هل كنا نفعل ما نفعله الآن في حياتنا؟ أظن أن الجواب سيكون (لا)، أو على الأقل كنا سنفعل ما نفعله الآن بطرائق مختلفة. أفكر بي شخصيا: كنت سأسعى إلى أن أكون أكثر سعادة، وأكثر اهتماما واستغلالاً للوقت لأنجز ما علي، سأفعل كل ما أحبه وأرغب به، بغض النظر عن رأي الآخرين بما أفعل، أساسا، لو أن شيئا كهذا يحدث لن يكون ثمّة معترضون، إذ سيفعل الجميع الشيء ذاته، على أن يكون وجودهم في الحياة ممتلئا بالفرح. تخيلوا لو أن شيئا كهذا يحدث! لن تكون هناك كراهية، إذ لا داعي لأن أكره من أعرف أنه يعرف موعد رحيله، كمن حجز تذكرة سفرٍ بتوقيتٍ محدّد، حتى لو كان وجوده ثقيلا علي، سأتعامل معه بحب، فهو سيغادرني في وقتٍ يعرفه وأعرفه أنا.
أظن لو حدث شيءٌ كهذا، لربما كانت الحياة أكثر جمالا وهدوءا وسلاما. وربما لما كان الفن قد وجد، فالفن هو حاصل سؤالنا الأبدي، متى وأين وكيف، هو حاصل علاقتنا المركبة مع الوقت وعراكنا الدائم معه، الوقت الذي نظن أننا نسيطر عليه، بينما يمسكنا هو بقبضته ويراقبنا ضاحكا، ونحن نتسرّب منها كرمالٍ جافّة. 600 784 - كَرِمالٍ جافّةٍ ناعمة

قد يعجبك ايضا