ويطعمون الطّعام

من أهم صفات الأبرار ذوي الدبابيج الخضر المذكورين في سورة الإنسان، الذين يشربون من كأسٍ مزاجها الزنجبيل والكافور، المتكئين على الأرائك، في جنّة وارفة خضراء، لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، هي إطعام الطّعام، فقد قال تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا". وللعلم؛ هؤلاء الأبرار كانوا يطعمون الطّعام مع حبّهم وحاجتهم له كما تحدث عنهم القرآن، فكيف بمن أغدق الله عليه من نعمه؟ ويبخل به! خاصة في مثل هذه الأيام، والناس صائمون والأجور تتضاعف، كمًا وكيفًا، إذ جاء في الأثر عن بعض السلف، قولهم: "إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة، كالنفقة في سبيل الله".
إطعام الطعام إحدى مفاخر العرب منذ القدم، وهي خصلة حميدة دعا إليها الإسلام منذ بزوغ فجره، وهذه الصفة وبلا شك ميّزت أولئك الأعراب عن غيرهم، كيف لا، والجود لم يكن معروفًا عندهم إلا في قرى الضيف وإطعام الطّعام، وقد كان لأحدهم صِحافٌ تُعرض عند كل صباح مملوءة خبزًا ولحمًا، وينادي منادٍ من على جبل أبي قبيس في مكة: "من أراد الإفطار فليأتِ"، فإذا كان الظهر مُلئت الصحاف ونودي: "من أراد الغداء فليأتِ".
ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أكرم القوم وأجودهم، ناهيك عن أنه في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة، وقد سئل ذات يوم: "أي الإسلام خير؟ فقال: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" (متفق عليه).
أولئك الأبرار الذين أسلفنا حديثًا عنهم، كانوا يطعمون ثلاثة أصناف بنص تلك الآية، والأصناف الثلاثة مسكين ويتيم وأسير، والأسير كما جاء في أغلب التفاسير أنه الحربيّ من أهل دار الحرب يُؤخذ قهرًا بالغلبة، وقيل هو من أهل القبلة يُؤخذ فيُحبس بحقّ، وما أكثر هؤلاء الأسرى في بلداننا اليوم، ولا سيما مع ازدياد الحروب والأطماع، وفي غياهب السجون يا قوم أوجاعٌ لا يعرفها إلا من قد عايشها، والكثير من الأسرى؛ كانوا العائلين الوحيدين لأسرهم، فكيف بتلك الأسر؟ وقد غيّب العائل والكافل خلف قضبان الحديد والأحجار.
لذا أحببت في خواتم هذا الشهر المبارك تذكير بعض الأحباب، ناهيك عن المنظمات والجمعيات ومراكز الإغاثة، النظر إلى هذا الصنف من الجوعى، وليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع.

قد يعجبك ايضا