إسرائيل التي تخاف دفع ثمن التوتر

كلما ارتفعت حدة التوتر بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وإيران، نتيجة تشديد العقوبات الاقتصادية على الأخيرة؛ ارتفع منسوب القلق والخوف في إسرائيل من اندلاع مواجهة في المنطقة تجد نفسها إسرائيل رغماً عنها في خضمها. والمفارقة أن رئيس حكومة دولة الاحتلال، نتنياهو، كان أول من حرّض الرئيس ترامب ضد الاتفاق النووي مع إيران، ويبدو أنه وراء قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق، وكان من كبار المهللين لقرار تشديد العقوبات الأميركية على إيران، وهو نفسه اليوم الذي يسعى، بكل قواه، إلى إبقاء إسرائيل بعيدة عن دائرة التوتر المتصاعد، وعن خط المواجهة بين واشنطن وطهران.
نتنياهو الذي كان في السنوات التي سبقت توقيع الاتفاق مع إيران من أشد المؤيدين للقيام بضربة عسكرية إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية، والذي دخل في نزاع حاد مع إدارة أوباما التي فضلت السبل الدبلوماسية لمعالجة الملف الإيراني على السبل العسكرية، نراه اليوم يحرص، بشتى الوسائل، على إبقاء إسرائيل في الظل، وعدم ارتكاب أي هفوةٍ تجعل منها هدفاً لهجمات إرهابية مثل التي عرفتها السعودية أخيرا، وسفن في الفجيرة الإماراتية، والسفارة الأميركية في بغداد.
وضمن هذا التوجه، برز واضحاً حرص نتنياهو، أخيرا، على عدم الإدلاء بأي تصريح يتعلق بالتطورات المستجدة. وبحسب الإعلام الإسرائيلي، طلب من وزارئه توخّي الحذر وعدم التعليق على ما يجري. وترى أوساط إسرائيلية أن هذا التوجه انعكس أيضاً في الطريقة التي تعاطى فيها الجيش الإسرائيلي مع التصعيد في قطاع غزة أخيرا، وعدم رغبته في استخدام القوة المفرطة ضد عناصر حركة الجهاد الإسلامي.
ولكن الى جانب سياسة الحذر والابتعاد عن الأضواء، يجري العمل على قدم وساق في إسرائيل لاحتمال نشوب مواجهة عسكرية مع إيران في المنطقة، تكون إسرائيل في أثنائها مستهدفة، سواء بهجوم مباشر من إيران، أو بالواسطة من خلال التنظيمات الدائرة في فلك إيران، والتي تنشط في العراق وسورية ولبنان.
وعلى الرغم من تراجع درجة التوتر الأميركي – الإيراني، ورغبة ترامب الدفينة في عدم حدوث مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط تعرّض حياة جنوده للخطر، وثقته بأن المال يحل كل شيء، وأن في إمكانه تركيع إيران اقتصادياً من دون إراقة نقطة من الدماء، فإن إسرائيل تستعد للأسوأ. وبحسب محللين فيها، يشكل التوتر بين إيران والولايات المتحدة تهديداً استراتيجياً من نوع جديد وخطر. ومن الأمور التي تتخوف إسرائيل منها: تعريض حرية الملاحة الإسرائيلية للخطر جراء إقدام إيران على إغلاق الممرات والمضائق البحرية وتهديد حرية الملاحة. ذلك أن حوالي 90% من عمليات التصدير والاستيراد الإسرائيلية تجري من خلال البحر، وما يقارب 12% منها يجري عبر باب المندب، ما يقدر بنحو 15 مليار دولار سنوياً. كذلك فإن ما تخشاه إسرائيل هو استخدام إيران مليشيات شيعية لمهاجمة أهداف أميركية وإسرائيلية، وإطلاق صواريخ إيرانية من العراق على إسرائيل، وإطلاق طائرات مسيرة من دون طيار محملة بالمتفجرات من سورية على إسرائيل.
في السنوات الأخيرة، كان التركيز الإسرائيلي ينصبّ على كيفية منع إيران من التمركز العسكري في سورية، ومنع تهريب الصواريخ المتطورة من إيران إلى حزب الله، ومنع إيران من إقامة مصانع في لبنان لتطوير صواريخ حزب الله، وجعلها أكثر دقة وفتكاً. لهذه الغاية، وضعت عقيدة "معركة بين الحروب" التي قام الجيش الإسرائيلي في ظلها، بحسب رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، بمئات العمليات، معظمها سرية. ويجبر التوتر أخيرا إسرائيل على إعادة تحديث هذه العقيدة، وجعلها ملائمة للخطر الجديد الناشئ، سواء نتيجة حدوث مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران؛ أو بسبب وقف إيران التزامها بالاتفاق النووي، وسعيها إلى الحصول على سلاح نووي.
يجري هذا كله، ونتنياهو لم يتمكّن بعد من تشكيل ائتلافه الحكومي الجديد، بسبب تعنت الأحزاب الدينية، وتمسّكها بمطالبها التي يعارضها المشاركون الآخرون في الائتلاف، ما يجعله المسؤول الوحيد تقريباً عن اتخاذ القرارات، بوصفه رئيسا للحكومة ووزيرا للدفاع. كما أن التحديات الناجمة عن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران هو بمثابة اختبار حقيقي لقدرات رئيس الأركان الجديد، أفيف كوخافي، الذي يبدو أنه ينتهج سياسة أكثر تكتماً من رئيس الأركان السابق.
ما يمكن قوله حتى الآن أن التوتر في الخليج العربي لم يمنع الجيش الإسرائيلي من شن هجمات ضد أهداف إيرانية في الأراضي السورية، تحت غطاء من التعتيم الإسرائيلي المطلق. وهذا يعني أن التطورات المستجدة لم تؤد إلى تغيير في الاستراتيجية الإسرائيلية ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية، ولكن الانتباه الإسرائيلي هذه المرة مشدود ليس فقط إلى ما يجري على الأراضي السورية، بل ما يجري أيضاً في الخليج وفي العراق. 600 776 - إسرائيل التي تخاف دفع ثمن التوتر

قد يعجبك ايضا