مسحوق الهمس وطحين الحرية وعجين الغناء

المشاعر الإنسانية هي أغلى ما في الوجود، والعواطف والأشواق تتخمّر في المعتقلات والسجون والبعد. وفي البدء كانت الكلمة، بها خلق الله الكون، وبها يقبض الله النشأة الأولى، وينشئ النشأة الآخرة. وبالنطق فرّق المناطقة الإنسان عن الحيوان، وقد أعاد الطغيان الإنسان إلى رتبةٍ أدنى منها بتحريم النطق السياسي، وهو سبب الثورة وسبب الحرب. مرةً، أبديت إعجابي الشديد برسوم صديقٍ رسامٍ، نال جوائز عربية وعالمية، فقال: أحس بالعجز والأسى والعطش إلى التعبير بالكلمات، وأن أقول ما يقوله الكتّاب، فليس يشفي الغليل سوى الكلمات. الطغاة يحولون البلاد سجونا. أشعار عربية كثيرة نقل فيها الشعراء رسائل إنذارٍ إلى من يهمّه الأمر، أشهرها قول المهلهل: من مُبلغ الأقوام أنّ مهلهلاً.. وسديد الملك صاحب قلعة شيزر الذي جاءته رسالة دعوة ومكيدة من صاحب حلب مكتوب فيها "أنّ شاء الله تعالى" فأدرك الرسالة من شدّة النون. وللعرب مصنفات في رسائل النذير والإحاطة.
وفي الأدب المعاصر يروي يوسف إدريس أجمل قصة عشق عاشها مع سجينة من التراحيل، عبر الدقّ على الجدران في قصة "مسحوق الهمس". ويروي هنري شاريير قصصاً من التخاطب عبر الدق على الأنابيب في السجون التي تنقّل بينها لنقل الرسائل. وروى سجناء في شهاداتٍ كيف تغلب المعتقلون على العذاب، وصبروا بجملةٍ مكتوبةٍ على حائط. وروى إبراهيم صموئيل في مجموعته "رائحة الخطو الثقيل" حكاية خمسين ليرة تركتها له زوجته مع تحية شوق وحنين على الورقة النقدية، تجعل القطعة النقدية أثمن من سعرها الحقيقي، وحولت القطعة النقدية إلى لوحةٍ خالدة.
روى صلاح الدين الحموي، في شهادته في برنامج مراجعات، في المرحلة الأخيرة من السجن في صيدنايا، بعد النقل من سجن تدمر الرهيب، أنهم علموا ببرنامج اسمه "خبرني يا طير"، في الإذاعة التي أبيح لهم الاستماع إليها، وتحول هذا البرنامج إلى موسوعة لمئات قصص الفراق العجيبة في عصر الشدّة، والتي يمكن بناء روايات ومسلسلات عليها، لكن البرنامج أتلف، لأن الطغاة يخافون من الذكريات. يقول الحموي إنهم استطاعوا نقباً في السد بينهم وبين الأهل، ونقلوا أخبارهم إلى أهلهم في أوروبا، واتفقوا معهم على التراسل بلغة الإشارة، فكانت الرسائل ترد من أوروبا إلى المساجين، وتطمئنهم على صحتهم بعلاماتٍ عامة متفق عليها، لا يمكن الاشتباه فيها. أما السجين المغربي، أحمد المرزوقي، في شهادته على العصر في "الجزيرة"، فقد صار ساعي البريد الذي بنى عشاً في سقف السجن، هو بطل قصة الحب، وهو الرسالة.
أصل اسم برنامج "خبرني يا طير" التي غناها ريبر يوسف وفيروز في أغنية أخرى، هي "دخلك يا طير الوروار"، هو قصة الهدهد الذي نقل رسالة النبي سليمان إلى بلقيس، وتحولت إلى قصة حب على لسان الإخباريين، وقصص أخبار منطق الطير خالدة، فيها لوعة وأسى ومواجد، لولا أن النظام الذي أعاد سورية إلى العصر الخشبي، وعلمه منطق الأغنام، حوّل منطق الطير إلى قصةٍ مضحكة، عندما رأينا مراسلة الفضائية السورية تخاطب شبحاً اسمه الرفيق حسن، بمكبر الصوت في الجولان المحتل. والمغزى من قصة الرفيق حسن: نجعلكم تتحدّثون بمسحوق الهمس ولغة الطير، لكن تحرير الأرض سيكون بالبوق.
في القرآن الكريم: "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ، وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ". ومنطق الطير اسم قصيدةٍ لفريد الدين العطار، موضوعها بحث الطيور عن طائر الأمل المعروف بسيمورغ، والطيور هنا ترمز إلى السالكين من أهل الصوفية.
في الأفلام الأميركية، يغضب الأميركي الغازي من الفيتنامي المحاصر، أو من العراقي الأسير لأنه أعجمي فيقتله. وها نحن ذا نقتل من أجل نطق حرفٍ لا يناسب لهجاتنا. اعتقل أَعلام سعوديون من أجل منطق الطير، فغرّدوا تغاريد صافية، مثل فلق الصبح في "تويتر" الذي اخترع من أجل تسهيل الحوار بين البشر، وقد يُساقون إلى الإعدام، وفي سورية سعيٌ إلى "فيسبوك" وطني. أما عدد المواقع التي أغلقت في مصر، فهي بالآلاف، وقد نعود إلى مرحلة الصفر والصفير وتعلم لغة الطيور في أقفاصٍ اسمُها الأوطان. شعوباً لزينة الملوك ومتعتهم. 600 738 - مسحوق الهمس وطحين الحرية وعجين الغناء

قد يعجبك ايضا