من المستفيد؟

منذ بداية الربيع العربي الذي تحوّل إلى خريف، بفعل فاعل لا يعلم أحد حتى اللحظة ما هي مصلحته، والمنطقة العربية تشتعل بالفوضى والحروب والتطرف وتغرق في بحور الأمية والأوبئة والفقر والهشاشة، حتى أصبحت خارج التاريخ وخارج السياق الحضاري والإنساني، بل أصبحت نموذجا للتخلف والتطرف ونمو الأوبئة، والتقلص الاقتصادي والتفسخ الاجتماعي وارتفاع نسبة الأمية والبطالة والفقر والعوز والعنوسة، أو ما يصطلح عليه الشلل الاجتماعي. أضف إلى ذلك انغلاق الأفق السياسي في ظل استبداد الأنظمة السياسية العربية، وتشبثها بكرسي الحكم، وما يصاحبها من فساد ينخر كل القطاعات الحيوية، وهو ما أنتج سخطا عارما ترجم في خروج شعوب تنادي بالحرية والكرامة والديمقراطية في الجزائر والسودان، وهما الدولتان اللتان لديهما خيرات باطنية وانكماش اقتصادي مبهم، شأنهما شأن جلّ الدول العربية، ما يجعل المعادلة في أساسها تعاني من اختلال عميق، وهو ما يترجم في ظواهر اجتماعية شاذة لا تبشر بخير.
ها نحن نعيش في الألفية الثالثة بصيغة المفعول فيه، أو المفعول به، خارج أي تصنيفٍ يحفظ لنا ماء الوجه، ففي تشبيه للمخلوقات في الكون، كان من نصيبنا أن نشبه البطريق الذي هو طائر لا يطير، لا هو مخلوق بحري ولا بري. والمصادفة الغريبة هي أننا نعيش في بلادنا العربية حروبا لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فالحرب في سورية واليمن وليبيا… تخاض لأجل إيجاد من يكون دمية يخدم مصالح من لا يمتون للعروبة ولا للعرب بصلة. أضف إلى ذلك أن لدينا دولا تستفز وتتم إهانتها بشكل معيب، من خلال صفقات سلاح أقل ما يمكن القول عنها إنها أسطورية، ولو استغلت في التنمية الذاتية والتعليم لكان مردودها مبهرا. ولكن مع أول اختبار لها أمام طائرات مسيّرة، استنجدت بالعالم ليحميها تحت مسمّى حماية الطاقة التي هي أصلا تحت سيطرة الدول الصناعية، وما توجه حاملة الطائرات (أبراهام لينكولن) وما يصاحبها من قطع عسكرية إلى مياه الخليج سوى استعراض للعضلات، له رسائل إلى من يهمهم الأمر. وهو ما جعل المتلقي يرد باستهداف أنابيب النفط في العربية السعودية، وتخريب مبهم لناقلات النفط التي ظلّت الأطراف المعنية تتجنب التورط في تبنيه، ولا سيما الإمارات التي كان ردها على الحادث باهتا وحذرا، وهي المتضرر الأساسي في العملية، وهو ما مرّر أكثر من رسالة، مفادها أن هذه الأخيرة لا تريد أي تصعيد قد يكون ذا عواقب غير محمودة للمنطقة بكل ما فيها. وفي ما يخص التصعيد القائم بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، لا يبدو أن الأطراف تريد حربا، وخصوصا أنّ الحرب إذا قامت سيكون المتضرر الأساسي منها هم العرب من الناحية الاقتصادية والبنية التحتية والسياسية والاجتماعية، مما سينتج فوضى عارمة ستفرّخ منظمات من نسل "داعش" و"حالش" ومن يدور في فلكهما.
ما يمكن أن يقع في الشأن الإيراني الأميركي هو التفاوض على تقسيم النفوذ داخل المنطقة العربية، عنوانه الظاهر الملف النووي، وخصوصا أنّ إيران لها أذرع ضاربة في مناطق تزعج الولايات المتحدة، وتضر بمصالحها الطويلة الأمد. وهو ما سيجعل العرب خارج أي تصوّر مستقبلي للمنطقة التي يعيشون فيها، بل سيكون في الفترة المقبلة طريق واحد وأوحد لضمان الهيمنة الغربية على العالم العربي، وهو دعم الديكتاتورية العربية، وخصوصا العسكر بوجه مجمل وبمسميات مختلفة، أشهرها وأكثرها تداولا محاربة الإرهاب، لإجهاض أي تنمية فكرية اجتماعية اقتصادية، ولضمان السيطرة الكلية على مقدرات البلاد العربية وتعليب الأدمغة وفق ما يتناسب ومخطط الألفية الثالثة.
وفي الختام: ماذا لو كانت القنابل والصواريخ التي ألقيت على اليمن من التحالف العربي مشاريع تنموية، فهل كانت اليمن هي ما هي عليه اليوم؟

قد يعجبك ايضا