أدونيس وشطارة أبوظبي

انتصارا لحرية القول والرأي، يحسُن أن يُرفَض توقيف قناة أبوظبي عرض حلقات برنامجها الحواري "لعلّهم يعقلون" الثلاثين مع الشاعر أدونيس، بعد حلقتين بثّتهما، ثم أزالتهما من "يوتيوب"، بعد ترويج إشهاري للحلقات التي كان مقرّراً عرضُها أيام شهر رمضان. ومع هذا الرفض، المبدئي فقط، يُستهجَن أيضا إيثار الفضائية هذه الخرسَ التامّ بشأن وقفها البرنامج وأسبابه. وقبل هذا كله، قد يجد واحدُنا نفسه معجباً بإقدام قناة أبوظبي على ألا تكون كما التلفزات العربية، فلا تستضيف فقط مشايخَ ودعاةً ووعّاظاً على شاشتها في الشهر المبارك، وإنما تُوازي هذا الأمر باستضافة كاتب ومثقف عربي نقدي، صاحب أطروحاتٍ إشكالية، على شاشتها، ليردّ، أمام مستمعيه ومشاهديه، على أسئلةٍ لبعض الإجابات عليها حساسيّته الخاصة، ويطرح، من دون تحرّز، قناعاته المضادّة تماما لكثيرٍ مما ينطق به المشايخ والدعاة. هذا جديدٌ تجترحه القناة الإماراتية ومن وراءها، غير أن ذلك الإعجاب سيزيل نفسَه بنفسه، بل سيرتدّ باعثا على السخرية، لأسبابٍ غزيرة، منها أن الذي تفعله أبوظبي، القناة (والسلطة الحاكمة؟)، يبدو تشاطرا وحسب، ولا صلة له أبدا برؤيةٍ نقديةٍ لدى أدونيس أو غيره، فالغرض أكثر من واضح في استضافة الشاعر المعروف برميه "الإخوان المسلمين" بالفاشية، وبحماسه البالغ للانقلاب العسكري في مصر، ورميه الإسلاميين بما فيهم وليس فيهم، وعدم تفريقه بين أبوبكر البغدادي وراشد الغنوشي. كان مُحاور أدونيس، المذيع الإماراتي يحيى الأمير، كما شوهد في الحلقتين المُلغاتين، نابها وعارفا شغلَه، في تعقيباتِه على إجابات ضيفِه عن أسئلته، فكان متوقعا منه في الحلقات التالية ألا "يمرّر" كل منطوق أدونيس كما هو، وأن يُساجلَه في المواطن الحسّاسة. وفي الوقت نفسه، يترك له الحبل على الغارب في غير موضوع، من قبيل أن "الإخوان" كارثةٌ على العالم الإسلامي، كما يقول صاحبُنا في واحدةٍ من الحلقات الموقوفة، بحسب ما عرّفنا المقطع الترويجي للبرنامج الذي لا حاجة إلى دماغ أينشتاين لمعرفة أسباب وقفه، فالقصة وما فيها أنّه خُيّل للقائمين على القناة التلفزيونية أن في وسعهم أن يتشاطروا، فيرمون أمام الصائمين وعموم عباد الله، من النظّارة، أدونيس، ليسمعوا تنظيرا فكريا من مثقفٍ ذي حيثيةٍ مشهودة، (شدّدت دعاية البرنامج على ترشّحه لجائزة نوبل)، يستقيم مع أطروحة الحاكمين في أبوظبي، وهم يحسَبون أنفسهم قادةً أشاوس في الحرب على التطرّف والتكفير والإخوان المسلمين والإرهاب، ويتأتّى لهم، في مداركهم، أنهم صناديدُ جسورون في إشاعة ثقافة النقد والاعتدال والانفتاح، بدليل أنهم يُبيحون أدونيس في شهر التبتّل أمام المشاهدين، ساعةً كل يوم، ليتحدّث عن النقل والعقل، عن الاتباع والإبداع، عن القرآن الكريم نصا تراثيا، وعن الدين في مطرح والدنيا في مطرحٍ آخر. ولكن ما تبيّن أنها محضُ أوهامٍ تستحكم في أخيلة المتحدّث عنهم هنا في هذا الشأن، لا تجعلهم يروْن على أي أرضٍ يقفون، تماما كما أوهامهم الأخرى التي تجعلهم يفترضون في أنفسهم ذوي قدراتٍ إمبراطوريةٍ على النفاذ في مطارح وموانئ وبلدانٍ وصحارى، بعيدة وقريبة.
بالتأكيد، لم يكن لائقاً ما حارب به بعضُهم أدونيس في استفظاعهم بثّ "لعلّهم يعقلون"، وما رموا به قناة أبوظبي من قلة تهذيب. ولكن الأخيرة هي التي جاءت بالمسبّة لنفسها، ليس لأنها استضافت الشاعر والمثقف العربي الذي له الحرية في أن يقول ما يراه، ولكن لأنها لم تحسبها جيدا، عندما افترضت أنه سيكون ميسورا استخدامُها الرجل في خياراتها ومغامراتها السياسية، ومحاولِتها توظيف مقولاته، وكذا تعزيزَ أوهام الحاكمين في أبوظبي عن أنفسِهم، قادرين على تجاوز حساسيات الرأي العام المحلي، وعدم الاكتراث بالتديّن الفطري لدى عموم الناس ووجدانهم، وعلى ازدراء أي أصواتٍ لا تستحسن التشاطر البادي في قصة الحلقات الثلاثين مع أدونيس. والمرجّح أنه لتطويق دعواتٍ إلى إقالة مدير القناة، ومسؤولين آخرين فيها، ولكي لا يتدحرج السّخط في "تويتر" (وغيره) إلى تصعيدٍ ووجع رأس، لا قبل لهؤلاء بهما، جرى التراجع عن إسماع الناس كلاما لأدونيس قاله وكتبه سابقا في عشرات المناسبات، ولم يحدُث مرّة، وهو النقدي المعروف، أن أجرى أي مراجعةٍ نقديةٍ لشيءٍ منه، وهذه قصةٌ أخرى. 600 507 - أدونيس وشطارة أبوظبي

قد يعجبك ايضا