في حريّة الفنّ واستقلاليته

عمرُه أكثر من ثمانين عامًا هو الذي يُشير تاريخُ ميلاده إلى صيف 25 يوليو 1938. أبواه رجلان، واحدهما روسيّ ثوريّ معروف ومؤسّس الجيش الأحمر، والثاني شاعر فرنسيّ شهير ومؤسّس الحركة السورياليّة، نظرتاهما إلى الأمور متضاربتان ويباعد الكثيرُ ما بينهما. ومع ذلك، تمكّنا من إنجابه، هو الذي لا يزال مطروحاً ومعاصراً بأفكاره التي أثبتت أحقيّتها وصحّتها. حدث الأمر عند لقاء الشاعر الفرنسيّ أندريه بروتون مع البلشفيّ الروسيّ ليون تروتسكي، في المكسيك، حينما طلب هذا الأخير من الأوّل أن يصوغ بيانًا يتعاون على كتابته مع مضيفه آنذاك، الفنّان التشكيلي المكسيكي دييغو ريفيرا، رفيق الرسّامة فريدا كاهلو. لكنّ بروتون وجد صعوبةً هائلةً في كتابة ذلك النصّ، لا بل إنه بقي مشلول اللسان والفكر خلال أيام، هو الذي كان معجبًا إلى حدّ كبير بتروتسكي الذي لم يكن ليعرف الكثير عن أعمال بروتون وسورياليته، وإن كان يعتبره رجلا وفنانا نزيها، وخصوصا أنه كان ميّالا إلى قراءة الأعمال الكلاسيكية الكبرى من نتاج القرن التاسع عشر.
يروي أحدُ الذين حضروا هذا اللقاء أنَّه كان حارًّا وإيجابيًا، إلى أن باشر تروتسكي نقاشًا بالفرنسية التي كان يتقنها حول السوريالية، بنيّة الدفاع عن الواقعية، مثلما كان يحبّها في روايات إميل زولا، "ففوجئ بروتون، لكنه استمع بانتباه، مشيرا إلى بعض النواحي الشعرية في أدب زولا". هكذا، ورغم كل ما يفرّق بينهما، وجد الرجلان لغةً مشتركةً، قوامها الحرية والثورة، وهو ما ساعدهما أن يتوصّلا، في ختام لقاءات ودّية ومشاوير في الطبيعة، إلى صياغة "بيان من أجل فنّ ثوريّ مستقلّ".
الاقتراح أو الفكرة جاءت إذاً من تروتسكي، فكان أن صاغ بروتون مسوّدة أولى، قام تروتسكي بتقطيعها وتنقيحها، مضيفًا إليها مساهماته وتعليقاته، ما استدعى نقاشاتٍ حادّة في بعض الأحيان، من نوع اعتراض الروسيّ على "استثناء ديكتاتورية البروليتاريا" التي أراد بروتون إضافتها، ووضعه حرّية الفنّ واستقلاليته فوق كل اعتبار. في النهاية، أنجز الاثنان نصًّا معاديًا للفاشية والستالينية في آن، مع الإشارة إلى رسالة الفنّ الثورية، وضرورة استقلاله عن الدول والأجهزة السياسية بمجملها، غير أن البيان لم يحمل توقيع تروتسكي، على الرغم من أن بروتون نسب تأليفه لاحقاً إليه، أكثر مما نسبه لنفسه، وإنما توقيعَي الشاعر الفرنسيّ والرسّام المكسيكي، وذلك بسبب قناعة البلشفيّ الروسيّ بأن الوثيقة هذه يجب أن تكون موقّعة من فنّانين فقط.
يؤكّد البيانُ المصير الثوريّ لكلّ فنّ حقيقيّ أصيل، أي ذاك الذي "ينصب قوى العالم الداخلي ضدّ الواقع الحاضر الذي لا يُحتمل"، ويندّد بشدّة بكلّ ما يعوّق حرّية الفنانين والمبدعين، وبخاصة ما تفرضه عليهم الدول، وبالتحديد الدول ذات الأنظمة الشمولية (وليس فقط)، كما يستشهد بماركس الشاب، إذ يعلن: "لا بد أن يكسب الكاتبُ مالا كي يعيش ويكتب، ولكن لا يجب في أيّ حال أن يحيا ويكتب لكي يكسب المال… الكاتب لا يعتبر البتة أعماله وسيلة، بل أهدافا قائمة بذاتها". ويتضمّن البيان نداءً لخلق حركة "الاتحاد من أجل فنّ ثوري مستقلّ"، يضمّ كل الذين يجدون أنفسهم في روح النصّ العام. لقد تأسّس الاتحاد بالفعل، وضمّ كتابا وفنانين كثيرين، لكنه لم يصمد للأسف في وجه الحرب العالمية الثانية التي جاءت مدمّرة للحجر والإنسان.
والحل أنّ هذا البيان كُتب في ظروف تاريخية معيّنة، تمّ خلالها إخضاع الأعمال الفنّية والأدبيّة لمتطلّباتٍ سياسيةٍ فرضها هتلر بشكل واضح وعلني، في حين كان ستالين أكثر تكتما، وإن لم يكن أقلّ ضررا، وهو ما حوّل الكتّاب والفنّانين في نظر كاتبيْه إلى "خدم النظام". لذا فقد كان الهدف من وراء كتابته وباختصار هو "استقلالية الفن – من أجل الثورة. والثورة – من أجل تحرير الفنّ بشكل نهائي". 600 503 - في حريّة الفنّ واستقلاليته

قد يعجبك ايضا