نساء في العراق: من البيت إلى المنظمات الحقوقية

مع تفشي جرائم العنف الأسري في العراق بمعدلات قياسية، أسفرت خلال العامين الماضيين عن حالات قتل شملت بالغالب فتيات ونساء تحت ذرائع مختلفة، إضافة إلى تسجيل حالات هروب من منازل أزواجهن، أو من أسرهن بسبب العنف، تصدت عدة منظمات محلية عراقية لمساعدة النساء أو الفتيات المعنفات، وذلك بعد اتخاذ السلطات الحكومية بالفترة الأخيرة دور المتفرج، وعرقلة عدة قوى يمينية في البرلمان العراقي قانون العنف الأسري، الذي قدمته قوى مدنية.
يتضمن القانون عدة بنود تهدف إلى توفير الحماية الكاملة لأفراد الأسرة الذين يتعرضون لاعتداءات من قبل الزوج، أو الأخ أو الأب، وأي شخص آخر، إذ تجد تلك القوى أن القرار يشجع على التمرّد، ولا يصلح الأسرة، بحسب زعمها، لكن المدافعين عن القانون يعتبرون أنه لحماية الإنسان ومنع إيقاع الأذى عليه، وتوفير ملاذ آمن له إن ضاق عليه منزله.
منظمة حرية المرأة هي واحدة من تلك المنظمات التي برزت أخيراً في بغداد، وساهمت في حماية المئات من السيدات والفتيات اللاتي تعرضن للظلم والاعتداء وتوفير حياة مناسبة لهن. تقول ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في بغداد، إن المنظمة "غير حكومية" وإن الهدف منها هو "تحقيق المساواة للمرأة بالرجل في العراق"
وتضيف، في حديث إلى "العربي الجديد"، أن العراق يعد من البلدان ذات التاريخ الذكوري القاسي على المرأة، فالمرأة عندما تكون على خلاف مع أسرتها في موضوع يخص الزواج أو الطلاق أو حريتها الشخصية، يؤدي هذا بها إما إلى الهرب والعيش كمشردة، أو يؤدي في الحالات القصوى إلى التهديد بالقتل، أي بما يسمى بـ القتل غسلاً للعار: "من هنا، بدأت مشروعي بفتح دور للمعنفات". تتابع: "مشروعنا الرئيسي الذي نعمل عليه الآن هو تأسيس دُور للمرأة المعنفة في العراق تحميها وتوفر لها حياة كريمة".
عضو المنظمة، سرى ليث، تقول إن "المنظمة ساهمت في إيواء أكثر من 840 امرأة معنفة منذ عام 2003 ولغاية اليوم"، وتوضح لـ"العربي الجديد"، أن عمل المنظمة لا يقتصر على توفير المأوى، بل إنها تعمل أيضاً على توفير فرص العمل لهن وإكمال تعليمهن وتمكينهن في مجالات عدة ليكن قادرات، ويتم إشراكهن حالياً في دورات تطوير مختلفة تتناسب مع المجال الذي تجيده كل واحدة منهن. لارا محمد إحدى النساء المعنفات، ما زالت موجودة داخل المنظمة لغاية الآن وتعمل حالياً مخرجة إذاعية في محطة "المساواة" التي تبث من بغداد، تقول في حديث إلى "العربي الجديد": "أنا إحدى الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكرة، وكان عمري حينها 16 عاماً، وعمر زوجي 17 عاماً، وجرى الزواج برغبة الأهل. كنت لا أفهم الزواج ولا أرغب فيه كمشروع. هكذا، وقع الطلاق بسهولة وبسرعة، لأننا لم نتوافق".
تقول: "نحن في مجتمع لا يقبل بأن تكون المرأة مطلقة، إذ تتغير نظرة المجتمع إليها وإلى عائلتها، وهنا وضعني أهلي بين العودة إلى زوجي أو قتلي". تتابع: "قام أخي بإشهار مسدسه ووضعه في رأسي مهدداً بقتلي في حال عدم العودة إلى بيت زوجي، معلناً بأنه لن يبقيني عاراً عليه كوني مطلقة، وقررت هنا أن أتخذ قراري بالخروج من منزل أهلي وأخبرتهم حينها أني سأعود إلى بيت زوجي، والحقيقة أني اخترت أن ألجأ إلى منظمة حرية المرأة في بغداد، وفعلاً وجدت ضالتي فيها".
تضيف: "استقبلتني المنظمة وتعلمت فيها الإخراج وإعداد البرامج على أيدي متخصصين، ولأول مرة في حياتي أحسست بأني إنسانة ذات كيان يعاملها الناس باحترام كونها امرأة، بعكس ما كنت عليه".
في هذا السياق، يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة صلاح الدين، نهاد العباسي، إن العنف الحالي في العراق بالمجمل يعود إلى حالة الفوضى وضعف القانون التي عصفت بالعراق منذ عام 2003. يضيف: "كون المرأة الحلقة الأضعف، باتت أكثر المتضررين، وقد تكون مضطهدة أكثر من الطفل، فنجد حالات كثيرة لا تتماشى مع تعاليم الدين الإسلامي ولا العادات العراقية، لكنها تحولت إلى عرف جديد مثل اعتبار المرأة "فصلية"، ومنحها ضمن دية القتل، أو حتى تزويجها بالإكراه، أو اعتبار العانس منهن غير مرغوب بخروجها من منزلها، وأن عليها أن تبقى بين الجدران حبيسة، وخرافات كثيرة لم يعرفها العراقيون في السابق". يرى العباسي أن المهمة الأخلاقية تقع على الحكومة بالدرجة الأولى؛ فيجب تشريع قانون يمنع التمييز أو الانتهاك على أساس الجنس والتحكم بحياة الآخرين، وعلى رجال الدين إبلاغ الناس أن الإسلام لا يقر كل هذه الخرافات ولا عادات العرب قديما ولا حديثا".

إقرأ أيضا

600 385 - نساء في العراق: من البيت إلى المنظمات الحقوقية

قد يعجبك ايضا